ليبيا: تجاذب دستوري يعمّق الانسداد السياسي وسط تبادل اتهامات حول تعطّل الاستفتاء

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس – «القدس العربي»: عاد ملف الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي إلى واجهة الجدل السياسي بعد تبادل الاتهامات بين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وعدد من الأجسام السياسية في وقت يتواصل فيه الانسداد الدستوري الذي عطّل المسار الانتخابي منذ سنوات وأبقى البلاد رهينة مراحل انتقالية مفتوحة وسط غياب توافق سياسي واضح على قواعد إنهائها.
وفي بيان حديث، نفت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ما وصفته بـ«الادعاءات» المتداولة بشأن عدم التزامها بتنفيذ الاستفتاء على مشروع الدستور مؤكدة أن تلك الاتهامات لا تعكس حقيقة المسار القانوني والدستوري المتّبع. وأوضحت المفوضية في بيان رسمي أن تعثّر تنفيذ الاستفتاء يعود إلى عراقيل خارجة عن إرادتها، مشيرة إلى أن أبرز هذه العراقيل تمثلت في مراحل سابقة في رفض كل من المجلس الأعلى للدولة وحكومة الوفاق الوطني إجراء الاستفتاء وفق الإطار القانوني الساري آنذاك، وهو ما حال دون المضي في هذا الاستحقاق الوطني.
وبيّنت المفوضية أن التعديل الدستوري العاشر الصادر في آذار/مارس 2022 نصّ على تشكيل لجنة لمعالجة الخلافات المتعلقة بمشروع الدستور، غير أن هذه اللجنة لم تُحقق الهدف المنوط بها والمتمثل في التوافق على تعديل المشروع. وأضافت أن المفوضية لم تتسلّم أي نسخة معدلة من مشروع الدستور تتيح لها من الناحية القانونية استئناف إجراءات الاستفتاء، مؤكدة أن العودة إلى المسار الدستوري تستوجب الاحتكام إلى التعديلين الدستوريين العاشر والثاني عشر إلى جانب توفر توافق سياسي واضح. وشددت المفوضية على أنها لم تكن في أي مرحلة طرفًا معرقلًا للاستفتاء مجددة التزامها بتنفيذ أي استحقاق دستوري أو انتخابي يُحال إليها بصورة قانونية مكتملة وبما يضمن احترام القانون وصون إرادة الشعب الليبي في رد بدا موجّهًا إلى تصاعد الانتقادات الموجهة لرئيسها المكلف عماد السايح، خلال الأيام الماضية.
في المقابل، نفى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ما وصفه بـ»الادعاء غير الدقيق» الصادر عن السايح بشأن رفض المجلس الأعلى إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور. وأكد تكالة أن اجتماعات بوزنيقة أسفرت عن توافق مع مجلس النواب يقضي بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية على أساس توافقي بحيث يختار المجلس الأعلى للدولة رئيس المفوضية وثلاثة من أعضائها مقابل اختيار مجلس النواب ثلاثة أعضاء آخرين، معتبرًا أن هذا الترتيب يمثل ضمانة أساسية لشرعية العملية الانتخابية.
وأشار تكالة إلى أن إعادة تشكيل مجلس المفوضية على أسس توافقية لم تكن تعطيلًا للمسار الانتخابي، بل ضرورة سياسية وقانونية، مؤكدًا أن المجلس الأعلى ماضٍ في أداء دوره السياسي ولن يقبل بتجاوز اختصاصاته أو إفراغ مبدأ التوافق من مضمونه، كما شدد على أن المفوضية هيئة مستقلة ومحايدة لا يجوز الزج بها في التجاذبات السياسية، داعيًا إلى تغليب منطق التوافق والالتزام بالتفاهمات السياسية وإنهاء المراحل الانتقالية عبر الذهاب إلى مرحلة دستورية مستقرة تفضي إلى إجراء الانتخابات.
وفي سياق متصل، حذّر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح من أي خطوة تستهدف حل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبرًا أن التصويت على استكمال مجلس إدارتها «تم وانتهى». وقال صالح خلال جلسة عقدها المجلس مطلع الأسبوع، إن حل المفوضية سيؤدي بالضرورة إلى غياب أي استحقاق انتخابي مقبل، مضيفًا: «إذا قمنا بحل المفوضية فلن تكون هناك انتخابات»، في موقف يعكس تمسك مجلس النواب بدور المفوضية بصيغتها الحالية رغم تصاعد الخلاف حول تركيبتها وشرعيتها. على الضفة الأخرى صعّد المستشار السياسي لرئيس المجلس الرئاسي زياد دغيم من حدة انتقاداته لرئيس المفوضية، معتبرًا أن عماد السايح شكّل على مدى سنوات «حجر عثرة» أمام ممارسة الشعب الليبي لحقه في الانتخابات والاستفتاءات. وقال دغيم إن السايح رفض سابقًا انتخاب رئيس مباشر من الشعب بحجة الظروف الأمنية، كما برر للبرلمان عدم تنفيذ الاستفتاء الشعبي على تمديد مجلس النواب لنفسه للسبب ذاته.
وأضاف دغيم أن السايح رفض تنفيذ الاستفتاء على مشروع الدستور رغم إحالة البرلمان للقانون والتعديل الدستوري، مستندًا في ذلك إلى عدم موافقة المجلس الأعلى للدولة، ثم عاد ورفض الاستفتاء بعد موافقة المجلس على قانون البرلمان في اجتماعات الغردقة بحجة عدم موافقة المكونات الثقافية، وفق وصفه. كما أشار إلى رفض السايح إجراء الانتخابات للمقاعد الشاغرة في مجلس النواب التي تجاوز عددها سبعين مقعدًا رغم النصوص الدستورية التي تلزمه بذلك.
واتهم دغيم رئيس المفوضية برفض إجراء الانتخابات العامة في كانون الأول/ديسمبر 2021 بحجة وجود «قوى خارجية» لم يسمّها، ورفض طلب رئيس المجلس الرئاسي إجراء استفتاء شعبي على المواد الخلافية أو انتخاب مؤتمر عام للمصالحة الوطنية ضمن كوتة البلديات. واعتبر دغيم أن انتخاب رئيس جديد للمفوضية الشاغر منذ استقالة نوري العبار عام 2014 يمثل خطوة حقيقية لاستعادة حق الشعب الليبي في تقرير مصيره.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يعكس فيه ملف الاستفتاء على مشروع الدستور عمق الأزمة الدستورية والسياسية في ليبيا حيث تتقاطع الخلافات بين المؤسسات المنتخبة والهيئات التنفيذية وسط غياب آلية توافقية ملزمة تضع حدًا لتبادل الاتهامات. ومع استمرار التراشق السياسي، يظل المسار الدستوري معلقًا في انتظار توافق سياسي شامل يفتح الطريق أمام استفتاء شعبي وانتخابات طال انتظارها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية