لماذا اخترت الكتابة عن نقولا زيادة؟

حجم الخط
0

وفاء لذكراه ولمسيرته، وهو الذي عانى طفلا من شظف الحياة ومرارتها، وكافح طيلة تسعة وتسعين عاما بعصامية لم تعرف حدودا ولا مستحيلا؛ ولحاجتنا إلى أمثاله في هذا الزمن العاقر، حاجتنا إلى من يقرأ التاريخ وهو يؤمن بأن الإنسان هو جوهره، والتاريخ ليس فقط ما صنعه الملوك والسلاطين، بل أيضا ما عاشه الناس وواجهوه وما حملوه في صدورهم من آمال وخيبات. أكتب عنه كي أذكّر أجيال هذه الأيام بقامات أناس ولدتهم فلسطين في زمن الشدة والفقر والآمال الكبيرة، فكافحوا وذللوا الصعاب وكبروا حتى فاضت مآثرهم وملأت أرض العرب؛ واشتدت عزائمهم حتى أقرت بهم مدائن الغرب.
أكتب إليه، بدافع شخصي، أو ربما سداد دين لم أوفه من طرفي منذ قام بزيارتنا عام 1993 وكانت تلك زيارته الوحيدة لفلسطين بعد ضياعها. فقد جمعتني الصدفة مؤخرا مع أقارب لي وله، واستذكرنا قصصنا العائلية، ومن بينها كانت قصص العم نقولا وعلاقته بجديّ من طرف أمي مخائيل عبدالله الخوري، الذي كان زوج خالته، وجدي من طرف أبي المعلم بولس جبران بولس صديقه «الودود الذي لا ينسى»، كما كتب هو بخط يده عندما أهداني كتاب مذكراته. أكتب عن «الشيخ نقولا»، هكذا كان يحلو لبعض مُجلّيه أن يصِفوه، وستحلّ ذكرى رحيله، بعد يومين، في السابع والعشرين من يوليو، إذ وافته المنية في بيته ببيروت عام 2006، ودفن فيها بجنازة متواضعة، فرضت ظروفها الأوضاع الأمنية التي كانت تخيم على لبنان وقتها.
ولد نقولا زيادة عام 1907 في دمشق، إليها انتقلت العائلة بسبب عمل والده موظفا في سكة حديد الحجاز. عادت والدته وأولادها إلى الناصرة ربيع عام 1916، عقب وفاة الوالد في الشام. انتقلت العائلة إلى جنين سنة 1917 بعد أن وجدت أم نقولا عملا مناسبا لها يعيل عائلتها. من جنين بدأت مسيرة كفاحه وطلبه للعلم؛ مسيرة حاول أن يستجمع فصولها في كتاب أصدره عام 1992 بجزئين وسماه «أيامي، سيرة ذاتية»؛ وهو في الواقع أكثر من سيرة ذاتية، لأن «أيام نقولا زيادة» كما أرخها ووصفها بأسلوبه الجزل والمميز، تمثّل أكثر من تسجيل لحياته الشخصية وأبعد من نقل تصويري للأحداث التي عاشها وعايشها مؤمنا «أن من يروي ما قرأ في كتب السالفين لا يكون مؤرخا، بل ناقلا، أما المؤرخ فهو من يعيد تشكيل الماضي وقراءته بروح عصره ووعي إنساني شامل».. هكذا مارس نقولا زيادة حياته المهنية، وبهذه المفاهيم عمل وأنتج ونسج علاقاته الإنسانية منذ كان طالبا في دار المعلمين الحكومية في القدس سنة 1921، وبعد تخرجه منها عام 1924 وعودته إلى الجليل ليعمل معلما في الناصرة بداية، ثم في قرية ترشيحا ثم في مدينة عكا، وينتقل منها إلى مرحلة التعليم العالي في إنكلترا ويعود للعمل أستاذا في الجامعة الأمريكية في بيروت، إذ كانت عودته إلى فلسطين مستحيلة بعد أن سقطت البلاد في عام النكبة المشؤوم. من يقرأ سيرة نقولا زيادة كما خطها في «أيامي» يُبهر من مقدرته على الغوص في تفاصيل حياة الناس في القرية والمدينة وتعرضه، بريشة رسام، للفوارق الطبقية بينهم ولعاداتهم وتقاليدهم ووصفه لطباعهم وطبائعهم ولوشائج العلاقات ومحركاتها بينهم. عندما تقرأ سيرته تشعر بأنك أمام وثيقة زمنية تنقلك عبر محطات التكوين الاجتماعي والسياسي والثقافي لشرق عربي كان يتغيّر تحت وطأة التحولات الكبرى، من سقوط السلطنة العثمانية، مرورا ببدايات الانتداب وغزو الحركة الصهيونية لفلسطين، وبدايات تكون الهويات الوطنية، وما خالطها من تجاذبات اجتماعية وسياسية وتوترات دينية وطائفية واشتباكها ببعضها، أو اندماجها القلق والحذر؛ تقرأه وتعيش معه رحلة الشاب الصارم الطموح وحكمة الشيخ وفطنة المؤرخ الذي دعا إلى تحرير التاريخ من الأدلجة، وقال «إن من يكتب التاريخ ليبرر، لا يكتب تأريخا بل دعاية».

التاريخ، كما علّمنا نقولا زيادة «لم يكن مجرد علم عن الماضي، بل هو مرآة لفهم الحاضر ولاستشراف المستقبل»

كان نقولا زيادة نموذجا للمثقف الذي يرى في المعرفة مسؤولية وأداة إلى سبر مغاليق التطور الإنساني وفهمها. فقراءة «أيامي» اليوم ليست مجرد نزهة في الذكريات، بل تمرين في مراجعة ماضينا وفهمنا كيف كان يعيش الإنسان العربي في بدايات القرن العشرين، في فلسطين تحديدا، في ظل أسئلة كبرى لا تزال عالقة حتى اليوم دون إجابات وافية عليها، يتقدمها سؤالان: من نحن وإلى أين نحن ماضون؟ بدأ نقولا زياده عمله معلما في الناصرة عام 1924 ونقل منها إلى مدرسة ترشيحا بعد عام واحد فقط. يخبرنا نقولا أنه استأجر دابتين، واحدة له وواحدة لأغراضه، ومشى من الناصرة إلى كفرياسيف عن طريق شفاعمرو. وفي كفرياسيف، «نزلت عند ميخائيل عبدالله خوري، الذي كان زوج خالتي. قضيت ليلتين عندهم. وفي صباح يوم ماطر خرجت من كفرياسيف إلى ترشيحا (مشيا) برفقة بولس جبران، الذي كان معلما بترشيحا وكان ينزل إلى كفرياسيف مساء الخميس ويعود إلى ترشيحا صباح السبت». بعد ترشيحا نقل للعمل في مدرسة عكا. وعن «أيامه» فيها يحدثنا بوافي الشرح والتفصيل، لكنني اخترت الكتابة عن رحلة قام بها مع زملائه وبعض طلابهم إلى مدينة بيسان. في طريق عودتهم مروا بمشروع روتنبرغ، مقر الامتياز الذي منحته حكومة فلسطين لروتنبرغ، بحيث احتكر إنتاج وتوزيع الكهرباء للإنارة والصناعة، من مساقط نهر اليرموك، في فلسطين كلها باستثناء القدس وجوارها، قال «رأينا هذه التقنية العلمية التي ستبتلعنا مع الزمن».
دارت عجلة الزمن؛ وعاد نقولا زيادة، بعد مرور سبعين عاما إلى فلسطين، وتحديدا في التاسع عشر من سبتمبر عام 1993 ومكث عندنا اسبوعين.. دخل إلى فلسطين عن طريق جسر اللنبي. كان ينتظره هناك مخائيل عبدالله خوري، وهو حفيد مخائيل عبدالله خوري، جدي وجد مخائيل. زار نقولا كفرياسيف أولا، وبعدها زار عدة مدن ومواقع في فلسطين. كتب عن هذه الزيارة بأسلوبه المميز خواطر سماها «رسائل من فلسطين» حتى إذا قرأتها عشت معه الرحلة وتعرفت على فلسطينه، كما رآها وأحسها، فتحت عنوان «تغدينا في يافا» كتب عن رحلتنا معه من القدس إلى الناصرة، «قال لي صديقي المحامي جواد بولس، الذي عُرف بدفاعه عن أهل الحجارة ومن جرى مجراهم أمام القضاء المحلي: أنت ذهبت من جسر اللنبي إلى كفرياسيف، مع مخائيل ابن خالي عبدالله، بطريق الغور، وجئت من الناصرة إلى القدس بطريق جنين ونابلس ورام الله، لذلك يجب أن تكون عودتك من القدس إلى الناصرة بطريق السهل الساحلي. ولأننا كنا في رام الله ساعتها نزلنا منها طريق اللطرون»، ثم وصف ما شاهده خاصة ونحن نقترب من مشارف يافا ودخولنا إلى منطقة مينائها القديم، الذي لم يتعرف إليه، وهو صاحب ذاكرة خارقة، بعد أن غيّرت إسرائيل معالمه. في الطريق مررنا بمحاذاة المستوطنات، كنت أشرح له عنها وكان يصغي دون أن يبدر منه أي رد فعل. أنهينا غداءنا وعدنا في المساء إلى الناصرة. بعد عودته أرسل لنا من لندن ما وثقه عن الزيارة وما كتبه عن غدائنا في يافا: «قلت فيما بعد للذين سألوني عن يافا: يسر المرء إذ يرى المكان منظما ومرتبا، لكن الألم يحز في النفس، لأن هذا يمثل الاعتداء على أرض الوطن ومدنه وقراه. صحيح اننا تغدينا، فقد كنا جائعين؛ ولكن أقول، والألم يملأ عليّ نفسي، أنني كدت أن أغص بكل لقمة». قرأت المادة وحزنت، لأنني فهمت أنه يتحدث عن ذاك الألم الذي تملّكه عندما وقف أمام مشروع روتنبرغ وخشي من «تلك التقنية التي ستبتلعنا مع الزمن «.
رحل «شيخ المؤرخين» وهو يتأسى على ضياع مستقبل كان ضحية لجهل أصحابه وعبادتهم للماضي، بعد أن تخلوا عن دور عقولهم في صناعته. رحل وفي صدره غصات، بعد أن أورثنا حكمة أغفلناها، فالتاريخ، كما علّمنا «لم يكن مجرد علم عن الماضي، بل هو مرآة لفهم الحاضر ولاستشراف المستقبل».
رحل العم نقولا زيادة بهدوء كما عاش؛ فلروحه السلام.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية