باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان “الهوس النووي لإيران قد يؤدي إلى إضعاف لا نهاية له إن لم يكن قاتلًا لطهران”، قال آلان فراشون- كاتب افتتاحيات في صحيفة “لوموند”- إن الحرب التي تشنها إسرائيل ضد إيران هي تتويج لمسار بدأ قبل نحو أربعين عامًا، في بدايات نشأة النظام الثيوقراطي الإيراني.
ويتساءل فراشون: لماذا هذا الإصرار على امتلاك السلاح النووي يومًا ما؟ أو على الأقل امتلاك القدرة على تجميعه؟.. ويضيف قائلًا إن الثيوقراطية الحاكمة في طهران منذ عام 1979 تؤمن بفضائل “القنبلة” النووية. فهي ترى أنها تضمن حماية النظام من أي عدوان خارجي، وتؤمّن تفوق إيران الإستراتيجي في الشرق الأوسط. لكن النتيجة قد تكون عكسية تمامًا: إضعاف لا ينتهي، إن لم يكن فوريًا وقاتلًا، للجمهورية الإسلامية.
زعم ترامب أنه قادر على تحقيق اتفاق أفضل، وتَراجعَ عن توقيع الولايات المتحدة. شعرت طهران بالخيانة، ورأت نفسها حرة من التزاماتها، وبدأت سباقًا خطيرًا نحو تخصيب اليورانيوم
واعتبر الكاتب أن الضربات التي شنتها إسرائيل ضد إيران هي نهاية سلسلة بدأت قبل قرابة أربعة عقود.. بالطبع، لها أسباب آنية أيضًا؛ من رعونة دونالد ترامب، إلى انتهازية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كما أن تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذراع غير المجهزة جيدًا للأمم المتحدة لتطبيق معاهدة عدم الانتشار النووي (TNP)، لها دور مهم. الوكالة تدق ناقوس الخطر.
رغم أن إيران موقعة على معاهدة عدم الانتشار، إلا أنها منذ وقت طويل تنتهك بعض التزاماتها. فهي تخصّب اليورانيوم بكميات (تصل حاليًا إلى 400 كيلوغرام) وبنسب (60%) لا معنى لها إلا في سياق طموح وحيد: تصنيع سلاح نووي في المستقبل، رغم نفي طهران لذلك.
وحمّل آلان فراشون دونالد ترامب مسؤولية كبيرة في هذا المسار، مشيرًا إلى أن هذا الأخير دمّر، في عام 2018، خلال ولايته الأولى، اتفاقًا تم التوصل إليه عام 2015، كان من شأنه أن يضع البرنامج النووي الإيراني تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولو مؤقتًا.
زعم ترامب أنه قادر على تحقيق اتفاق أفضل، وتَراجعَ عن توقيع الولايات المتحدة. شعرت الجمهورية الإسلامية بالخيانة، ورأت نفسها حرة من التزاماتها، ومنذ ذلك الحين بدأت سباقًا خطيرًا نحو تخصيب اليورانيوم.
لكن عنادها في الوصول إلى “العتبة” النووية- أي القدرة على تجميع قنبلة نووية- يعود إلى أيام الطفولة الأولى للثورة الإيرانية. فالنظام الجديد، الذي أنهى حكم سلالة بهلوي، أعلن بصوت عالٍ رفضه للخضوع “لا للغرب ولا للشرق”، ولم يُخفِ رغبته في تصدير ثورته الإسلامية إلى العالم العربي. وكان قادة إيران يدينون “الكفار” في بغداد- العراق بقيادة صدام حسين، المحمي من الاتحاد السوفيتي- و”الأنظمة الملكية” في الخليج، المتحالفة مع الولايات المتحدة.
ولأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة، دعا نظام إلى زوال أحد أعضائها: إسرائيل. وقد أثار هذا الخوف في العالم العربي، وكذلك لدى السوفييت والغربيين.
بدعم من موسكو وواشنطن والأوروبيين، شنّ صدام حسين حربًا على إيران في خريف 1980 بذريعة نزاع حدودي دائم. راهن على سقوط سريع للجمهورية الإسلامية، التي كانت ما تزال هشّة في ذلك الحين. استمرت الحرب قرابة ثماني سنوات (1980-1988)، وأسفرت عن مئات الآلاف من القتلى ودمار واسع.
لقد وحّدت العدوانية الخارجية الإيرانيين خلف النظام الجديد، وعزّزت من قوته، وشكلت ملامحه ذات الطابع البارانويدي. استخدم صدام حسين الأسلحة الكيميائية ضد الإيرانيين، دون أي رد فعل دولي. خلص المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية إلى نتيجة: تراجع آية الله الخميني عن قراره الذي اتخذه عام 1979 بوقف البرنامج النووي الذي أطلقه سلفه، محمد رضا بهلوي. وهكذا وُلدت القضية النووية الإيرانية، يشير آلان فراشون.
دروس الحرب مع العراق لم تتوقف عند هذا الحد. بالتوازي مع النووي، شرعت إيران في تطوير صواريخ باليستية. كما بدأت ببناء شبكة من الميليشيات الحليفة في العالم العربي، خصوصًا بين الجماعات الشيعية في العراق ولبنان ولاحقًا في اليمن. وهكذا وُلد “محور المقاومة”، الذي انضمت إليه لاحقًا “حماس” الفلسطينية.
نووي، صواريخ، وميليشيات: جدار ثلاثي لحماية الجمهورية الإسلامية وتحقيق طموحاتها التوسعية، رغم أن جميع هذه الأطراف يصرّون على أن هدفهم الوحيد هو “تفكيك العدو الصهيوني”. لكن المهمة الحقيقية هي حماية إيران، أكثر منها دعم القضية الفلسطينية، يقول آلان فراشون.
فراشون: مع اتساع الهوة بين شعب شاب وفقير ونظام استبدادي ما يزال يتجسد في مرشده، علي خامنئي، يزداد التوتر الداخلي
في عام 2003، غزا الرئيس جورج دبليو بوش العراق وأطاح بنظام صدام حسين، بحجة القضاء على ترسانة أسلحة دمار شامل غير موجودة أصلًا. وبذلك، ساهم في تعزيز مكانة الجمهورية الإسلامية: فقد أُزيح عدوها الأكبر، “صدام”، وحلّ محله حلفاء شيعة مقرّبون من طهران. لتصبح إيران القوة الإقليمية العظمى، يتابع الكاتب.
لكن داخليًا، كانت الصورة أقل إشراقًا. فالسعي إلى السلاح النووي- أيًّا كانت أهدافه النهائية- جلب لإيران عقوبات اقتصادية دائمة. كما أن دعم ميليشيات “محور المقاومة” مكلف، وأدى إلى إثارة عداء الدول العربية، التي بدأت تتقارب مع إسرائيل.
ومع اتساع الهوة بين شعب شاب وفقير ونظام استبدادي ما يزال يتجسد في مرشده، علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، يزداد التوتر الداخلي، يقول آلان فراشون.
أثارت المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل بحق سكان غزة، ردًا على هجمات “حماس” في 7 أكتوبر 2023، تضامن “محور المقاومة”: “حزب الله”، الميليشيات العراقية (من الأراضي السورية)، والحوثيون اليمنيون قصفوا إسرائيل بشكل متقطع. ردّت إسرائيل في 2024 بتحييد “حزب الله” وتدمير الدفاعات الجوية الإيرانية تمهيدًا للهجوم الحالي على الجمهورية الإسلامية.
واعتبر آلان فراشون أن البنية الدفاعية التي أُقيمت بعد الحرب مع العراق: المشروع النووي، ترسانة الصواريخ، والميليشيات الشيعية.. لم تعد تحمي إيران، بل انقلبت عليها. أما حلفاؤها- الصين وروسيا- فلا يحركون ساكنًا. وبالتالي، تجد طهران نفسها وحيدة.