باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إنّ ناشطين مؤيدين لفلسطين ومنظمات حقوقية دولية كثّفوا خلال السنوات الأخيرة لجوءهم إلى القضاء، ولا سيما القضاء الفرنسي، لملاحقة مسؤولين وجنود إسرائيليين على خلفية الحرب في قطاع غزة، مستندين إلى مبدأ الاختصاص القضائي الفرنسي عندما يكون الضحايا أو المتهمون من حملة الجنسية الفرنسية أو مزدوجي الجنسية.
وأضافت الصحيفة الفرنسية أن تقديرات الأوساط القضائية والعسكرية في فرنسا تشير إلى أن نحو أربعة آلاف جندي يحملون الجنسيتين الفرنسية والإسرائيلية شاركوا في العمليات العسكرية في غزة خلال الحرب الممتدة من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023 إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وهو رقم بالغ الحساسية من الناحية القانونية.
وأشارت “لوموند” إلى أن هذه الحرب أسفرت، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة حماس، عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، وهي أرقام تعتبرها جهات دولية “موثوقة”، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية في القطاع.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن هذا الواقع قد يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية محتملة في فرنسا بحق عدد من هؤلاء الجنود، بتهم قد تشمل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو حتى الإبادة الجماعية، أو التواطؤ في ارتكابها. ولم يسبق للقضاء الفرنسي أن حاكم جندياً فرنسياً-إسرائيلياً على أفعال ارتكبت تحت العلم الإسرائيلي، غير أن الأمر قد يتغير بفعل توسع الاختصاص القضائي وتوفر أدلة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل جنود أنفسهم.
وأوضحت “لوموند” أن الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH) تقدم في يوليو/تموز الماضي بشكوى ضد جنديين فرنسيين- إسرائيليين ينتميان إلى وحدة نخبوية تُعرف باسم “الوحدة الشبح” (Ghost Unit)، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، للاشتباه بتورطهما في قتل عشرات المدنيين الفلسطينيين في مناطق منزوعة السلاح.
وكانت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا (PNAT) قد فتحت بالفعل تحقيقاً أولياً في هذه الوقائع بشكل سري. وقد أقرت النيابة العامة الفرنسية بوجود عدة تحقيقات أولية تتعلق بجرائم حرب أو التواطؤ فيها، مستندة إما إلى جنسية المتهمين الفرنسية أو إلى جنسية الضحايا.
ونقلت الصحيفة الفرنسية عن رئيس الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان قوله إن عدم تحرك العدالة يهدد مصداقية دولة القانون، متسائلاً عن الفارق لو كان الأمر يتعلق بمقاتلين مزدوجي الجنسية شاركوا في حرب أوكرانيا.
وتابعت “لوموند” مشيرةً إلى أن الشكاوى لم تقتصر على فرنسا، بل قُدمت دعاوى مماثلة في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وجنوب أفريقيا، نظراً لوجود عدد كبير من مزدوجي الجنسية داخل هذه الوحدة العسكرية. كما أشارت إلى أن منظمات فلسطينية مشاركة في هذه الإجراءات القضائية تخضع لعقوبات أمريكية، ما يعرّض حتى المحامين المتعاونين معها لمخاطر مالية وقانونية.
كما أشارت الصحيفة إلى أن القضاء الفرنسي فتح كذلك ملفات أخرى، من بينها تحقيقات تتعلق بمواطنين فرنسيين شاركوا في عرقلة دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة عام 2024، وتم فتح تحقيق قضائي بتهمة “التواطؤ في الإبادة الجماعية”. وتم أيضا تقديم شكوى أخرى ضد جندي فرنسي- إسرائيلي بسبب مقطع فيديو يُشتبه أنه يُظهر تعذيب فلسطينيين، وقد طلبت النيابة فتح تحقيق بتهمة المعاملة المهينة باعتبارها جريمة حرب. كما رفعت رابطة حقوق الإنسان الفرنسية شكوى بشأن مقتل طفلين فرنسيين- فلسطينيين في قصف إسرائيلي عام 2023.
وقد انتقدت بعض الجمعيات الحقوقية استبعاد تهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في عدد من القضايا، معتبرة أن الادعاء كان يمكنه الإبقاء عليها إلى حين استكمال التحقيقات.
كما لفتت “لوموند“ إلى أن منظمات جديدة دخلت على خط هذا “النضال القضائي”، مؤكدة أن فلسطينيي الشتات يسعون لاستخدام كل الوسائل القانونية المتاحة، مستلهمين تجارب ملاحقة مسؤولين سوريين أمام محاكم أوروبية. وتم توسيع نطاق الدعاوى ليشمل شركات خاصة، مثل منصات الحجز السياحي Airbnb وBooking، بتهمة الاستفادة من نشاطات في مستوطنات غير شرعية، إضافة إلى دعاوى مدنية ضد بنوك وشركات فرنسية بتهمة الإخلال بواجب “اليقظة” بسبب تعاملها مع شركات تسليح إسرائيلية.
وقالت الصحيفة الفرنسية إن المسار الإداري شهد بدوره طعوناً ضد الحكومة الفرنسية والاتحاد الأوروبي بدعوى التقصير في الالتزام باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، إضافة إلى طعون تتعلق بالسماح لطائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتحليق فوق الأراضي الفرنسية رغم صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.
وأوضحت “لوموند” أن الحكومة الإسرائيلية لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ أنشأت منذ عام 2010 قسماً خاصاً داخل وزارة العدل لمواجهة المخاطر القانونية ضد جنودها وشركاتها في الخارج، ومولت مكاتب محاماة دولية، من بينها مكاتب في فرنسا، بهدف حماية مصالحها وتأخير أو عرقلة الملاحقات القضائية.
ورأت الصحيفة الفرنسية أن هذا “الصراع القضائي” مرشح للتصاعد، في ظل تزايد لجوء منظمات حقوق الإنسان والناشطين إلى المحاكم الوطنية والدولية، مقابل جهود إسرائيل المتواصلة للحد من تبعات هذه الملاحقات على المستوى القانوني والدبلوماسي.