لندن – “القدس العربي”:
قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير أعدته إليزابيث بوميلر إن السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي هو أول قس إنجيلي يعمل كسفير في إسرائيل وهو ما أثار بهجة حكومة بنيامين نتنياهو والمسيحيين المحافظين.
وقالت إنه في ظل الإدانة الدولية لحرب إسرائيل المستمرة منذ عامين تقريبا والغضب على توسع المجاعة، بات المدافعون عن إسرائيل ينتقدونها إلا هاكابي. وحتى بعد مناقضة رئيسه دونالد ترامب نتنياهو وتأكيده وجود مجاعة حقيقية في غزة إلا أن هاكابي لم يفعل الأمر نفسه.
ونقلت الصحيفة عن هاكابي من مقر إقامته في وسط القدس قوله: “هناك جوع، وهناك بعض القضايا الخطيرة التي تحتاج إلى معالجة”. لكنه أضاف: “الوضع ليس كما حدث في السودان أو رواندا أو غيرها من الأماكن التي شهدت مجاعة جماعية”.
أعلنت وزارة الصحة في غزة أن عشرات الأشخاص، بينهم العديد من الأطفال، لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن عشرات الأشخاص، بينهم العديد من الأطفال، لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية. ولم يتضح عدد الذين أصيبوا بأمراض أخرى. ولكنه دافع أيضا عن مؤسسة غزة الإنسانية، وهي منظمة إغاثة يقودها صديقه القديم جوني مور، وهو مسيحي إنجيلي آخر. وتعرضت هذه المنظمة، المدعومة من إسرائيل والتي يديرها إلى حد كبير مرتزقة أمريكيون، لانتقادات واسعة النطاق بسبب إطلاق القوات الإسرائيلية النار بالقرب من مواقع توزيع الغذاء التابعة لها. وأكد هاكابي المرشح الرئاسي السابق أن “العملية كانت ناجحة للغاية”.
ومثل الإسرائيليين، ألقى باللوم على الأمم المتحدة لعدم إيصال المزيد من المساعدات، بينما تلقي الأمم المتحدة باللوم على القيود العسكرية الإسرائيلية في إعاقة قدرتها على العمل في غزة. وفي يوم الجمعة، وتحت حراسة أمنية مشددة، رافق هاكابي ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، في زيارة إلى موقع تابع لمؤسسة غزة الإنسانية “للاطلاع على حقيقة” توزيعها الغذائي في غزة، وفقا لما ذكره في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف أنه وويتكوف تلقيا إحاطة من الجيش الإسرائيلي، و”تحدثا إلى أشخاص على الأرض”، دون أن يوضح هويتهم.
وقال هاكابي “أين الصرخة ضد حماس”، وفي الأسبوع الماضي، وصف هاكابي إدانة أكثر من 24 دولة، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة، لإسرائيل “بالتنقيط” في إدخال المساعدات إلى غزة بأنها “مثيرة للاشمئزاز”.
ورفض التراجع المستمر لموقف إسرائيل بين الإنجيليين والمؤيدين لترامب مثل ماجوري تيلور، النائبة الجمهورية عن جورجيا التي كانت أول جمهورية تصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية قائلا بأنه “ليس طويل الأمد”.
وتقول الصحيفة إن هاكابي الذي فاز في عام 2008 بانتخابات إيوا التمهيدية كان هادئا ولم يبد عليه الغضب بمقر إقامته البسيط إلى جانب صراحة نسبية في مقابلة استمرت ساعة الشهر الماضي، وتحدث عن إسرائيل ووظيفته الجديدة وإيمانه.
وقال: “أعني، ما هي غاية الحياة إذا أصبحنا، بعد انتهائها، مجرد طعام للدود؟”، وأضاف “أود أن أعتقد أن الأمر أعمق بكثير، إذا كانت هناك نهاية، ولم يكن هناك ما هو أبعد من هذه الحياة، فإن كل محاولاتنا للعيش وفق قواعد أخلاقية، مع شعور بأننا مدينون للآخرين بأفضل ما لدينا، لا أسوأ ما لدينا، لا معنى لها”.
وكانت أول رحلة لهاكابي إلى إسرائيل مع صديق عام 1973 حيث كان في السابعة عشرة من عمره، وكما يتذكر، كانت لا تزال هناك سيارات روسية قديمة على الطرق، وأغنام وحمير في القدس.
وتركت رحلته هذه أثرها على الشاب القادم من بلدة هوب في أركنساس “كانت روحية بالنسبة لي” و”أن تكون في أماكن قرأت عنها كل حياتي في الكتاب المقدس”. وانضم على مدى نصف القرن التالي، إلى الخدمة الدينية والمدنية، وشغل منصب حاكم ولاية أركنساس، وترشح مرتين للرئاسة، وقام بمئة رحلة أخرى إلى إسرائيل، كان العديد منها دليلا لمجموعات مسيحية ذات جدول مزدحم في الزيارات. وقال هاكابي: “كنا نسير حيث سار المسيح”.
