مؤرخ ـ وزير ـ سياسي… «قراءة نخبوية خارج النص»: صمود إيران رغم أخطائها مصلحة للأمن القومي الأردني

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي»: يلتقط أقدم المؤرخين السياسيين في الساحة الأردنية حالياً الدكتور علي المحافظة، ما هو جوهري في اللحظة التاريخية الراهنة عندما يخرج عن صمته المألوف أكاديمياً ليطرح سؤال المفارقة التاريخية الذي يدور في أذهان الأردنيين جميعاً: لماذا تحارب إيران إسرائيل مع أن الثانية لا تحتل أرضاً للأولى فيما يفترض بالعرب الحرب لتحرير أراضيهم؟
سؤال يتقافز في الواقع بين الأردنيين منذ اندلعت النسخة الأخيرة من الحرب والعدوان ضد الجمهورية الإيرانية.
لكن لم يخطر في ذهن المراقبين أن يطرحه مؤرخ وأكاديمي من أبرز موثقي التاريخ الأردني الحديث من وزن الدكتور المحافظة، وهو رجل تسعيني يعتزل الأضواء تماماً منذ سنوات طويلة.
لغز المفارقة -وفقاً لحديث مصور للدكتور المحافظة- تداوله الأردنيون على منصاتهم بشكل مكثف، يتمثل في أن الدول العربية لا تحارب الكيان الذي يغتصب ويحتل فلسطين كاملة وجزءاً من مصر وسوريا ولبنان، فيما يقاتل الإيرانيون مع أنهم في الجغرافيا أبعد.
المفارقة التي طرحها المحافظة لا تقف عند هذه الحدود؛ فالرجل اعتبر المفارقة الثانية «عجيبة جداً» حيث إيران تدعم الشعب الفلسطيني لوجستياً وعسكرياً وسياسياً ومالياً، فيما لا تفعل ذلك دول عربية احتل الإسرائيليون أرضها.
ما قاله ويقوله المحافظة هنا جزء أصيل من النقاشات العميقة التي اندلعت أو أنتجتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، رغم أن الجغرافيا الأردنية عالقة بين طرفي النزاع والصراع هنا، والأردن متضرر مما تسميه وزارة الخارجية في عمان بالاعتداءات الإيرانية غير المبررة.
هنا عملياً يمكن الاستنتاج بأن نخباً أردنية وازنة من الصنف الذي لا يزاحم أو يبحث عن الأضواء، بدأت تتقدم بجملة استفهامية اعتراضية يمكن تصنيفها ضمن قائمة «خارج النص الرسمي».
الدكتور المحافظة ليس وحيداً في هذه المساحة. فالحرب الحالية على إيران مهمة وخطيرة جداً حتى برأي وزير الخارجية الأسبق الدكتور مروان المعشر، رغم أن الأردن لا ناقة له ولا بعير، فيما التحدي الأبرز، أردنياً بتقدير المعشر، هو ما سيحصل بعد الحرب؛ حيث مفارقة إضافية ليس من السهل الإقرار بها، ومضمونها «تقوية إسرائيل؛ بمعنى أن تحسم الحرب ضد إيران لصالحها يؤشر على أبرز التحديات الأردنية»، وهو خطة ضم الضفة الغربية وتأثيراتها على المملكة.
بعيداً عن الهوية السياسية لبعض النخب التي خرجت عن صمتها في عمان، يمكن اعتبار مشروع ضم الضفة الغربية هو الأساس والجوهر في النقاشات الوطنية.
يقترح سياسي وبرلماني أردني خبير مثل الدكتور ممدوح العبادي، في نقاش طازج مع «القدس العربي»، موقع الأردن في قراءة الحرب والعدوان على إيران من زاوية مختلفة، وهو يميل بوضوح إلى السيناريو الذي يعتقد بأن صمود إيران أو انتصارها في هذه الوجبة من النزال العسكري هو متطلب حيوي وأساسي لحماية الأمن الوطني والقومي الأردني.
وجهة نظر العبادي واضحة، ولا تحتاج للتأويل أو التكهن وطنياً؛ لأن ما يضعف مشروع ضم الضفة الغربية الآن وما يضعف خطط وسيناريوهات تهجير الشعب الفلسطيني إلى الأردن هو صمود إيران وليس العكس، وضعف البنية الإسرائيلية التوسعية في المقابل.
مصالح الأردن الجوهرية -بتقدير العبادي- بالرغم من كل ما يقال أو لا يقال عن الأخطاء العملياتية الإيرانية المؤذية أثناء الحرب، تكمن في جزئية نتائج الحرب التي يجب أن تكون في صالح الإيرانيين.
ومع الأخذ بالاعتبار أن الأداء الإيراني في الاشتباك محط ترحيب شعبي، فالمحصلة النهائية للمنازلة العسكرية هي الأهم لقراءة المصالح الأردنية العميقة.
يصر العبادي هنا على أن مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران منطقة تعزز خلافاً لما يعتقده البعض نفوذ الأجندة الأردنية الوطنية.
مثل هذا التوثيق في التفكير السياسي يختلف طبعاً عن الموجة السائدة، ليس في رواية الإعلام الرسمي الأردني الهزيلة حتى الآن عن ما يجري أو ما سيحصل ولكن عن السردية التي بدأت بعض الأقلام والأفواه تسترسل فيها محلياً لإقناع الشعب الأردني بأن إيران طامعة وتوسعية ولا تختلف بالمعيار هنا عن الإسرائيليين.
برزت في عمان بعد عبور الحرب أسبوعها الأول تلك الأسطوانة التي تقترح هزيمة كبرى لإيران.
وما يظهر للمراقبين عموماً أن عمان الرسمية غاضبة ومنزعجة ومن كل الأطراف في الواقع، لا بل تعتبر أن اليمين الإسرائيلي قد يكون المستفيد الأبرز في المحصلة النهائية من أخطاء الاعتداءات الإيرانية التي طالت الجيران العرب، وبشكل غير مبرر يجعل الثقة في طهران مجدداً مشواراً صعباً ومعقداً حتى بعد انتهاء وجبة التأزيم العسكري الحالية.
المرجح بين كفتي ميزان التحليل في الخلاصة، أن بعض النخب الأردنية الوطنية العميقة تغادر منطقة الصمت وتقول رأيها بدلاً من ترك الميكروفون في التحليل والقراءة لبعض المغامرين أو لمراهقين سياسيين، فيما العنصر الذي قد يصبح الأهم هو الإجابة عن السؤال اللوجستي التالي: أين المزاج الشعبي الأردني من نتائج قراءة نصوص الحرب الحالية؟
الإجابة في الواقع حمالة أوجه؛ لأن المزاج الشعبي الأردني يصفق الآن مرتين: الأولى لنشامى الدفاع الجوي وهم يتصدون للمقذوفات والأجسام الطائرة، والثانية للصواريخ الإيرانية ذاتها التي تعبر في اتجاه الكيان الإسرائيلي.
ما هو غير معلوم بعد هي خلفيات تسمية العدوان الإيراني دون تسمية العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وكيفية حسابات توازنات المشهد الجيوسياسي بعد انتهاء الحرب.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية