حلم التطبيع مع السعودية بات يحرك آلاف الإسرائيليين لفحص جدول الرحلات إلى الرياض وجدة، أسعار الفنادق الفاخرة، ومسارات سباق السيارات، وملاعب الغولف، والعروض الترفيهية المتوقع إجراؤها في هذه السنة، لأن ترامب يريد تحقيقه، أما نتنياهو فيسيل لعابه بشأنه، وأوضح محمد بن سلمان منذ زمن بأن هذا هو خياره الاستراتيجي.
هذا حلم متعدد الأبعاد ومليء بالأموال: حلف الدفاع المأمول بين السعودية والولايات المتحدة، وإقامة تحالف إقليمي منسق ومسلح جيداً ومستعد لمهاجمة إيران، أو ردعها على الأقل، وربما أيضاً ثورة في الوعي وانقلاب سياسي نهايته علاقات دبلوماسية مع “العالم الإسلامي” كله، من إندونيسيا وماليزيا ومروراً بالعراق وسوريا وانتهاء باليمن والجزائر. عالم إسلامي – عربي جديد وشجاع يحتضن إسرائيل ويمنح ترامب ونتنياهو جائزة نوبل.
لا نية للتقليل من أهمية استراتيجية للتطبيع مع السعودية. إذا تحقق فسيخلق دعامة استراتيجية إقليمية مهمة جداً لإسرائيل، وربما يمنحها فائدة اقتصادية كبيرة. لكن كما لم يمنع السلام مع الإمارات أو البحرين أو المغرب استمرار الحروب الدموية لإسرائيل، فالتطبيع مع السعودية لن يوقفها ما دامت ترفض الاعتراف بالحاجة إلى حل النزاع مع الفلسطينيين.
اتفاق السلام الاحتفالي، الذي سيتم التوقيع عليه على العشب الأخضر في البيت الأبيض، لن يغير حقيقة أن قطاع غزة مع الـ 2.3 مليون من سكانه، عالق كشوكة في حلق إسرائيل. وليس فيه أي وصفقة منطقية للطريقة التي ستدار فيها القطاع وإنهاء الحرب ضد حماس أو إطلاق سراح المخطوفين الذين ما زالوا محتجزين في الأنفاق والأقفاص. التعاون العسكري والتكنولوجي مع السعودية لن يجتث المسلحين في مخيم جنين للاجئين، ولن يقضي على منفذي العمليات “الأفراد” الذين يعتدون على المدنيين اليهود الذين يسافرون في شوارع الضفة الغربية، أو يقضي على من يضعون العبوات الناسفة في شوارع تل أبيب.
إسرائيل يمكنها إقناع نفسها بأن القضية الفلسطينية تصيب السعوديين بالملل، وأن ترامب لا ينوي وبحق تطبيق حل الدولتين بروحية “صفقة القرن” التي أطلقها، وأن التطبيع سينهي النزاع المحلي، وأن الفلسطينيين سيدركون أنه لا فرصة لهم. وهكذا، فإن إسرائيل حتى يمكنها ضم الضفة الغربية وقطاع غزة في الوقت الذي يتبادل فيه بن سلمان وترامب أكوام الأموال والسلاح.
للدفع بالتطبيع قدماً ربما يستطيع نتنياهو ربط تصريح متعرج وكاذب يستجيب لـ “شرط الفلسطينيين” الذي وضعته السعودية، لكن لا يمكنه اجتياز الواقع. لأن هنا يكمن تهديداً آخر.
اقترح إيهود باراك هنا أمس في “هآرتس” صيغة تقتضي “دعم الصفقة مع السعودية، وكأنه لا يوجد انقلاب (نظامي)، ومحاربة الانقلاب (النظامي) وكأنه لا توجد صفقة مع السعودية”، اقترح دعم الحكومة ورئيسها إذا وافقوا على الشرط الرئيسي للتطبيع بدون التنازل عن النضال ضد جعل إسرائيل ديكتاتورية مسيحانية. ولكن هذه المعادلة سهلة على الاستيعاب، لأنها تخلو من أي تناقض بين موقفين مبدئيين متوازيين، وكأنه لا صلة بينهما.
لأن أحد شروط التطبيع يقتضي الاعتراف بحق الفلسطينيين بدولة، بماذا ستفيد هذه المعادلة إذا طلب رئيس الحكومة اشتراط موافقته على أحد الشرطين بإلغاء الشرط الآخر. أي تنفيذ الانقلاب النظامي بكل بنوده، وإقالة المستشارة القانونية للحكومة، وتقليص صلاحيات المحكمة العليا، وإغلاق وسائل الإعلام غير الموالية، والتنازل عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وربما إلغاء محاكمته، وكل ذلك مقابل اعتراف غامض لا يلزم بإقامة الدولة الفلسطينية؟ هل يجب على إسرائيل عندها وضع عنقها على مقصلة الانقلاب باسم الدعم غير المحدد بالتطبيع؟
تسفي برئيل
هآرتس 5/2/2025