واليوم، يعد تعيينه انتصارا للمحافظين المسيحيين الأمريكيين، وهم شريحة قوية من قاعدة ترامب السياسية، والذين لطالما آمنوا بإسرائيل باعتبارها الأرض التي وعد الله بها اليهود في الكتاب المقدس. كما يرى كثيرون أن إسرائيل محور نبوءة توراتية يعتقدون أنها ستمهد الطريق لمجيء المسيح الثاني.
يعد تعيين هاكابي انتصارا للمحافظين المسيحيين الأمريكيين، وهم شريحة قوية من قاعدة ترامب السياسية، والذين لطالما آمنوا بإسرائيل باعتبارها الأرض التي وعد الله بها اليهود في الكتاب المقدس
ويقوم هاكابي بالعناية بهم، ففي منتصف تموز/يوليو أرسل رسالة غاضبة لوزير الداخلية الإسرائيلي، يشكو فيها من المعوقات البيروقراطية لتأشيرات دخول إسرائيل للجماعات الإنجيلية الأمريكية، والتي أشار هاكابي إلى أنها “مسؤولة عن المساهمة بملايين الدولارات في مكافحة معاداة السامية وتقديم دعم ملموس للقضايا الإسرائيلية”. وقد حل الوضع بعد أن هدد بـ”معاملة مماثلة” للإسرائيليين الذين يسعون للحصول على تأشيرات إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك يعد هاكابي أيضا بمثابة هدية من إدارة ترامب إلى نتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة لإنهاء الحرب في غزة. فقبل أسبوعين، حضر محاكمة نتنياهو بتهم الفساد، وفي تدخل غير عادي وصفه بأنه “عمل صداقة” حيث اتهم القضاة المشرفين على المحاكمة بالتحيز. قال: “إنه لأمر غير مسبوق أن تقضي، وأنت في وسط توليك المنصب، وفي ظل فترة عصيبةٍ للغاية، وقتا طويلا، كما اضطر رئيسنا، جالسا في قاعة محكمة، غالبا أمام قضاة ظالمين تماما”.
وفي الشهر الماضي، نشر ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي منشورا دعا فيه إلى “إلغاء محاكمة نتنياهو فورا”.
وقد بذل هاكابي، الذي لطالما أيد المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، والذي قال عام 2008 إنه “لا وجود للفلسطينيين”، بعض المحاولات للتواصل مع الفلسطينيين. وقد التقى قبل فترة حسين الشيخ الرجل الثاني في السلطة الوطنية. ودعا إسرائيل للتحقيق بمقتل الشاب الفلسطيني- الأمريكي برصاص المستوطنين ووصفه هاكابي بأنه عمل إرهابي.
لكنه حذر في تقديم رسائله. ففي رسالة نصية موجهة لترامب، أصدرها البيت الأبيض قبل خمسة أيام من اتخاذ الرئيس قرار قصف المنشآت النووية في إيران: “لقد نجاك الله في بتلر، بنسلفانيا، لتكون الرئيس الأكثر تأثيرا في قرن، ربما على الإطلاق”. وأضاف: “هناك أصوات كثيرة تتحدث إليك يا سيدي، لكن صوتا واحدا فقط هو المهم: صوته”.
وصل هاكابي إلى إسرائيل في نيسان/أبريل بعد تصويت تم على الخطوط الحزبية، لتأكيد تعيينه لمنصب السفير، ولم يدعمه سوى ديمقراطي واحد، وهو السناتور جون فيترمان من ولاية بنسلفانيا.
وقد أمضى ساعة مؤخرا على الهاتف مع والدة أحد الأسرى الذين ما زالوا محتجزين في غزة. وقال هاكابي إنه تحدث إليها عن ابنها: “لا أستطيع إصلاح الأمر، أتمنى لو أستطيع”. وأضاف أن أقل ما يمكنه فعله هو “الاستماع، مجرد الاستماع”.
وبعد شهرين من وصوله إلى القدس، شنت إسرائيل غارات جوية على إيران وخاض العدوان حربا استمرت 12 يوما. وأمضى هاكابي، كغيره من الناس في إسرائيل تقريبا، ساعات في غرفة آمنة محصنة. وكانت غرفته هي غرفة الغسيل الصغيرة في مقر إقامة السفير، حيث كان يلجأ إليها عدة مرات في الليلة مع زوجته وفريقه الأمني وكلبين. قال: “كنت أشبه بزومبي”.
في حزيران/ يونيو قال هاكابي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن إنشاء دولة فلسطينية على أراضيها في الشرق الأوسط يقع على عاتق “الدول الإسلامية” لأنها “تملك مساحة أرض تعادل 644 ضعف المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل”. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، تامي بروس، إن هاكابي “يتحدث بالتأكيد نيابة عن نفسه”.
وفي المقابلة التي أُجريت في السفارة، لم يخض هاكابي في دوامة الجدل. وقال عندما سئل عن مكان الدولة الفلسطينية: “لا أعرف”. وأضاف: “إنه سؤال صعب. هل ستضع شخصين فوق بعضهما البعض؟”. ولم يشارك هاكابي بشكل مباشر في محادثات وقف إطلاق النار المتقطعة في غزة مع حماس، والتي ضمت ويتكوف ورون ديرمر، أقرب مستشاري نتنياهو. وقال إنه يتعامل بانتظام مع وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي كان رئيسا مشاركا لحملته في فلوريدا خلال ترشحه للرئاسة عام 2008.
قال يحيئيل ليتر، السفير الإسرائيلي في واشنطن: “هاكابي يحضر حافلات مليئة بالإنجيليين إلى إسرائيل مرتين سنويا”
وتكمن قيمته الفريدة كسفير، على الأقل في نظر مؤيديه في القدس وواشنطن، في علاقته الوثيقة بالقيادة الإسرائيلية وعلاقاته الممتدة لعقود مع البلاد. قال يحيئيل ليتر، السفير الإسرائيلي في واشنطن: “إنه يحضر حافلات مليئة بالإنجيليين إلى إسرائيل مرتين سنويا”.
ورغم علاقاته المعروفة بإسرائيل إلا أن القس جاك سارة، وهو فلسطيني إنجيلي ورئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس في الضفة الغربية المحتلة، أعرب عن خيبة أمله لعدم تواصل هاكابي معه: “لسنا على راداره، نشعر بالتجاهل”.
وفي آذار/مارس حثت أكثر من 65 منظمة يسارية ودينية وحقوقية، من بينها جماعات مسيحية ويهودية وإسلامية، مجلس الشيوخ على رفض ترشيح هاكابي سفيرا لدى إسرائيل. وقالت هذه المنظمات إنه غير مؤهل للوظيفة نظرا “لآرائه المتطرفة الداعمة للإبادة الجماعية التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين”، وإن “تعيينه سيشجع معارضي السلام ويزيد من الانقسام، بدلا من تشجيع الحوار والتفاهم البناء”.
قبل خمس سنوات، في الفيلم الوثائقي “حتى يأتي الملكوت”، استكشفت المخرجة الإسرائيلية مايا زينشتاين ما أسمته “التحالف غير المقدس” بين الإنجيليين الأمريكيين والمستوطنين اليهود المتدينين في الضفة الغربية. وركزت على كنيسة في كنتاكي، حيث أظهرت كيف يغدق الإنجيليون المال والدعم السياسي على المستوطنين، الأمر الذي جادلت بأنه يساعدهم في استيلائهم على الضفة الغربية.
في المقابل، يقترب الإنجيليون من تحقيق نبوءة نهاية الزمان، وهي أن المجيء الثاني للمسيح لا يمكن أن يحدث دون عودة جميع اليهود إلى الأرض المقدسة. ثم تتصور النبوءة سبع سنوات من الحرب أو “الضيق”، وبعدها يجب على اليهود قبول يسوع وإلا سيحكم عليهم بالجحيم. ويظهر في الفيلم إنجيليون وإسرائيليون يمينيون متفقون على اختلاف وجهات نظرهم بشأن نهاية الزمان، في حين ينخرطون في علاقة قائمة على المصلحة الذاتية المتبادلة. في مقابلة، تذكرت زينشتاين كيف شعرت بالحيرة عندما أخبرها الإنجيليون الأمريكيون أنهم يحبونها حتى أوضح أحدهم: “أنت المفتاح، بدونك، لن يعود يسوع”.
لا يؤمن جميع الإنجيليين بالنبوءة، ولم يدل هاكابي برأيه فيها. قال: “عرفت الكثير عن نهاية العالم عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري. لكن كلما تقدمت في العمر، قلت معرفتي، لأنها من تلك الأمور التي تمثل لغزا من أسرار الله”.
وفي الوقت نفسه يقول هاكابي إن حياته في إسرائيل هي فرصة “لخدمة بلدي ولخدمة ديني”. مضيفا “أخبر الناس أنني كل يوم عندما أستيقظ، أنظر إلى تغريدات الرئيس، لأرى ما إذا كنت قد طردت” أم لا.