ماذا سيبقى من عام 2024؟

عام 2024، الذي بدأ بكتاب ونبوءة الباحث الفرنسي أيمانويل تود حول «هزيمة الغرب»، الذي انتهى بالزلزال السوري وفرار طاغية الشام، لم يكن عاما عاديا. في هذا العام، ومع استمرار الحرب الطاحنة على الساحتين الأوكرانية والسودانية، فإن مقولة قديمة كانت تتأكد، وهي التي ترى إن من السهل امتلاك قرار بدء الحرب، لكن الصعب هو التحكم في مآلاتها وإيقافها. الجميع يستسهلون الأمر في البداية، حينما لا يكونون قادرين على استيعاب المؤثرات والتدخلات الخارجية. المسافة الجغرافية بين الحربين كبيرة، وكذلك الاختلاف في السياق ما بين حرب داخلية في السودان وحرب بين دولتين في رقعة جغرافية متسعة تتداخل فيها حدود روسيا وأوكرانيا.
مع استطالة أمد هاتين الحربين، ومع ازدياد حجم الدمار وأعداد الضحايا، اتضح أن المستفيد الأكبر ليس أحد طرفيها، بل هو طرف ثالث يهمه إضعاف كل من روسيا، التي أعياها التضخم، واستنفدت الكثير من مواردها الاستراتيجية، وأوكرانيا، التي تدمرت مدنها وباتت بحاجة لعملية كبيرة لإعادة الإعمار. ذلك الطرف الخارجي ربما كان يستهدف أيضا الاتحاد الأوروبي، الذي دخل نفقا اقتصاديا مظلما، كانت له تأثيراته على مكانته الدولية وانعكاساته السياسية الداخلية على كل دوله.

الشكل، الذي مورست به الاستحقاقات الانتخابية في أكثر من بلد كان أبعد ما يكون عن الشفافية، حيث كان الأمر بالنسبة لعواصم كثيرة أقرب لمحاولة تكتفي فقط بالتشبث بالشكل والمظهر الديمقراطي الخادع

الأمر مشابه بالنسبة لحرب السودان، فالمحصلة الواضحة كانت أن قوات المشاة الخاصة، التي أنفقت عليها الملايين من أجل أن تكون قوة للاستجابة السريعة، قد تفككت، كما أن الجيش، الذي كان يعد ضمن أفضل جيوش المنطقة، بفضل ما كان يمتلكه من تقنيات وصناعات عسكرية نادرة، لم يعد هو ذلك الجيش. هذه الحرب الداخلية نجحت خلال فترة قصيرة نسبيا في تحقيق ما كان سيصعب تحقيقه بواسطة غزو خارجي. إذا كانت الحرب الأوكرانية قد أثرت على الدول الأوروبية تأثيرا لا يخفى، فكذلك حرب السودان تأثر بها مجمل دول الجوار، سواء من خلال تفشي الفوضى وازدياد أعداد اللاجئين الهاربين، أو من خلال الحرمان من المنتجات والصادرات السودانية، التي كانت تغذي كثيرا من أسواق الجوار. من ذلك ما ذكرته مجلة «إيكونومست» في عددها الأخير، حول تأثير توقف تصدير نفط دولة جنوب السودان عبر ميناء بورسودان على الاقتصاد الجنوبي السوداني، بل على الوضع السياسي في ذلك البلد، الذي يعتمد على صادرات النفط كمصدر دخل أساسي. تأثير حرب السودان على دول الجوار، خاصة مع مساحة البلد الشاسعة وموقعه في القلب الإفريقي لا يحتاج إلى بيان، لكن الغريب، أن هذه الدول الواقعة في أغلبها تحت تأثيرات خارجية، وعوضا عن تقديم دعم للجيش الحكومي، بما يساعد على استتباب الأمن وحسم التمرد، نجدها على العكس من ذلك تستثمر في دعم الفوضى، ما يطيل أمد الحرب. هذه المفارقة تكفي وحدها دليلا على أن كثيرا من الدول الافريقية لا تملك قرارها ولا تتصرف وفقا لمصلحة شعوبها. من جهة أخرى كان العام الماضي هو عام التصويت والانتخابات، حيث شهد 79 بلدا حول العالم عقد انتخابات مهمة، وهو ما ترى فيه دول الشمال مؤشرا جيدا على نجاح نموذجها الليبرالي. «الديمقراطيات» كانت ترى كذلك في التراجع الاقتصادي الصيني، الذي ظهر في العام الماضي، دليلا على نجاح رؤيتها التي تقول، إنه لا يمكن للطفرة الاقتصادية أن تستمر دون إصلاح سياسي.
في الواقع فإن الشكل، الذي مورست به الاستحقاقات الانتخابية في أكثر من بلد كان أبعد ما يكون عن الشفافية، حيث كان الأمر بالنسبة لعواصم كثيرة أقرب لمحاولة تكتفي فقط بالتشبث بالشكل والمظهر الديمقراطي الخادع، أما النتيجة التي قاد إليها كثير من تلك الانتخابات، فكانت أيضا مثار تساؤل وتشكيك حول حقيقة تمثيل الأنظمة الديمقراطية لشعوبها. يكفي أن يتذكر المرء الأزمة السياسية الفرنسية، التي أدخل الرئيس أيمانويل ماكرون فيها الجميع حينما حل البرلمان بشكل مفاجئ ثم دعا لانتخابات مبكرة من أجل إعادة توزيع النسب البرلمانية، الذي حدث حينما أسفرت نتيجة التصويت عن غير ما تشتهي سفينة حاكم الإليزيه، أنه قام بتجاهل المجموعة الفائزة واختار رئيس وزراء على مقاسه، ما أدى لإسقاطه بعد وقت وجيز واستبداله برئيس حكومة جديد سيكون الرابع خلال العام. خلال العام الماضي لم تكن الخشية على الديمقراطية مقتصرة على الوضع في دول الجنوب، بل تجاوزت ذلك للخوف على مستقبل الولايات المتحدة نفسها، حيث كانت تهديدات كثيرة تشير إلى أن أنصار دونالد ترامب لن يقبلوا بالنتيجة، إذا ما جاءت ضد مرشحهم. جعل هذا مفكرين أمريكيين كثر يناقشون بجدية فرضية حدوث حرب أهلية ويحذرون من تداعياتها وآثارها. لحسن الحظ، فإن السيئ لم يحدث، حيث نجح ترامب وحقق فوزا متوقعا، بعد أن نجح الجمهوريون في كسب فئات لم تكن من المصوتين المعتادين كالزنوج واللاتينيين والمسلمين، وغيرهم من الفئات، التي كانت تراهن في السابق على الحزب الديمقراطي.
في القرن الافريقي ولدت العام الماضي أزمة بين كل من الصومال وإثيوبيا، بعد أن اتفقت الأخيرة مع صومالي لاند، وهي إقليم ينزع للاستقلال عن الصومال، على الحصول على منفذ بحري. الصومال، الحساسة تجاه أي اعتراف بالإقليم كسلطة مستقلة، لم تتأخر في التعبير عن غضبها، ما جعل المنطقة تحبس أنفاسها وتستعد لتوتر سياسي مرشح للتطور لأزمة عسكرية وأمنية، في الظاهر، نجحت تركيا في احتواء الأزمة، حينما دعت الطرفين إلى أنقرة للتفاوض المبني على اقتراح حل وسط، يسمح لإثيوبيا بالحصول على المنفذ، الذي تريد لكن بالاتفاق مع السلطة المركزية في مقديشو. ما يجعل الأزمة مرشحة لأن تطل برأسها مجددا في العام الجديد، هو أن المنفذ البحري، الذي توافق مقديشو على تقديمه، ليس هو بالضبط ما تطالب به أديس أبابا، التي تأمل في الحصول على قاعدة عسكرية بحرية. يكمن الاختلاف في أن الموافقة الصومالية تقتصر على منح ميناء للأغراض التجارية. تمثل معضلة الانحباس هذه إحدى أهم عقد إثيوبيا، التي تنظر إلى نفسها كقوة إقليمية، لكن التي تفتقر إلى الإطلالات البحرية. هذه العقدة سببت في الماضي إصرارا على استبقاء اريتريا، المطلة على البحر، وتسبب في الوقت الحالي طمعا في الحصول على موطئ قدم ساحلي بأي طريقة، سواء من خلال الصومال أو إريتريا، بل وصل الأمر برئيس الوزراء الإثيوبي حد القول في تصريح سابق، إنهم ربما يلجؤون لأخذ بعض الموانئ الإريترية بالقوة.
في العام الماضي تواصلت أيضا حرب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين، وعلى الرغم من الانتهاكات الواضحة، إلا أن العالم، بدوله ومؤسساته ومنظماته الحكومية والأممية، كان عاجزا، أو غير راغب، في ردع المعتدين، بل إن الأطراف المتحكمة في القرار الدولي أظهرت تواطؤا مكشوفا ومفضوحا تجاه الانتهاكات والجرائم الواضحة، التي كانت تنقل عبر وسائل الإعلام. هذه الاستهانة غير المسبوقة بأرواح عشرات الآلاف، وذلك الإفلات الوقح والمستفزّ من العقوبة، ولّد حالات من الغضب وتدفقا من الأسئلة، ليس فقط عند الشعوب العربية والإسلامية، وإنما عند مجمل الشعوب الحرة والناس، الذين لم يفقدوا فطرتهم السليمة بعد. لم يكن بإمكان أولئك، تحت أي مسوغ، القبول بهذا الاستهداف الجماعي للمدنيين في مجمعاتهم السكنية ومدارسهم ومستشفياتهم، بحجة البحث عن الأمن الإسرائيلي.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية