ماذا تريد نساء النظام؟

حجم الخط
1

رصد تقرير تلفزيوني لقناة روسية ظاهرة تَعاقُد النظام السوري مع نساء قناصات ودفعهن إلى جبهات القتال. التقرير تحرك بحرية على الجبهات المزعومة مجرياً مقابلات مع القناصات، ورؤسائهن، ولم يفتْه أن يلتقيهن في حياتهن العامة للحديث عن بعض أحلامهن، وفيما إن كان الأهالي قلقين على حياتهن. أراد التقرير إلى جانب ذلك أن يسبغ لمسات إنسانية على المحاربات قاسيات القلوب، والصارمات، حيث دقيقة تأخير عن قنص الخصوم ستكون نتيجتها خسارة حياتهن.
ليست هذه المرة الأولى التي يتعمد النظام إظهار النساء المحاربات بكامل العتاد القتالي على شاشات التلفزيون، فقد سبق له أن أظهر عدداً كبيراً يتطوع في ميليشيا شعبية تحت اسم «جيش الدفاع الوطني»، بدا الأمر حينذاك أشبه بدعابة إعلامية فلم يكن مظهر هؤلاء النساء يوحي بهذا القدر أو ذاك من الاستعداد القتالي. فيما بعد بدأن بالظهور على الحواجز، خصوصاً في مدينة حماه وما حولها، وذلك إثر النقص الكبير الذي طال قوات النظام.
مفهوم تماماً أن يجند النظام كل ما يملك في حربه ضد الثورة السورية التي أثبتت عناداً استثنائياً، إنها بالنسبة إليه حرب الجميع من أجل البقاء، فكان لا بد من إظهار النساء على هذه الصورة في خندق القتال. أراد أن يقول إنها حرب حتى آخر ما يمكن أن يتبقى لديه. عدا عن أنه أراد توريط الجميع في القتل، هذه طريقته في تحويل المجتمع كله إلى رهينة.
لافت بالفعل اعتماد النظام على النساء حتى في الحقل السياسي والدبلوماسي. مبكراً كان لبثينة شعبان ولونا الشبل ومذيعات القنوات الرسمية والخاصة الحظوة الأكبر في الدفاع عن النظام. والحق أنهن أبدين شراسة لم تكن لا لوزير خارجية النظام وليد المعلم، ولا لوزير إعلامه عمران الزعبي. لعل ذلك جزء من الصورة التي يريدها النظام، فمثلما يزعم أنه حامي الأقليات، فقد تفيده أيضاً صورته كمنصف للمرأة وحقوقها، فما دامت تلك تحارب إلى جانب الرجل في مواقع متقدمة، فلا شك أنها واقفة في كل مكان.
إن نظرة إلى أول تقرير تلفزيوني سوري أظهر نساء النظام كمتطوعات للقتال تكشف عن مدى الهشاشة، كانت أكتافهن محنية، والعيون لا توحي بمظهر مقاتلات بل رهائن، لقد استطاعت حِرفية التقرير الروسي أن تخفي كل ذلك. أما في الجوهر فجميعنا يعرف أنهن لسن سوى رهائن.

سيرين بلا حدود

أحسن طريقة لاكتشاف روعة انجيلينا جولي هي أن تذهب لمشاهدة سيرين عبد النور في برنامج «بلا حدود» على تلفزيون «الآن»، خصوصاً في تلك الحلقة التي قضت فيها عبد النور بعض وقتها الذهبي مع اللاجئين السوريين في خيامهم في البقاع اللبناني.
كنا غالباً نسمع عن زيارة انجيلينا جولي لمخيمات اللاجئين العراقيين بعد أن تقع الواقعة، بعد أن تغادر تلك المخيمات، من دون كاميرات تلفزيونية توثق يوميات النجمة الأمريكية، من دون عراضات شعبية في استقبالها.
وربما بالمصادفة سُربت صورة لها مع براد بيت التقطها معجب عابر قريباً من أسوار قلعة دمشق، باتت من العلامات القليلة على أن النجمة الفاتنة مرت بتلك البلاد. كان من الواضح أن الهمّ، وبالتالي الخبر، كان فعلاً هو أحوال اللاجئين، لا زيارة نجمة سينمائية. هنا، مع «سيرين بلا حدود» الحكاية كلها سيرين. الموضوع هو هذه «المغامرة» التي تخوضها النجمة اللبنانية تماماً كما يغامر زميل لها في الحلقة نفسها بركوب الطائرة الشراعية.
أجرت عبد النور بعض المقابلات مع الأطفال النازحين، المسافة كانت محسوبة دائماً بينها وبينهم بما يتيح صورة في ألبوم النجمة، لا في ألبوم اللاجئين. سألت الفنانة بسطحية بالغة، ومن دون اهتمام حقيقي بادٍ. كان واضحاً أنها لا تنتظر جواباً بقدر ما تنتظر دمعة تسجلها الكاميرا ليلوكها الجمهور. النجمة نفسها كانت جاهزة للدموع، هذا جزء من عدة الشغل، إلى جانب شيء من الدلع، والاستعراض، وحتى الرقص أحياناً.
أفرد البرنامج مقابلات مع النجمة نفسها، ومع زميلة لها، للحديث عن الرحلة، المغامرة، ومرة أخرى لم يكن الموضوع هو فظاعة ما يعيش اللاجئون، بقدر ما كان حديثاً عن المشاعر التي أثيرت عندها.
أقسى لحظات البرنامج كانت توزيع الهدايا للاجئين، شيء جارح حقاً أن ترى من يتاجر بكرام الناس وأطفالهم حين يجري تصويرهم يتراكضون نحو الهدايا، بل إن زميلة عبدالنور في الرحلة لم تتورع عن وصف أحد الأطفال بالتحايل من أجل الحصول على مزيد من الهدايا.
«سيرين بلا حدود» سيضم ستاً وعشرين حلقة من هذا النوع، تتمحور حول البطالة والفقر والمخدرات، وبالطبع ستكون سيرين بطلة كل هذه المحاور. لا بد من طريقة ما لإعادة تأهيل النجمة، قبل البرنامج لا بعده، لتكون لائقة بدور انجيلينا جولي.

شكسبير في الزعتري

نوار بلبل ممثل ومخرج مسرحي كان من بين الوجوه التي خرجت في تظاهرات ضد النظام السوري. بنى خيمة في وسط مخيم الزعتري للاجئين سماها «خيمة شكسبير» وقدم مع أطفال المخيم توليفة مسرحية أعدّها والده المسرحي البارز فرحان بلبل عن بعض نصوص شكسبير.
لا شك أنه بذل جهداً يستحق الاحترام، لكن عبارته لبرنامج «مراقبون» على «فرانس 24» حين قال «إن الهدف الأعلى للمشروع: أخرجوا الأطفال من لعبة الكبار القذرة» غريبة لمن ناصر الثورة السورية وعاصر يومياتها. «لعبة الحرب القذرة» تعني أن ما يجري في سوريا هو حرب بين أطراف لا تعنيه، ولا شك أنها جميعاً، في ضوء عبارته، قذرة! ذلك لا ينسجم مع فكرة أن هناك ثورة حاربها النظام وداعموه بأفظع الأسلحة، إلى أن دخلت في دوامة السلاح والعنف.
ثم يصرّ بلبل على القول «أطفال وُرّطوا بالثورة، نحاول أن نؤسن هذا الطفل ونرجعه إلى مكانه الطبيعي كطفل». لا شك أن أحداً لن يطالبك بتسييس مسرح الطفل، كان يمكن أن تكتفي بتعليمهم شكسبير وتصمت عمّا لا تعرفه بخصوص السياسة، ذلك وحده سيكون إنجازاً لمستقبل سوريا. أما أنهم وُرّطوا بالثورة فنرجو أن تتذكر أن أطفال درعا هم من «وَرّطوا» البلد والمنطقة عموماً بالثورة.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية