«لهو الإله الصغير» رواية السوداني طارق الطيب: لغة سردية عالية تطرح مشكلات الاغتراب والهوية الممزقة

سارة سليم
حجم الخط
0

«العلم عند الإله الأعلى ولي حقّ الكشف والتصحيح»، هكذا تكلّمتْ رواية «لهو الإله الصغير» للروائي السوداني المصري طارق الطيّب، إذ اخترق بالرواية كلّ صمّامات الأمان التي تحمي كلّ ما نعتقد أنه من الثوابت وأنّ مجرّد الخوض فيه غير محبّب، وطبعاً ليس بهدف أنْ يثور على المقدسات بل بالعكس جاء العمل محمّلاً بالأسئلة الخطيرة التي حطّت الرِواية يدها عليها بطريقة محترفة، لتطرح العديد من الموضوعات بسرد مميّز وبلغة جميلة مقتَضبة لا تقول كلّ شيء، لكنّك حين تتبَع مساراتها تتكشّف لك الخيوط وتتّضح لك الصورة، التي تمكّنك من فهم مقاصد الحكاية ومرامي الرواية، فليس سهلاً أن تدخلَ إلى عوالم طارق الطيّب دون أنْ تتوه، إنّه حكّاء ماهر، يجيد شدّ انتباه القارئ، الذي يقرأها قراءة العارفين ومكاشفة القراء، يقول‏ سومرست موم: «يجب أن تكون الرواية مسلية. فلا يوجد من يقرأ الرواية ليتلقى تعليمات أو ينمي عقله، وإذا أراد أن يتلقى التعليمات أو ينمي عقله، فعليه أن يلجأ إلى الكتب التي تبحث في هذه الموضوعات وإلا فهو أحمق.»
قسّم طارق الطيب الحكي بين البطل المِحوري شمس، وبين الكاشف والعارف اللذين يدّعيان أنهما على معرفة كبيرة بقدر شمس، فالكاشف أقرب للّه من البشر والعارف أقربُ للبشر على اللّه وكلّ منهما يحاول أن يروي مصير شمس من وِجهة نظره.
فمَن هو شمس! وما قصّة الآلهة بالرواية وما علاقة كلّ هذا بلهو الإله الصغير المذكور بالعنوان؟
يأخذنا طارق الطيّب في جولة غرائبية نفقد فيها الإحساس بالواقع، جولة يحتدم فيها الصراع بين الواقع والعجائبي (الفانتستيك)، بين القدرة على البحث للكشف عن الحقيقة، وبين رغبة العيش فقط كي لا نموت.
تطرح الرواية مسألة الوجود، ماهيته، جدواه، خاصّة إذا فقد الفرد كلّ صلة له به بنفسه، قد يبدو الأمر غريباً، نعم، كيف يمكن أن تعيش إذا جُرّدتْ منك؟ فتتشبث بأيّ شيء يعيدك إلى ما قبل وجودك، وكأنّك في جلسة مكاشفة مع الذات يوم تعود إلى نقطةِ الصفر، هذا ما حدث لشمس بعد دُعاءٍ قاله في لحظة غضب ليحقّق له الإله الصغير ذلك الدعاء، إذ: «استطاع في أقلّ من طَرفة عينٍ، بقياس زمن البشر، أن يمحو كلّ الكائنات الحيّة من وجه الأرض: من بشر وحيوان وكلّ ما له روحٌ، شلّ زمجرة الرياح وعَصْفَ الأعاصير وانفجار البراكين. استبقى شمس، مُجيباً دعوته الحرون الغاضبة التي لم يكن يقصدها بصدق، ثمّ ترك دورة الكون لمسارها الزمنيّ المعتاد.»
يجد شمس نفسه في مدينة فيينا لوحده لا بشر ولا حيوانات ولا شيء، لا ذاكرة ولا ظلّ ولا حواسّ ولا حقيقة ترشده إلى نفسه، وفي خضم كلّ هذا يُصاب بالفزع والحيرة هلْ هو في العالم الآخر أم أنه في عالم ما قبل الموت، يبدأ بطرح الأسئلة التي تتوالد قي رأسه، محاولا أن يخلق ذاكرةً ووجوداً آخرَ بالحياة. «الآن بعد أن أصبحت إنساناً تتآكل ذاكرته، فهذا يعني أنني أتجه إلى الموت وأنا في الحياة، ولا بدّ من إنقاذ نفسي بأن أخلق لي ذاكرة جديدة مخترعة أو وهميّة أو خياليّة أو مبتكرة أو تلفيقيّة، المهمّ أن تكون عندي ذاكرة أستند إليها، ففي غيابها لا أستطيع أن أحيا أو أرتكز على أرضٍ.
محاولاً البحثَ عن هويّته، ماضيه، مدينته الأولى علماً أنّ شمس مِن أصول مصرية، هنا ينظر الكاتب في مسألة الهويّة والانتماء، والغربة، يعود شمس إلى مصر لكن عبر التاريخ. يصرّ على القراءة والكتابة كي يصلح عن طريقهما أعطابَ الذاكرة، ليعيد استذكار أوّل مرّة قَدِم إلى الأرض بعد العديد من الإناث، فيوم جاء غادرتْ أمّه الأرض فعاشَ «يتمان»، إذ يستذكر علاقته بوالده، وكيف تنظر بعض المجتمعات العربية إلى الأنثى! يقول: «كنت دوماً إله أبي الصغير ودوماً على صواب».
مِن خلال الماضي القريب والماضي البعيد جداً، والمدينة الأصل والمدينة التي يعيش فيها، أراد شمس أن يبحث بنفسه عن جدوى وجوده وكيف جاء إلى هذه الحياة، بعد عبثية ذلك الدعاء الذي حوّله إلى كائن دون شيء، يعيش في مدينة لوحده وكأنّه الإنسان الأخير في تلك البقعة من فيينا، فبقدرِ ما أحبّ ذلك شعرَ بالغربة وبالرغبة في أن يستعيد نفسه.
الرواية لا تبحث في الغيبيات كما يراها الذي يحكم عليها من العنوان، بلْ «لهو الإله الصغير» تدفع إلى طرح التساؤلات وعدم التسليم والقبول بما اعتدنا أن نراه على صواب، بل وحده البحث والتنقيب والقراءات والاجتهادات الجديدة ما يجعلنا نفهم العديد مِن الأمور التي أخذناها خطأً، أو لربّما أحياناً تتوسّع مداركنا تجاه قناعات آمنّا بها فنتمسّك بها أكثر فأكثر.
تقرأ ّ»لهو الإله الصغير» كرواية لا تبني أُسسها على منطق الواقع ولا على مسلّماته وأفكاره، بل تعطي تصورات جديدة لكلّ الأشياء التي نتعامل معها كيَقينيَات. لِذا ربّما اختار الكاتب إلى جانب شمس شخصية العارف والكاشف. وأيضاً تطرّق إلى موضوع الوجود من وِجهة نظر عميقة لا تنظر للإنسان كرقم سيتكرر، بل كفكرة يمكن أن نعيد صياغتها لتصبح قابلة للفهم.
تُطرحُ في الرواية مسألة الهويّة، الغربة، وكيف يمكن لمن يعيش بعيداً عن أرضه أن يربط علاقة قويّة بها، وكيف سيعوض ذلك الشعور، لربما الكتابة أحياناً تُعَدّ أحد أشكال الخلاص، وهذا ما حدث لشمس، فالكتابة أيضاً تمنحنا فرصة أن نبحث عنّا، مَن نحن وماذا نريد من الحياة؟
الرواية تطرح سؤال الذاكرة والهويّة والتاريخ، الهويّة الإنسانية المشتركة والهويّة الشخصية لكلّ واحد منّا، فالهويّة الإنسانية تحقّق بوجود الآخرين والهويّة الشخصية تتثبّت بما نريده نحن، فشمس في الحقيقة أنثى أنجبتها أمّها بستان كأنثى لتتحوّل برغبة من الأب إلى ذكر مُشتهى.  فالعزلة التي وجد شمس نفسه فيها، دون حياة تدبّ فيها، أعادتْ له ذكريات أشخاص بدأتْ ذاكرته تشكلهم تدريجياً ولكنه نجح من خلال الكتابة في استعادتهم.
إذاً الرِواية بلغة سردية عالية، وبكثافة فكريّة قويّة تطرح مشكلة الهويّة، والتاريخ والاغتراب الذي يحصل داخل الغربة ذاتها. اغتراب المكان والاغتراب عنّا نحن. لكنّني أعتقد أنّ سؤال الرِواية الأهم هو كيف يعيش المغترب؟ وكيف تعيش هويّته وأصوله داخله وما هو الشيء الذي يُبقيه قيد الوطن الأمّ؟
لربّما يريد طارق الطيّب أن يقول إنّ الكتابة وحدها هي ما يحفظ صِلتي بأرضي ويمتّن علاقتي بها، وفي هذا النص يقترب من مواطن الألم عند المغترب، إذ أنه يعرف الغربة بمفهوم مغاير لمن اعتاد أن يحمل هويته حيث هو، برغم أن طبيعة الحياة ونمطها المختلف في غير بلاده يفرض عليه واقعا مغايرا، يجتهد قدر الإمكان في إثبات هويته به، وطبعا ليس بالتأقلم والتنكر للأصل، بل بترسيخ الهوية أكثر فأكثر في الكتابة بكل أشكالها، التي تساعد الإنسان على تقبّل ما تفرضه الحياة أحياناً، وفي الوقت ذاته توسّع أفق الرؤية لتكون في خدمة الإنسان.
القراءة جعلتني أؤمن بفكرة لربما تبدو غريبة نوعاً ما، لكنني متمسكة جداً بها، وهي أنّ النصوص الحقيقية هي ما يجعلك تعيد تشكيل كتابتها بعد قراءتها، و«لهو الإله الصغير» من النصوص التي تجعلك تعيد كتابتها، إذ أنها بكل تأويل تولّد أفكارا جديدة، فهي رواية تختصر القضية الإنسانية والهوية الممزقة.

طارق الطيب:
«لهو الإله الصغير»
دار طرابيل (الخرطوم) ودار النسيم (القاهرة)، 2021
192 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية