أستسمح فاروق شوشة في علياء الأبدية في توظيف عنوان برنامجه الشّهير الذي كان يفتتح كل حلقة فيه ببيت لحافظ إبراهيم: أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن/ فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
تمثل اللغة، أي لغة، رمز التواصل في الحياة بالنسبة لأي مجموعة بشرية، لأنّ تطور النوع البشري حتمي في كيفيات تواصله، إذ من المستحيل أن يكتشف عالمه الغامض، من دون أن يكتشف الوسيلة التي بواسطتها يتمكّن من فكّ شيفرات هذا الغموض، ومن ثمّ كانت اللغة هي التّعبير الشّامل عن حركة الإنسان في الواقع، حيث شكّل منظومة الأسماء المُتوافق عليها داخل مجموعة بشرية معيّنة، وبها استطاعت، أن تبني النص الذي يقدّم تجربتها إلى العالم. تلك، هي اللغة التي تكشف عن أنّ الإنسان هو المخلوق الوحيد القابل للتعلّم كما اكتشف جيفري لانغ، خلال تجربته الإيمانية، ومنه إشارة القرآن العميقة إلى العلاقة بين الإنسان والأسماء والتعلّم: «وعلّم آدم الأسماء كلّها»، وكأنّ الخالق برمج العقل على احتواء كل الأسماء ممكنة التحقق في العالم، وترك له اشتقاق دلالاتها، وفي ذلك تكمن حيوية اللغة وتطوّرها.
اللغة هوية المحبّة:
ضمن هذه الرّؤية تشكّلت العلاقة الوجدانية بين الإنسان واللغة، فلا تجد من يحتقر لغته أو يحاول الانفكاك منها، ولو كان محيطها متخلّفا، لأنّ التخلّف ليس كامنا في اللغة، بل في عدم ممارستها، ومن ثمّ كان الموات اللغوي، حيث يتوقّف الإنسان عن التواصل العقلاني والعاطفي مع اللغة باعتبارها كائنا حيّا، فأحيانا، عندما نبحث في مجموعة من الكلمات المتاحة في حقل معيّن عن معنى تحمله إحداها لتوظيفه، هذا يعني أنّ نظام اللغة يدخل في عملية تفاوضية مع العقل لتأثيث المفهوم بالمعنى، وهو ما يثبت حيوية اللغة، وأنّها ذات محمولات فكرية ومعرفية، وأنّ هذه الحيوية تكمن في ممارستها، فتطوُّر اللغة يدركه من يشتغل عليها.
تأمُّل لحظات اللغة ليس في طريقة الحكم عليها جزافا باعتبارات راهن متكلّميها الحضاري، ولكن في تأمل الذّات في علاقتها باللغة، التي بها يتحقّق تواصلها مع ما تحبّه في العالم، الوطن، الجمال، أمي، كما يقول صاحب المنفى في اللغة، مالك حداد، «أَمّي باللغة العربية»، لا يجد لها ذوقا – أمّي – ولا معنى في ترديدها بأي لغة أخرى، ولذلك كفّ عن الكتابة. ثيودور كاليفاتيدس بعد خمسين سنة وفي شيخوخته يعود ليكتب باللغة اليونانية «حياة أخرى»، بعد أن كتب كل كتبه بلغة بلد المهجر، السويد. يقول: «لقد استعدت وجهتي مع كلمات اسخيلوس» ويقول عن لغته: «وطني الوحيد الذي أملك، والذي لن يخذلني أبدا». هذا مقام محبّة لن يمتلك التربّع على عرشه سوى من يجد هوية الشوق إلى المنابع في تراثية لغته القابلة للانبعاث، وأيضا من يضع العالم في منظار الجمال والإضافات التي يمكن أن تمنحه هوية التعدّد المكثفة بالتّسامح.
المطلق جوهر اللغة العربية:
لا يمكن إغفال جمالية اللغة العربية النابعة أساسا من قدرتها على حمل كلام الله المُطلق، ولأنّ من بين ركائز وجوديتها الثقافية هو الشعر، نجد أنّ عمر اِبن الخطّاب (رض) كان يقول: «إذا أشكل عليكم شيء في القرآن الكريم فعودوا إلى الشّعر الجاهلي فإنّه عربي»، الشّاهد في هذا أنّ اللّغة العربية بوجودها القبلي على القرآن الكريم، أصبحت تفك ما أشكل على الفهم فيه، باِعتبارها استطاعت أن تحمل مضامينه، ولهذا يبدو أنّ الأمم المتّحدة قد تأخّرت في إعلانها اعتبار اللّغة العربية لغة رسمية ولغة عمل داخل أجهزتها، طبقا لقرارها 3190 لعام 1973.
أصبح يوم 18 ديسمبر من كلّ سنة لا يُذكّرنا إلاّ بِمَا وصلت إليه لغة الضّاد من انحدار، تلك اللّغة التي حملت في زمنٍ ما لواء الحضارة بِمَا يختزنه هذا المفهوم من شحنة عقلية وأدبية وفنّية، فالأُمم لا يُقاس احترامها بِمَا وصلت إليه من تطوّر، ولكن يُنظر إليها على أساس احترام معايير الوصول إلى ذلك المستوى، والتي ليست في النّهاية سوى عناصر الهوية الثابتة، ومنها اللّغة، فالإنكليز يحترمون لغتهم، والفرنسيين أيضا، وكلّ شعوب الأرض النّاهضة تفعل مثل ذلك، إلاّ بعض أمّة العرب تعتبر أنّ لغتها ليست ذات شأن، قياسا إلى ما تعيشه هذه الأمّة من تخلّف حضاري وتقهقر قيمي. والواقع يقول إنّ العقل العربي يوم كان في عنفوان اشتغاله، أحاط فعاليته تلك بعناصر بحثية في اللغة، أتاحت لِلُغَويٍ كما ابن منظور أن يؤسّس منظومته اللغوية بوعي موسوعي وأنثروبولوجي أخرج اللغة من موات الأيلولة إلى حياة الدّيمومة.
أحتار في عديد اللحظات كيف استطاع ذلك العقل من تحقيق ذلك الإنجاز، لأعود فأقول هو المخيال، الذي يبحر في اللغة فيجد لها متّسعا في إمكانياتها العملاقة على الاشتقاق، وتوسيع مجال الدّلالات، فتفجّر بذلك محدود القاموس لتجعله مواكبا لفعل التوالد في الكلمة والمعنى والدلالة.
اللغة ونظام المخيال
طرح أحد الأصدقاء رأيه في اللّغة العربية قائلاً: أعتبرها لغة ميّتة قياسا إلى ما نعرّبه من كلامٍ فرنسيٍ في واقعنا، ونجعله أساس خطابنا اليوميّ. ويُضيف بعضهم أنّ اللّغة العربية لغة شِعر وأدب وليست لغة عِلم وتقنية، بل يرى البعض الآخر أنّها صعبة وأنّ قواعدها الصّارمة والجامدة ساهمت في تخلّفها! إنّ مجرّد القول بموت اللّغة، أيّ لغة، يُعتبر في ميزان العقل تعبيرا عن موت من يدّعي ذلك، لأنّ الوعي بالمشكلة الحيوية يدفع صاحبه إلى محاولة نقض الادّعاء السّلبي، وطرح الإشكالية مرّةً أخرى في معيار الإحياء، لأنّ البشر يحيون باللّغة – مهما كانت طبيعة هذه اللغة – التي تنبع من وعيهم الوجودي على الجغرافيا، ولهذا يذكر إسحق دويتشر أنّ بن غوريون كان يسأله واثقا من نفسه: «متى ستبدأ الكتابة باللّغة العبرية بدلاً من الإنكليزية؟»، لأنّ الهاجس هنا ليس قوميا خالصا بقدر ما هو ذاتي، يضع صورة الشخصية في مرآة الاستمرار بِمَا تفتّح وتوارث عليه وعيها بالعالم وبذاتها، فخطورة إهمال اللّغة لا ينعكس فقط على تدمير ثقافة أو عِلم أو معرفة، إنّه يمثل تدميراً للوعي بالتاريخ.
ينبع القول المُستهزئ باللّغة العربية بأنّها لغة شِعر وأدب، باِعتبار أنّ العِلم والتقنية بعيدين كلّ البُعد عن هذين المجالين، وينسى أنّ التفكير العقلي عملية شِعرية في الأساس، فالرّبط بين الأشياء وتصوّر العلاقات عقليا ومحاولات تصميم النّموذج المُفَكَّر فيه، جميعها ترتبط بالمخيال ابتداءً، ولولا العلاقة المُتداخلة بين الذّات وموضوع التفكير التي يمكن تفسيرها بالحب، لَمَا اكتمل تشكيل النّموذج المأمول إنتاجه واقعا. فاللّغة ليست ما نلمسه من نتائجها في الواقع، وبالتالي، ربطها بعملية الإنتاجية المادية، اللّغة هي التاريخ والعلاقات المعقّدة بين الذات وما يحيطها وما يعلق في وعيها بذاتها.
ممارسة اللغة معيار تطوّرها
يمكن النّظر إلى أُفق الأمل في التعامل مع اللّغة العربية باعتبار من يمارسونها، إنّ ممارسة اللّغة العربية تعتبر معياراً دالاً على مدى تطوّرها وإمكانيات استيعابها للعلوم والمعارف، بدلالة تاريخها الحضاري حاصل التفاعل بين حركة الإنسان والوحي. الأكيد أنّ واقع اللّغة العربية اليوم مزرٍ، لتنازل العربي عن أن يكون ذاتا عربية مُتسلّحة بلغتها كهوية تاريخية، وإغفال هذا الوعي شكّل المدفن الطبيعي للإحساس بثقل الوجود العربي، باعتباره مساراً ذا خصوصية تختلف في شكل التّعبير بها وعنها، أن أتقدّم إلى العالم بوعي اللّغة الهوية خلاف أن أندرج في مسار يحيّد اللّغة الأم، بل يعتبرها ميّتة.
علينا ألاّ ننظر إلى العالم في رؤيته للغة العربية ثمّ يأتي تقييمنا لها طبقا للوضعية المُثبتة. العالم اليوم يعترف باللّغة العربية ليست لأنّها لغة العرب، فحالهم لا يُبشر بخير، ولكن لرَبْطه العلاقات وفق التطوّر التّاريخي والهوية الحضارية. إنّ التراكم المعرفي والثقافي هو ما يُحدّد العلاقة مع اللّغة العربية، فكلّما تعمّقت مُمارستها، تمّ اندراجها في الواقع أكثر، وتنامى الوعي بجماليّاتها، ومن ثمّ يُصبح الأفق الحامل لهويات اللّغة مطواعا لتقبّل اللّغة العربية من خلال ما تُساهم به في تشكيل المخيال العالمي.
كاتب جزائري