ليبيا: تسليم خالد الهيشري إلى الجنائية الدولية في لاهاي يفتح أولى المحاكمات ويعيد إلى الواجهة ملف الانتهاكات

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس – «القدس العربي»: أعلنت المحكمة الجنائية الدولية، الإثنين، تسلّمها رسمياً القيادي الليبي السابق في جهاز الردع، خالد محمد علي الهيشري، بعد إنهاء السلطات الألمانية الإجراءات القضائية التي استلزمتها قواعد نظام روما الأساسي، ويمثل هذا التطور اللحظة الأهم في مسار المساءلة الدولية بشأن الجرائم المرتكبة في ليبيا، إذ يعد الهيشري أول مواطن ليبي يدخل عهدة المحكمة منذ إحالة مجلس الأمن الوضع الليبي إليها عام 2011 وجاء هذا التسليم بعد أسابيع من ضغوط حقوقية دولية، ووسط توقعات بأن تعيد القضية تحريك ملفات أخرى مجمّدة، لطالما أعاقت الانقسام السياسي والمؤسسي معالجتها داخل ليبيا.
وقالت المحكمة في بيانها إن تسلّم الهيشري جاء تنفيذاً لأمر قبض صادر عن الدائرة التمهيدية الأولى في العاشر من تموز /يوليو 2025، بينما كانت ألمانيا قد أوقفته في مطار برلين براندنبورغ منتصف تموز /يوليو بناءً على الطلب الرسمي من المحكمة. وأوضحت أن السلطات الألمانية احتجزت المعنيّ حتى انتهاء الإجراءات المحلية المنصوص عليها في المادة 59 من نظام روما، قبل نقله إلى لاهاي. ومن المتوقع أن تعقد جلسة المثول الأولى في «الأوان المناسب»، حيث ستتأكد المحكمة من هوية المشتبه به ولغته وإطلاعه على حقوقه القانونية، إضافة إلى إبلاغه رسمياً بكل التهم الموجهة إليه.
ويواجه الهيشري، وفق بيان المحكمة، اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بينها القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي، أو الأمر بارتكابها أو الإشراف عليها في سجن معيتيقة ومراكز احتجاز أخرى بين شباط /فبراير 2015 وأوائل 2020. ويشير نص الاتهام إلى أن الآلاف احتُجزوا في تلك المرافق لفترات طويلة وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات جسيمة.
وتأتي هذه التفاصيل متسقة مع ما وثقناه سابقاً في التقارير المتعلقة بدور الهيشري داخل السجن، حيث كان أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في الجهاز خلال تلك الفترة.
ورحّب رئيس قلم المحكمة، أوزفالدو زافالا غيلر، بتعاون السلطات الألمانية، معتبرًا أن الخطوة دليل على التزام الدول الأطراف في نظام روما الأساسي بمكافحة الإفلات من العقاب.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه الانتقادات لعدد من الدول التي امتنعت عن تنفيذ مذكرات القبض السابقة، وأبرزها قضية أسامة المصري نجيم، القيادي في جهاز الردع، الذي اعتقلته إيطاليا في كانون الثاني/ يناير الماضي ثم أعادته إلى ليبيا خلافًا لالتزاماتها القانونية، ما دفع المحكمة لفتح إجراءات ضد روما بشأن احتمال خرقها اتفاقية التعاون.

علامة فارقة

وتَعتبر منظمات حقوقية دولية أن تسليم الهيشري يمثل نقطة تحول في الملف الليبي، خاصة أن تسعة أوامر قبض أخرى لا تزال غير منفذة وتشمل أسماء بارزة، بينها سيف سليمان سنيدل، وفتحـي الزنكال، وعبدالباري الشقاقي، وسيف الإسلام القذافي، بالإضافة إلى آخرين تلاحقهم المحكمة على خلفية تهم تتعلق بالقتل والتعذيب والإعدامات الميدانية والانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين. وتعد قضية الهيشري، وفق «الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان»، أول قضية ليبية تتحرك فعلياً نحو مرحلة الإجراءات القضائية منذ أكثر من عقد، ما يعزز الأمل لدى الضحايا في أن المسار المتجمد قد يشهد انطلاقة جديدة.
وكانت أكثر من 16 منظمة حقوقية قد دعت ألمانيا في تموز /يوليو الماضي إلى تسليم الهيشري سريعًا إلى المحكمة، مؤكدة أن استمرار احتجازه خارج المسار الدولي يهدد العدالة. ورحبت تلك المنظمات بتوقيفه في برلين، معتبرة أن القبض عليه خطوة مهمة في مسار المساءلة عن الجرائم المرتكبة في معيتيقة، بعد غياب طويل للرقابة القضائية وانعدام الشفافية واستمرار الانتهاكات في كل من الشرق والغرب. ويشير بيان هذه المنظمات إلى أن اعتقاله يبعث برسالة تطمين للناجين بأن العدالة ما تزال ممكنة رغم تغير موازين القوى في ليبيا.
ويأتي هذا التطور بينما لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تعتمد في ولايتها على إحالة مجلس الأمن لعام 2011، إضافة إلى قبول ليبيا في أيار /مايو 2025 اختصاص المحكمة القانوني داخل أراضيها حتى نهاية 2027. ورغم هذا الإطار القانوني، تواجه المحكمة صعوبة جدية في تنفيذ أوامر القبض داخل البلاد بسبب الانقسام السياسي وضعف المؤسسات القضائية، إذ تتهم السلطات الليبية المتعاقبة بأنها لم تتعاون بالشكل المطلوب، مما سمح لعدد من المتهمين بالاستمرار في ممارسة نفوذهم داخل الأجهزة الأمنية أو الجماعات المسلحة.
وفي سياق الخلفيات التي سبق وأن وردت في التقارير الماضية حول سجن معيتيقة، كانت المحكمة قد وصفت الوضع داخل السجن بأنه «نظام احتجاز خارج السيطرة القضائية»، حيث تتكرر الشكاوى من التعذيب والاختفاء القسري والعنف الجنسي والإعدامات، بينما ظل مسؤولون مثل الهيشري يتمتعون بحماية سياسية وأمنية حالت دون مساءلتهم داخل ليبيا. وتشير شهادات جمعناها سابقًا إلى أن عدداً من المعتقلين أمضوا سنوات دون عرض على القضاء، بينما كانت الانتهاكات تُمارس ضمن نمط ممنهج، ما عزز قناعة المحكمة بأن الملف يتطلب متابعة دولية.

متابعة ملفات أخرى

وتسعى المحكمة اليوم إلى استغلال الزخم الذي أحدثه تسليم الهيشري لفتح قنوات تعاون جديدة مع السلطات في طرابلس وشرق البلاد. كما تأمل أن يؤدي هذا التطور إلى تحريك الملفات الأخرى، خاصة قضية سيف سنيدل، القيادي في قوات حفتر، المتهم بالمشاركة في ثلاث عمليات إعدام جماعية. وكانت المحكمة قد طالبت في تصريحات سابقة السلطات في الشرق بتنفيذ أمر القبض عليه، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
وتشير توقعات مراقبين إلى أن القضية ستشكل اختبارًا لنظام روما في ليبيا، خصوصًا لجهة قدرة المحكمة على الاستمرار في إجراءاتها دون تدخلات سياسية أو عراقيل من الدول التي تستضيف أو تحتجز المشتبه بهم. كما ستقيس المحكمة مدى استعداد ليبيا للتعاون مع المسار الدولي، في ظل الانقسام الكبير بين المؤسسات وارتباط بعض المطلوبين بجماعات نافذة ترفض المثول أمام العدالة.
ومع تسليم الهيشري، تكون المحكمة قد فتحت أول نافذة جدية على محاسبة المتورطين في الانتهاكات داخل سجن معيتيقة، وهو ما قد يعيد تسليط الضوء على أوضاع مراكز الاحتجاز الأخرى التي لا تزال تعاني غياب الرقابة وتفشي الانتهاكات بحق الليبيين والمهاجرين واللاجئين. ويأمل الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان أن يؤسس هذا التطور لمسار أكثر صرامة في التعامل مع الجرائم الدولية في ليبيا، وأن يُعاد العمل بملفات ظلت سنوات طويلة رهينة الجمود السياسي والأمني.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية