«مارستان الأقنعة» مجموعة القاص المغربي أنيس الرافعي: قلق الهوية وطبقات الخروج من البشري

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في قصص «مارستان الأقنعة إعادة اختراع البهلوان» للقاص المغربي أنيس الرافعي محاولة لخلخلة الحدّ الفاصل بين الحقيقي والزائف، وإعطاء هذا الزائف قيمة، فعودة أو خروج البهلوانات إلى الصورة الآدمية الحقيقية بعد نزع الأقنعة، تأتي مصحوبة بالحزن، لأن حالة البهلوان وتقنّعه يمنحانه نوعا من الانعتاق والحرية، وخروجا من الواقعي الذي يأنف منه، فالواقعي باب إلى التحلل والنهاية، في مقابل البهلوان الذي تفتح له أبواب الديمومة والأبدية، والتكرار في أشكال وفصائل ووسائط جديدة. الخروج من البشري وما يرتبط به من زمنية ومحدودية انفتاح على الأبدي واللانهائي المتكرر دائما في طبقات جديدة.
قيمة المجموعة تتمثل في ارتباطها بمنحى عام يجمع شتاتها، ويشكل البؤرة أو الدائرة الأولى التي تتوزّع إلى دوائر متكررة لا تكف عن التوالد والانشطار. فالمنحى العام يوجه نحو تلق مغاير، ويمنح الفكرة نوعا من الصلابة، بالرغم من اختلاف وتعدد مآلات أبطالها الكاشفة عنها. والفكرة لا تنفصل عن الشخصيات أو صور البهلوان بالإلحاح على دائرية الزمن من جانب، وعلى التمدد والاستمرار في التوالد من جانب آخر، حيث يتسع مفهوم كلمة البهلوان ليصبح موازيا للوجود البشري أو الإنساني في تقلبات أحواله وأشكاله، وامتداد طبقاته التي تأخذ في كل مرة شكلا وتجليا مغايرين. فالبهلوان في القصص كيان يتعاظم على المحدودية الوجودية في اندراجها داخل حدود الزمن الطبيعي المرتبط بالبداية والنهاية، لتصبح معه كل نهاية بداية جديدة.
التحوّل من الواقعي إلى الخيالي أو من الحقيقي إلى العجائبي يحدث في قصص المجموعة بهدوء وبدون جلبة، ويظلّ دائم الإشارة والحضور داخل مساحة الواقع، خاصة إذا كان هذا التحوّل لا يتمّ بشكل حاد وقطعي، بل بشكل تدريجي يهدهد إنكار القارئ، ويعمل على تجذير القبول بهذا التحوّل والاقتناع به. فكثير من قصص المجموعة تشتغل على الحقيقي والزائف، وتخلخل انفصالهما من خلال المساواة بينهما، والتشكيك في الحقيقي مقابل الزائف، لخلق أهمية موازية لهذا الزائف.
وفي ظل ذلك تتوجّه بعض القصص إلى تذويب الهوية الفردية والشك في نصاعتها وثباتها، لتحويلها إلى هوية منفتحة هجينة غير نهائية، ما يفتح الباب لوجود هويات عديدة للذات نفسها، وكأن هذه القصص تشتغل على تهشيم الفرادة الهوياتية، وتنفي محدوديتها، وتؤسس نوعا من التعدد. فالأقنعة في النصوص تصبح جزءا من الوجه الحقيقي، ويصبح هناك وجهان، أحدهما حقيقي واقعي مغيّب، لأن القناع الذي التهم البشرة الحية، وتداخل مع لحمها وجزئياتها، يمثل هوية جديدة، أصبح لها الحضور الفاعل، وعملت في إطار ذلك على تعطيل الحقيقي وإخفائه، ليطل مكانه وجه يثبّت حدوده بشكل تدريجي. وفي كل ذلك هدم لفكرتي الحقيقي والثبات.

تعدد الأقنعة وقلق الهوية

القناع تغييب للإنسان ولواقعه، ولشبكة علاقاته، ويتساوق مع استخدامه في قصص المجموعة الخروج عن المنطق الإنساني من خلال الآليات السردية المعهودة، مثل الحلم أو تيار الوعي أو الآليات الشامانية للتحوّل من سياق إلى سياق. والتحوّل الذي تمارسه القصص يتعلق غالبا بوجه الإنسان الكاشف الأساسي عن هوية محددة، وهذا يجعل القلق الهوياتي حاضرا، ويجعل فكرة الانتقاص من الآني الواقعي مهيمنة في جزئيات ليست قليلة. فالاتكاء على منهجية (بوتيرو) في الرسم أو النحت يوجهنا نحو هذا الأفق التغريبي الانتقاصي، لأنه لا يقدم جزئيات الواقع- أو الشخصيات الإنسانية- كما هي، بل يرصدها انطلاقا من رؤيته ووعيه. ففي إبداعه كشف عن جسد الإنسان بأسلوب كاريكاتيري، وكأنه نوع من التعرية للهوية المكتملة المستقرة.
اختيار منهجية بوتيرو في الرسم والنحت، في قصة «هلوسات متجر ماوكلي» اختيار للانزواء داخل هوية بديلة، تستجيب للمتغيرات المحيطة بالفرد من جانب، وتحمل توجها فنيا للكشف والتعرية من خلال فعل التشويه الذي يمارسه ذلك الفنان من جانب آخر. فالبدانة المكتنزة وقصر القامة في مقابل الأيدي النحيفة والرفيعة في البهلوانات السبعة تشير إلى فقدان الاتساق والاستواء والهدوء الكاشف عن القلق الهوياتي الذي يتجلى في حركة السارد الفعلي في النص. حركة السرد في معظم قصص المجموعة تمثل تعرية للاتساق المزعوم، وطريقا للانخراط داخل الإطار البهلواني المقنّع في كل قصة، فكأن الوجود الراسخ المزعوم وجود زائف، يغضّ الطرف عن التحويرات القلقة التي تصيبه دون أن يستجيب لها.
يشير النص السردي في جزئيات كثيرة إلى فكرة الاتزان بعد الخروج من نسق إلى نسق جديد، نسق زمني محدود بالنهاية إلى نسق أبدي دائري لا ينتهي، بل يتوالد بشكل مستمر، وفي انفتاح دائم على هويات متغايرة في كل طبقة، فالانعتاق من سلطة الزمن انعتاق من النهاية المحتومة، وتوق إلى الأبدي المستمر، ولهذا نجد النص يقول في نهاية القصة، مصورا هذا التوالد والتمدد الخارق للمحدودية والزمنية: «استرجعت من جوف ورق التغليف حيوات باطنية سابقة أو قادمة، وكشفت الحجاب عن أفكارها ومكنوناتها. صنعت في غمرة الرقص الممسوس نسخا عديدة من جسمي».
وتأخذ هذه الفكرة حيّزا واضحا كاشفا عن حضور خاص ولافت في قصّة «قاموس الآلات الأدبية الخيالية»، حيث يلحّ البهلوان فيها بوصفه وجودا متكررا في أزمنة مختلفة، فالبهلوان- مثل الإنسان في المنطق الخيالي للنصوص- يتناسخ بشكل دائم، بلا بداية أو نهاية، فهناك وجود دائري لا ينتهي في مرحلة إلا ليبدأ مرحلة جديدة وفق تشكّل جديد. فالحركة بين الدولابين اللذين يشكلان الآلة، ويمثلان الحياة والموت في حركة مستمرة، قد تنتج مسخا أو قزما، أو شبحا لا مرئيا، أو مخلوقا بهوية جديدة، لا يستطيع التعرّف على نفسه في طبقته أو في وجوده السابق. والتغيير في الهيئة والشكل بين المتجلي للذات في كل طبقة، يتجاوب معه تغيير في البيئة أو المكان الذي يستعيد وجوده فيه بعد قياماته المتعددة، أو في الوسيط البديل، مثل الحيوانات الوضيعة، كالجرذ والجربوع والصرصور.
ولكن الشيء اللافت الذي اشتغلت عليه النصوص القصصية يتمثل في اعتبار القناع طبقة جديدة، فهي لا تغطي بالتصاقها على الوجه أو الوجوه أصلا أو وجودا واقعيا حقيقيا، بل تحوّلت إلى أصل، وإلى طبقة جديدة تمثل لحظة مغايرة، القناع في ظل ذلك الفهم أو التلقي كاشف عن وجود حقيقي لاهتزازات أرواحنا وتبدلاتها من لحظة إلى لحظة أخرى، يقول النص: «حينما نبدّل جوهرنا الأصلي، صافي السريرة إلى بهلوانات مستحوذة تستأثر بمصائرنا، فتعيرنا أقنعتها المحنطة، ثم تطلّ بشعوذاتها من دخيلة أرواحنا الممسوخة إلى تاريخ ذاتي للقبح».
تغييرات الأقنعة جزء أساس من اللعبة السردية، في اتحادها بالمنحى الفكري المعبر عن الطبقة ولحظتها الزمنية، في حدود صورة البهلوان المختارة. فالبهلوان بأقنعته تعاظم على المحدودية الوجودية بالامتداد والتشكّل في صور وأشكال قناعية تناسب الفترة أو الطبقة الزمنية. في قصة «الحمار النطّاط»- وهي جزء من نص تنويعات على أقنعة اليرقات- نجد أن هناك قناعا استشرافيا، لديه القدرة على الحركة والقفز من مكان إلى مكان، وقد تمّ طلاؤه بالأسود، ويعرف لغة البشر للتواصل معهم.
القناع في قصص المجموعة، في تشكيله للبهلوان أو في إعادة تشكيله يخرج من ماديته، ويصبح كائنا حيّا، يكشف عن أفكار مهمة تتعاظم على محدودية الوجود الإنساني، وأفقه المغلق بالنهاية أو الموت أو التلاشي، ليرتبط بدائرية وأبدية الزمن، تتجلى في فعل التوالد المستمر. وفي توالده وتكرار هيئاته يشتغل على الهوية المغلقة، ويخلخلها ويجعلها هوية تعاني من الهجنة، ومنفتحة على الحذف والإضافة، وعلى تعالقها بالسابق واللاحق. فقناع الشر- أو الشيطان كما رأينا سابقا- يمكن أن يكون مجسّدا واضحا، ويمكن أن يكون في طبقة تالية غائبا غير ملموس، لكنه يتجلى ذا تأثير وفاعلية من خلال تلمّس آثاره.

التحوّل المتدرج والحضور المعرفي

هناك في النصوص القصصية آلية في عملية تحويل الواقعي إلى خيالي، فالملاحظ في أغلب قصص المجموعة أن الانتقال من الواقعي إلى الخيالي، يتم بشكل تدريجي لا يفصح عن قطع أو بتر قد ينكرهما المتلقي. هذا التدرّج في عملية التجهيز لقبول النقلة، وإضفاء نوع من المشروعية على حدث يباين المنطق الطبيعي للأشياء. فالمجسّم المصغر لمدينة ملاهٍ، وسكّانها من البهلوانات المجهزة بالبطاريات، يتعرض لحالات وانتقالات تدريجية تبدأ بالنمو الذي يلفت النظر. فهذه المرحلة توقعنا في مرحلة الريب التالية، لتأتي بعدها مرحلة الهيمنة والاستبدال، يقول نص «حقيبة الأبدية» راصدا هذه المرحلة، ومُدخلا السارد نفسه في إطارها: «في اليوم التالي نظرت من شرفة الشقة، فشاهدت ما جمّد الماء في ركبتيّ. فالمدينة الحقيقية انمحت تماما، واستبدلت بها مدينة المجسمات الملونة».
يستند أنيس الرافعي في كتابة القصة القصيرة إلى معرفة واسعة بالآداب العربية والأجنبية، وقد مكنّه هذا من التوسع في هذا الفن، وخلق أساليب كتابية ليست مألوفة لدى كثيرين من الكتّاب، بل يمكن الإشارة إلى أنه استطاع أن يطوّر من خلال التجريب أشكالا قصصية ليست مشدودة إلى المتراكم الإبداعي الجاهز، وقد ساعدته هذه المعرفة الأدبية في تأسيس توجه إبداعي في الكتابة القصصية له فرادته وتميّزه. فهو لا يكتفي بإدراج هذه المعرفة داخل نصوصه، والوقوف بها عند حدود الرصد المعلوماتي، بل يحيلها إلى معرفة، حيث تصبح جزءا من نسيج النص وتكويناته. في (متحف السيمولاكر) نجد النص يرصد حالة الدهشة التي تجعل السارد يتابع حركته داخل هذا المتحف الغريب الذي يقوم بعمل صور مزيفة للبشر، يقول النص لتأسيس توجه ما في التلقي، أو لتقريب الحالة المصوّرة «وجدتني أتعقّب كالمسرنم تماما أرنبا آليا أبيض، ناطقا بلغات شتى، شبيها بأرنب أليس في بلاد العجائب».
وقد يمتدّ هذا المنحى المعرفي في إطار جزئيات متجاوبة مع الفكرة الأساسية للقصة أو للقصص، مثل إشارته في القصة ذاتها إلى (كهف أفلاطون الأسطوري) للتدليل على الظلال الغريبة والمرعبة لهيئات وأشكال البهلوانات التي ترسمها الأضواء والليزر على الجدران الداخلية للمتحف. إن كهف أفلاطون الأسطوري يشير إليه في كتابه «الجمهورية» لشرح نظريته في المعرفة، حيث هناك أناس مقيدون منذ الولادة، يدركون العالم من خلال ظلال الأشياء، بسبب نار خلفهم، فالعالم في منطق أفلاطون ظاهري وحقيقي، والحقيقي يتمثل فيما تعرضه الظلال، ويقع خارج الكهف.
المعرفة في السرد القصصي في هذه المجموعة تتخلله، وتصبح ذات أهمية بالغة في تأطير الإطار المعرفي والتوجّه الفكري، وتوجيه القارئ نحو تلق خاص، بصناعة إشارات دالة تنثرها على مسافات متباعدة من النص. في قصة «المقامة البهلوانية» يبدو الاشتغال على التعدد والاستمرار بشكل مغاير في كل طبقة أو فترة حاضرا. فالراوي المحتال الذي يحدث المتفرجين الحاضرين بعشرة أقنعة، وعشرة أصوات، وعشرة ألسنة يسلم قياده والمقامة أو الحكاية إلى بطل مطلق بصوت ولسان وقناع واحد، وكأن النص- هنا- يوجّه نحو بداية مرحلة أو طبقة من الطبقات العديدة، تضاف إلى الطبقات العشر السابقة، حيث تأخذ هذه الطبقة منحى جديدا، وتزرع في سياق جديد.
يدخلنا النص إلى الطبقة الجديدة من خلال التحام البطل بسياق الحيتان وزفرتها الأخيرة قبل الموت، حيث يصبح واحدا منها في تنقلاته العديدة، وتشكلاته المختلفة في كل طبقة، ويظلّ بعد نفوقها يقصّ سرديتها، ويكمل الحكاية كاشفا عن طبقة ذات خصوصية تدرج وتضاف إلى الطبقات العشر السابقة الحافلة بتاريخ الروح الكاشفة عن الديمومة والوجود الدائري اللانهائي. ما يلفت النظر في قصة المقامة البهلوانية في الإطار ذاته، إشارته إلى سيمفونية (القداس الأخير) لموتسارت، حيث بدأ في تأليفها حين شعر بدنو أجله، لكنه مات قبل أن يكملها، فأكملها فرانز خافير سوسماير، وكأن طبقة الروح الجديدة للبطل مع الحيتان موازية للتمدد والتوالد الإنساني.
تتكرر هذه الجزئيات المعرفية في نصوص كثيرة من القصص، منها- على سبيل المثال- الإشارة إلى طائر (القطرس) في تواز مع لاعب السيرك الذي يؤدي وصاحبته لعبة الترابيز، فكلاهما- اللاعب والطائر- يستمر طائرا لوقت طويل، فهذا الطائر يقضي معظم حياته في الهواء، ولا ينزل إلى اليابسة إلا للتزاوج. أو الإشارة في القصة ذاتها إلى رواية (موعد في سامراء) لجون أوهارا، أو لقصة سومرست موغام القصيرة، أو إلى أصولها العربية، وكلها تشير إلى حتمية الموت، وإلى أفق الإنسان المغلق بالنهاية المحتومة.
أنيس الرافعي: «مارستان الأقنعة»
خطوط وظلال، عمّان 2025
106 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية