لوموند: النخب العسكرية الإسرائيلية لا تؤمن بسيناريو نزع سلاح حماس وتستعد لفشله

حجم الخط
0

باريس- “القدس العربي”:

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن المرحلة الثانية من “خطة السلام” التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقطاع غزة تنصّ على نزع سلاح حركة حماس، إلا أن القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية لا تؤمن بإمكانية تحقيق ذلك، وتعتقد أن الحركة ستواصل المناورة للحفاظ على قدرتها على إلحاق الأذى عسكرياً بإسرائيل.

وأضافت الصحيفة أنه على الرغم من النجاحات العسكرية التي حققتها إسرائيل ضد حماس وحزب الله وإيران، فإن الصدمة العميقة لهزيمة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023، إثر الهجوم الذي نفذته الحركة الفلسطينية، ما زالت حاضرة بقوة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وقد وصف رئيس أركان الجيش، إيال زمير، في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ما جرى بأنه “فشل جسيم، مدوٍّ ومنهجي”، وذلك عند إعلانه فرض عقوبات فردية على ضباط كبار اعتُبروا مسؤولين عن الإخفاق. وتفسّر هذه الفضيحة جزئياً الموقف المتشدد للجيش الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار الذي تم فرضه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ونقلت “لوموند” عن مصدر عسكري رسمي مخوّل بالحديث قوله: “ما تغيّر بالنسبة إلى الجيش هو أننا كنا مستعدين لتحمّل مخاطر من أجل السلام، أما الآن فلم نعد كذلك. نحن نريد السلام، لكننا لسنا مستعدين لتحمّل المخاطر”.

وأكدت الصحيفة الفرنسية أن الرهان الأساسي في الأسابيع المقبلة يتمثل في نزع سلاح حماس ونزع الطابع العسكري عن قطاع غزة، وهما نقطتان محوريتان في المرحلة الثانية من خطة ترامب. وكان الرئيس الأمريكي قد هدّد الحركة خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي قائلاً: “عليهم إلقاء السلاح، وإذا لم يفعلوا فستكون نهايتهم”، وذلك بالتزامن مع تنصيب “مجلس السلام” الذي تصوّره عند إعلان وقف إطلاق النار.

لكن النخب العسكرية والأمنية الإسرائيلية لا تؤمن بهذا السيناريو، أو بالأحرى تستعد لفشله. في هذا الصدد، نقلت “لوموند” عن مسؤول عسكري رفيع ذلك إرجاعه ذلك إلى أسباب أيديولوجية، قائلاً: “من وجهة نظرنا، أيديولوجية حماس تقوم على أنه متى سنحت لهم الفرصة للهجوم فسيفعلون ذلك مجدداً. بالنسبة إليهم، هذا ليس نزاعاً إقليمياً ولا يتعلق بحل الدولتين، بل بحل الدولة الواحدة، دولة الجهاد الإسلامي. لن يتوقفوا حتى يحققوا هدفهم النهائي، وهو قتل جميع اليهود وطردنا من هذه البلاد”، يقول المسؤول العسكري الإسرائلي.

وثائق حماس

وتابعت “لوموند” قائلةً إن كثيراً من القادة العسكريين الحاليين والسابقين في إسرائيل، يرون أن المواجهات مع حماس حتمية على المدى القريب أو المتوسط. وقال بيني غانتس، رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق وعضو حكومة الحرب بعد السابع من أكتوبر، قوله: “والدي قاتل في غزة، وأنا قاتلت في غزة، وابني قاتل في غزة. وهذا أمر، برأيي، لن يختفي قريباً”.

وأضاف غانتس: “أحد الدروس التي استخلصناها هو أننا لا نستطيع السماح بوجود قوة غزو على حدودنا. هذا أمر لن نسمح بحدوثه، سواء تعلق بحزب الله، أو بمسلحين في هضبة الجولان، أو بعودة ذلك في غزة”.

وأشارت “لوموند” إلى أن الجيش الإسرائيلي استولى خلال العامين الماضيين على كمية كبيرة من وثائق حماس، لاسيما من الأنفاق المهجورة. وقال مصدر عسكري: “أخذنا حواسيبهم ووثائقهم وقرأناها، ولدينا فهم واضح لما كانوا يخططون له، ولأفكارهم وأيديولوجيتهم وطريقة عملهم الداخلية”.

كما نشر مركز “مئير عميت” البحثي، القريب من الجيش، عدة وثائق نُسبت إلى قيادات بارزة في حماس، من بينها يحيى السنوار، تؤكد الفجوة بين تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية السابقة ومستوى استعداد الحركة.

ونقلت “لوموند” عن أهارون زئيفي فركاش، المدير السابق للاستخبارات العسكرية، قوله خلال مؤتمر أكاديمي في يناير/كانون الثاني الجاري: “خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، توقفنا في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن تعليم فن الخداع”.

نحن نقلّل من شأنهم

وأقرت قيادات الجيش بأن إسرائيل سمحت لنفسها بأن تُخدع من قبل حماس لسنوات قبل هجوم السابع من أكتوبر. ويشير تقرير صادر عن مركز “دادو” التابع للجيش في يوليو/تموز الماضي إلى أن القيادات السياسية والعسكرية والاستخباراتية كانت تعتقد أن حماس قد ارتدعت عن شن حرب على إسرائيل.

ولهذا السبب، لم يُؤخذ بجدية مخطط هجوم عثرت عليه إسرائيل عام 2022، كان يصف بدقة سيناريو هجوم السابع من أكتوبر قبل وقوعه بثمانية عشر شهراً، إذ اعتُبر “خيالياً” بسبب التقليل من القدرات العملياتية للحركة، توضح “لوموند” دائماً.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، كانت حماس منظمة كجيش حقيقي يضم نحو عشرين كتيبة، لم يتبقَّ منها اليوم سوى اثنتين بقدرات محدودة. كما تقلّصت مواردها من الأسلحة الثقيلة وقدرتها على تصنيع السلاح، في حين أُعيد جزئياً تعويض خسائرها البشرية. غير أن عضواً بارزاً في لجنة الدفاع بالكنيست شدد على أن الحركة ما زالت قوية، مستشهداً بقدرتها على العثور بسرعة على جثث الرهائن القتلى، خلافاً للتوقعات، تُشير الصحيفة الفرنسية.

واعتبرت “لوموند” أن الجيش الإسرائيلي يظلّ مهووساً بما حدث قبل السابع من أكتوبر وبخطر “المفاجأة الاستراتيجية”. ونقلت في هذا الصدد عن الرئيس الأسبق للموساد، تامير باردو، قوله بلهجة شديدة: “لا ينبغي لنا أن نستخف بالعدو. نحن نميل إلى التقليل من قدراته، وهذا يقترب من العنصرية ويثير اشمئزازي. من خبرتي، أعداؤنا ليسوا أقل ذكاءً ولا كفاءة ولا إبداعاً منا”.

وفي ما يخص المرحلة المقبلة، قالت “لوموند” إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تراقب أيضاً الخطاب العلني لحركة حماس، مشيرةً إلى وثيقة صدرت أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي بعنوان “روايتنا: طوفان الأقصى – عامان من الصمود والتطلع إلى التحرير”، والتي تحاول، بحسب محللين إسرائيليين، إظهار أن “كل شيء مستمر كما كان”، وإعادة تأهيل الحركة كلاعب مركزي في الساحة الفلسطينية.

ويجمع المسؤولون العسكريون على أن أياً من الجيوش الأجنبية لن يتولى نزع سلاح حماس، توضح ”لوموند”، مشيرة إلى ما قاله غانتس: “من يحاول تفكيك حماس يجب أن يكون مستعداً للموت، ولا أرى أحداً غيرنا قادراً على القيام بذلك”.

كما يتفق المسؤولون العسكريون في إسرائيل على أن الحركة ستواصل محاولاتها للاحتفاظ بقدراتها العسكرية، حتى لو ادّعت التخلي عن الحكم، على غرار نموذج حزب الله في لبنان. ويؤكد مصدر عسكري لـ”لوموند”: “إسرائيل لن تقبل بذلك، ولن نقبل بنزع سلاح شكلي”.

وأوضحت “لوموند” أن العقيدة الإسرائيلية لم تعد تقوم على الاحتواء، بل على الحرب الوقائية، وهي سياسة تُطبق أيضاً في الضفة الغربية. فمنذ وقف إطلاق النار، ينفذ الجيش الإسرائيلي ضربات متكررة كلما رأى تهديدات محتملة، حتى لو شكك الفلسطينيون في وجودها. وقد قُتل نحو 500 شخص في الضفة الغربية منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو عدد يفوق ضحايا عملية “حارس الأسوار” عام 2021 بأكملها.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية