خلال سنتين، باع نتنياهو الجمهور وهم “النصر المطلق”، وفي الحقيقة قاد دولة إسرائيل إلى هاوية استراتيجية تعرض أمنها للخطر. ويعتبر إعلان الولايات المتحدة عن أسماء العناصر التي ستدير غزة “في اليوم التالي” بمثابة إدانة للسياسة الممنهجة التي تقوم على الإهمال والتهرب من المسؤولية التي تميز فيها عهد نتنياهو.
تتضح عدة أمور الآن: الأول أن السعودية التي كان من المفروض أن تؤيد تحركاً إقليمياً لتحقيق الاستقرار في غزة وإخراج حماس منها، غائبة كلياً عن المشهد. فبدلاً من الشركاء المعتدلين الذين يقفون في المقدمة، نجد أن من أعطيت لهم مناصب رئيسية هم قطر وتركيا، راعية “الإخوان المسلمين” والداعمة لحماس. الثاني، أن إسرائيل نفسها خارج هذا الحدث؛ فهي لا تبادر ولا تقود ولا تضع قواعد اللعب، بل الآخرون هم الذين يفعلون ذلك، ويتم الدوس على مصالحنا الأمنية.
هذا ليس خطأ، بل نتيجة مباشرة لإدارة الصراع واعتقاد سائد بأن “حماس ذخر ثمين”: الاعتقاد الذي أدى إلى كارثة 7 أكتوبر، والذي ما زال قائماً بعدها. فبدلاً من دعم القوى الفلسطينية المعتدلة، اختار نتنياهو المتطرفين مرة تلو أخرى. هنا تكمن المشكلة؛ فتحالفه مع اليمين المتطرف في إسرائيل لا يعتبر تكتيكاً، بل أيديولوجيا وجذرية. فبالنسبة لسموتريتش وحلفائه، تعتبر حماس “ذخراً ثميناً” من منظار عالمي واضح. فهو يسعى إلى الاحتفاظ بالضفة الغربية بأي ثمن. يوجد لإسرائيل تعاون أمني مع السلطة الفلسطينية التي تراها “عبئاً”. لذلك، حماس تخدم هدفه بشكل أفضل.
لفهم عمق هذا الفشل، ثمة حاجة إلى نظرة تاريخية. فطوال عشرات السنين، استغلت إيران كل فرصة لبناء حلقة نار حولنا. بعد سنتين على الحرب متعددة الساحات، أخيراً جاءت فرصة نظام إقليمي جديد. فإيران ضعفت، وحلقة النار تصدعت، وسنحت لإسرائيل فرصة استراتيجية للمضي بتسوية إقليمية واسعة مع الدول المعتدلة.
لكن حكومة نتنياهو مكنت المحور الراديكالي من العودة وترسيخ وجوده في المنطقة. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعتبر إسرائيل عقبة أمام طريق هيمنته في الشرق الأوسط، ويصورنا كمجرمي حرب، ويرى في ضعفنا السياسي فرصة سانحة. المؤسسة الأمنية حذرت وما زالت تحذر من أن الأموال القطرية بمثابة أوكسجين للإرهاب، وقد تم دفع الثمن بالدماء. فحماس ما زالت صامدة، وتحصل من جديد على الأموال برعاية حكومة إسرائيل.
الحرب القادمة أصبحت على الطريق، السيناريو معروف، وهو أن حماس تستعيد سلطتها وتستخدم الأموال القطرية لإقامة البنى التحتية الإرهابية وتنتظر الفرصة المناسبة. ستأتي الجولة الثانية بإرهاب مدعوم من تركيا وقطر، ولكن عندها ستصبح إسرائيل أكثر انعزالاً وانقساماً وضعفاً. هكذا يبدو الإهمال. لقد أعادنا نتنياهو إلى وضع أسوأ من 6 أكتوبر. كل من يفضل محور الإخوان المسلمين على أمن إسرائيل لا يصلح للقيادة. ولكن هناك بديل: حرب حاسمة ضد الإرهاب – نعم. احتواء وتمويل والامتناع عن التسوية – لا. يجب على إسرائيل العودة إلى موقع القيادة: اختيار المحور المعتدل وبناء تحالف إقليمي مع مصر والأردن والسعودية والإمارات، ورسم أفق سياسي واضح وضمان نزع سلاح حقيقي من غزة بواسطة آلية إقليمية ودولية غير معادية لنا. هكذا ستصبح الإنجازات العسكرية أمناً حقيقياً، وليس جولة أخرى لسفك الدماء.
يئير غولان
هآرتس 21/1/2026