ماذا بعد أن «ربعنت» مبادرة تطوير الإعلام المصري

حجم الخط
0

في الأسبوع الماضي «ربعنت» المبادرة الرئاسية لتطوير الإعلام المصري. ويقال المرحوم «ربعن»، أي مر على وفاته أربعون يومًا، وهذه مبادرة ولدت ميتة، لأن من وُكِّل لهم أمرها ليسوا أصحاب مصلحة في أن تستمر على قيد الحياة!
ففي يوم الأحد 10 الماضي، اجتمع الرئيس المصري بقادة المشهد الإعلامي المصري؛ رؤساء المجلس الأعلى للإعلام، والهيئتين الوطنية للإعلام والوطنية للصحافة، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. وفي الاجتماع أطلق الرئيس مبادرته وتمثلت بتكليف هؤلاء بوضع خارطة طريق لتطوير الإعلام المصري، وذلك بالاستعانة بـ «كل» الخبرات والكفاءات المتخصصة، والانفتاح على «مختلف» الآراء بما يرسخ مبدأ «الرأي والرأي الآخر» داخل المنظمة الإعلامية!
وكان واضحًا أن هذه المبادرة نابعة من الإرادة الرئاسية، فقد يأس الداخل فلم يعد يطلب بهذا الترف، وجاء للخارج ما يشغله من حروب المنطقة، فلا يمارس ضغوطًا في ملف حقوق الإنسان المصري، فضلًا عن أنه ملف لا يشغل الرئيس ترامب.
ومع هذه الإرادة الذاتية، فلم نأمل في تغيير الوضع، ليس لسوابق القوم، حيث الدعوة للحوار الوطني التي انتهت إلى لا شيء، ولكن لأن التكليف صدر لمن هم أصحاب مصلحة في بقاء الحال على ما هو عليه، ولأن هذا الحال هو السبب في توليهم هذه المناصب الرفيعة، ولأنهم ليسوا مؤهلين مهنيًا لأمر كهذا!

الإفطار على بصلة واستدعاء الموتى

ومنذ إطلاق المبادرة، سمعنا طحنًا ولم نرَ طحينًا، وتم استدعاء موتى من القبور للمناقشات، مع استبعاد كامل لكفاءات إعلامية كان يمكن أن تقدم جديدًا. فلم يديروا الأمر على قواعد إدارة ضياء رشوان للحوار الوطني، وهو «دعهم يقولون، وفي الأخير لن يكون إلا ما نريد»، الأمر الذي رفع سقف التوقعات، ثم كنا في حكم من صام وأفطر على بصلة.
بيد أن الثلاثي تنقصهم كفاءة رشوان، فلم يستدعوا أحدًا يمكن أن يضيف جديدًا. وكيف باجتماعات كهذه لا يشارك فيها كاتب كبير بحجم فهمي هويدي، ونقباء سابقون لنقابة الصحافيين مثل جلال عارف، وممدوح الولي، ويحيى قلاش؟ وكيف لا يُدعى لوليمة القوم قامات صحافية بحجم مجدي أحمد حسين، وطلعت رميح، ومحمود سلطان، وأنور الهواري، وعبد الناصر سلامة، وعامر عبد المنعم؟ وقامات إعلامية في وزن حافظ المرازي، وصلاح نجم، ومحمد السطوحي، وإبراهيم هلال، ويسري فودة، وريم ماجد؟
لقد أوشكت القول إن هذه المبادرة لم تنتج سوى تحويل «هند الصاوي» إلى مذيعة حلت محل «إبراهيم عيسى» في قناة «القاهرة والناس»، والإعلان عن قرب التعاقد مع محمد علي خير ليقدم برنامجه على قناة «النهار»، لولا أنني تذكرت أن كلا القناتين تنتميان قانونًا للإعلام الخاص، في حين أن المبادرة تستهدف الإعلام الرسمي، سواء الصحف القومية، أو القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية التابعة لماسبيرو!
فلا جديد حدث في الإعلام الرسمي غير الطلعات الجوية لرئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني، وافتتاح استوديو باسم أحمد زويل، وآخر باسم نجيب محفوظ، وتسجيل أغنية للمطربة نادية مصطفى. وهي طلعات تنتمي لأدائه العام منذ تعيينه في موقعه ولا يمكن أن تُحسب على المبادرة، التي تنص على الانفتاح على مختلف الآراء بما يرسخ مبدأ «الرأي والرأي الآخر»!
وكان الأكثر ملاءمة أن تُطلق على الاستوديوهات أسماء إعلاميين راحلين، أما زويل فمن الملائم أن يُطلق اسمه على أحد الشوارع، أو على قاعة في وزارة البحث العلمي، أو على أحد الكباري ومحطات المترو. والأمر نفسه يسري على نجيب محفوظ، فيا حبذا لو أُطلق اسمه على القاعة الكبرى في وزارة الثقافة أو أحد مدرجات أكاديمية الفنون!
بيد أن المسلماني لا يُسأل عن طلعاته الجوية، التي هي ليست موضوعنا. فالموضوع هو المبادرة الرئاسية بوضع خريطة طريق لتطوير الإعلام.. وإلى الآن لم توضع الخريطة، والقوم منذ أن أُطلقت المبادرة وتكليفهم بأمرها وهم يدورون حول أنفسهم ليثبتوا أن الأرض كروية!
وسيظلون هكذا حتى ينسى الرئيس مبادرته، أو يصيبه اليأس من إمكانية تحقيقها وقابليتها للتحقيق، لأن الأزمة مهنية، عندما وُسِّد الأمر إلى غير أهله. وبالنظر إلى الاختيارات للمواقع الإعلامية والصحافية سيتبين أساس المشكلة، وهؤلاء هم المنوط بهم وضع خريطة الطريق المطلوبة رئاسيًا.
انظر إلى المعضلة!

الإعلام في قبضة اللهو الخفي

يبدو لي أننا أضعنا أعمارنا في النظرة المثالية لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام، ولم نضع في اعتبارنا قدرة الأنظمة الشمولية على التكيف مع أي وضع وتفريغه من مضمونه!
الذين تابعوا هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات» منذ أكثر من عشرين عامًا، لابد أنهم قرأوا لي أنني كنت أطلب بإلغاء وزارة الإعلام، باعتبارها تنتمي للعصور الشمولية، ولا يمكن التحول الديمقراطي في وجودها، لاسيما في المرحلة التي كان صفوت الشريف يشغل فيها هذا الموقع في مصر. فماذا حدث بعد ذلك؟!
ها نحن في مصر بدون وزارة إعلام، لكننا لا نعيش أزهي عصور الديمقراطية، فقد التفت الشمولية على غيابه، وصار الإعلام في قبضة اللهو الخفي، يدير ويدمر من خلف حجاب، دون أن يتحمل مسؤولية عملية التدمير. ولهذا كتبت في الأسبوع الماضي، لابد من العودة ليكون الإعلام ملفًا بيد الرئيس وحده!
وكتبت عن أن التحول الديمقراطي لابد أن يبدأ بغل يد الدولة عن تملك وسائل الإعلام، وضرورة الأخذ بسياسة الإعلام الخاص، وخصخصة ماسبيرو، وحملت على التأميم الذي قام به عبد الناصر للصحف!
ورأينا كيف تحول الإعلام الخاص إلى أداة في يد الخارج لتدمير أول تجربة ديمقراطية وليدة عرفتها مصر، وهي مهمة قامت بها القنوات التلفزيونية المملوكة لأفراد، ودور التلفزيون المصري لا يكاد يُذكر في هذه المهمة. والأمر نفسه ينسحب على الصحف، حيث جريدة «الوطن» مجهولة المالك، بجانب قنوات «سي بي سي» المملوكة للمجهول ذاته، بجانب قناة «أون» لصاحبها نجيب ساويرس، وجريدة «المصري اليوم» ومالكها صلاح دياب وآخرين! والحكم الشمولي في طبعته الجديدة اتبع سياسة وضع اليد، ووضع يده على الإعلام الخاص، وأنشأ المزيد من القنوات التلفزيونية، التي هي في تعريفها قنوات خاصة، فقناة «إكسترا نيوز» و«القاهرة الإخبارية» مثل قنوات «الحياة» و«أون» و«سي بي سي»، قنوات خاصة على الورق، لكنها مملوكة للسلطة في الحقيقة. و»الشركة المتحدة» هي شركة خاصة في التصنيف، لكنها هل هي شركة خاصة فعلاً؟!
لم أستفد شيئًا من اهتماماتي الأنثروبولوجية في نظرتي للإعلام، وإذ عرف علم الأنثروبولوجيا «النظرية التطورية»، وهي أن المجتمعات ينبغي أن تمر بمراحل تطور خطي من البدائية إلى التحضر، لكنها نظرية وُجه لها الكثير من النقد، لطابعها الاستعلائي. والأصل أن تُدرس المجتمعات في سياقها الخاص بوصفها أنظمة اجتماعية وثقافية متكاملة، دون افتراض وجود سلم تطوري.
والأفضل للإعلام المصري كان عندما كان ملفًا بيد الرئيس مبارك، وقبل هيمنة نجله بمساعدة آخرين، وأيضًا قبل هذه المرحلة التي يهيمن فيها «اللهو الخفي»، فيقع الاختيار للمواقع العليا لأصحاب القامات المنخفضة، ثم يُطلب منهم خارطة طريق لتطوير الإعلام. لا يعرف قيمة أمه إلا من يتعامل مع زوجة أبيه.
أرض جو

تبدو لي قناة «العربية» في تعاملها مع الرئيس السوري أحمد الشرع، كما لو كانت مملوكة ملكية خاصة لبشار الأسد.

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية