طرابلس – «القدس العربي»: يأتي المشهد الليبي في الذكرى الخامسة عشرة لثورة السابع عشر من شباط/فبراير محملا بتشابكات سياسية واقتصادية وأمنية تعكس عمق الأزمة المستمرة منذ سنوات، ففي وقت تحاول فيه حكومة الوحدة الوطنية تقديم نفسها كحكومة إصلاح اقتصادي وضبط للإنفاق، تتصاعد في المقابل ملفات المصالحة الوطنية والانتخابات المعطلة، وسط مراقبة دولية متجددة وإحاطات أممية تحذر من استمرار الجمود، ما يضع البلاد أمام لحظة اختبار جديدة بين مسارات متوازية لم تنجح حتى الآن في الالتقاء عند نقطة استقرار واحدة.
وأعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وجود توجه لإجراء تعديل وزاري مرتقب لسد الشواغر وضخ دماء جديدة في الجهاز التنفيذي، مؤكدا أن الإعلان الرسمي سيكون خلال اجتماع مجلس الوزراء القادم، وربط الدبيبة هذا التوجه بمراجعة الأداء الحكومي وتعزيز فاعلية العمل التنفيذي في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، في محاولة لإظهار الحكومة بمظهر القادرة على التكيف مع الأزمة وإعادة ترتيب بيتها الداخلي، خصوصا مع الانتقادات المتكررة لأداء بعض الوزارات واتساع الفجوة بين السياسات المعلنة والواقع المعيشي للمواطن.
بين التعديل الوزاري والمصالحة والانسداد الانتخابي
وجدد الدبيبة التزام حكومته بإجراء انتخابات شاملة تنهي الأجسام السياسية الحالية وتجدد الشرعية عبر صناديق الاقتراع، مشددا على أن أي عملية انتخابية لا يمكن أن تنجح دون قوانين عادلة وقابلة للتطبيق، غير أن هذا التعهد يأتي في سياق سياسي معقد سبق أن شهد تعثر الاستحقاق الانتخابي نهاية عام 2021، ما يجعل هذه التصريحات محل تشكيك لدى قطاعات واسعة ترى أن الأزمة أعمق من مجرد إعلان نوايا حكومية.
في الجانب الاقتصادي، حمّل الدبيبة الإنفاق الموازي خارج ميزانية الدولة المسؤولية الكاملة عن تدهور الوضع المالي، واصفا إياه بالسبب الرئيسي والوحيد لانخفاض قيمة الدينار وارتفاع الأسعار، وكشف عن أن حجم هذا الإنفاق تجاوز 303 مليارات دينار وتم إقراره كدين عام، محذرا من أن صرف 70 مليار دينار كإنفاق مواز خلال عام واحد مقابل قدرة فعلية لا تتجاوز 10 مليارات يمثل كارثة حقيقية على الاقتصاد الوطني، معتبرا أن الفارق يتحول إلى سيولة تضغط على سعر الدولار وتنعكس مباشرة على معيشة المواطنين. وأوضح رئيس الحكومة أن تغيير سعر الصرف جاء لسداد الدين العام، ما حمّل المواطن كلفة جديدة، وأشار إلى التوصل لاتفاق مالي بين مجلسي النواب والدولة برعاية مصرف ليبيا المركزي يمنح المصرف حصريا حق تحديد سقوف الإنفاق في باب التنمية وفق القدرة المالية للدولة، داعيا إلى الالتزام الصارم بالاتفاق ووقف الصرف العشوائي، ومهددا بإيقاف باب التنمية عن الجميع في حال عدم التقيد، نظرا لتأثير ذلك المباشر على سعر الصرف والاستقرار النقدي.
وفي مقابل هذا الخطاب الاقتصادي، برز ملف المصالحة الوطنية كأحد العناوين السياسية الثقيلة في المرحلة الراهنة، حيث شدد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على أن أي مصالحة حقيقية يجب أن تقوم على العدالة وجبر الضرر ومراعاة المظلومين، موضحا أن المصالحة ليست بين طرفين فقط بل بين أطياف سياسية متعددة تشمل حكومة الوحدة والقيادة العامة وتيار سيف القذافي ومجلسي النواب والدولة، إضافة إلى ملفات اجتماعية واقتصادية متشابكة، مع إقراره بأن هذا المسار لا يمكن إنجازه في وقت قصير دون توفر إرادة سياسية حقيقية.
وأشار المنفي إلى وجود ملفات مستعجلة يمكن أن تمهد للمصالحة، على رأسها الانتخابات البرلمانية والرئاسية، معتبرا أن هذا الملف يواجه عرقلة داخلية وخارجية، وداعيا الليبيين إلى التمسك بالإرادة الانتخابية، بالتوازي مع تأكيده ضرورة خلو البلاد من المرتزقة والمقاتلين الأجانب كشرط أساسي لتهيئة المناخ السياسي، وهو طرح يعكس إدراك الرئاسي لارتباط المصالحة بالأمن والسيادة الوطنية.
وفي سياق متصل، اعتبر المنفي أن مقتل سيف الإسلام القذافي يمثل استهدافا مباشرا لمسار المصالحة الوطنية، محذرا من أن تحييده عن العملية السياسية أيا كان الفاعل لا يخدم المناخ الديمقراطي، مؤكدا تواصله مع الجهات القضائية والأمنية لمتابعة التحقيق وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، في محاولة لاحتواء تداعيات الحادثة ومنع توظيفها سياسيا في اتجاهات تزيد من تعقيد المشهد. دوليا، ينعقد مجلس الأمن في جلسة جديدة حول ليبيا تقدم خلالها المبعوثة الأممية هانا تيتيه إحاطة عن آخر التطورات، في وقت سبق أن لوحت فيه بآليات بديلة في حال فشل مجلسي النواب والدولة في التوافق على خريطة طريق سياسية، وهو تلويح يعكس نفاد صبر دولي من استمرار الانسداد، لا سيما مع الخلافات المتصاعدة حول المفوضية العليا للانتخابات، ما يعيد إلى الواجهة جدل الشرعية والتمثيل.
وتتقاطع هذه التطورات مع رواية المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز، التي قدمت قراءة نقدية لمسار الانتخابات المتعثرة، معتبرة أن القوانين الانتخابية غير التوافقية قتلت العملية في مهدها، وفتحت الباب أمام صراع سياسي وقضائي حول أهلية المرشحين، مؤكدة أن غياب العقوبات على تجاوز المهل الزمنية شجع الطبقة السياسية على التمادي في التأجيل، في ظل عقلية محصلة صفرية لا ترى في الانتخابات سوى تهديد لمواقع النفوذ.
في المحصلة، يبدو المشهد الليبي محكوما بتوازن هش بين محاولات إصلاح اقتصادي وتصريحات سياسية عن المصالحة والانتخابات، مقابل واقع من الانقسام المؤسسي والضغوط الدولية، ما يجعل أي تقدم مرهونا بتحول حقيقي من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حلها، وهو تحول لم تتوفر شروطه بعد بشكل كامل في ظل تضارب المصالح وتعدد مراكز القرار.