لبنان بين همسات ناديا تويني وعدسة مارون بغدادي

حجم الخط
0

في فيلم «همسات» قبل خمسةٍ وأربعين عاماً، وأمام عدسة مارون بغدادي، تأمّلت الشاعرة ناديا تويني لبنانَ يتأرجح بين الحياة والموت. وكذلك كانت هي؛ التي رحلت عام 1983، بعد سنواتٍ من الصراع مع سرطان العظام. كانت في الخامسة والأربعين؛ أما دولة لبنان فكانت في السابعة والثلاثين.
في المشهد الافتتاحي للفيلم، كانوا ثلاثة: صوتها الرقيق، خفق الأمواج الهادئ، وصدى خطواتها الخافتة، وهي تمشي وسط أنقاض الحرب، تخرج كلماتها قاسية وراجية في آنٍ معاً: «بيروت صارت آثار، والآثار مع الزمن بتصير حلوه، بس مش رح أتعود، يا ما كنا نقول من زمان بيروت بدّا حرق. كنا نحكي ونحكي ونضلّ نحكي. بس هلّق شي تاني. بيروت، مدينتي، وحدا دمرا».
هل اختارت ناديا، مارون لمرثيتها البصرية، أم اختارها هو لمرثيته؟ لا دليل قاطعاً في أي سجل؛ لكن ذلك لا يغيّر شيئاً: النص كان لا بد أن يكون صوتها، والعين لا بد أن تكون عينه، لقد شكّلا معاً ثنائياً تأملياً في عذابات وطنهما. من الناحية التقنية، لم يقاوم الفيلم قسوة الزمن كما ينبغي، أما من حيث المعنى، فقد صار ـ بعد مرور ما يقارب نصف قرن ـ أشدّ رنيناً وعمقاً، رغم ما بدا فيه أحياناً من بوارق أمل أخطأت تقدير المستقبل.

فعل الزمن أقصى سوئه بنا نحن اللبنانيين؛ هديةً لأولئك الذين ما زالوا يفعلون الأسوأ ببلادنا منذ ولادتها. نعيش حاضرنا كأننا خارج التاريخ، كأن الأمس يخصّ آخرين، وصدماته لا تعنينا

عندما يعرض الفيلم حديث رجال الأعمال والصناعيين والمصرفيين عن براعتهم وصلابتهم، يبدو الأمر وكأنّه بيانٌ صحافي؛ فهم ما زالوا يردّدون هذا الهراء حتى اليوم، لكن ربّما كان مقبولاً إلى حدّ ما في ذلك الوقت، أو كان حاجةً معنويةً ضرورية في ظروفٍ بالغة القسوة. ومن المرجّح أيضاً أنّه كان تنازلاً من مارون لمصرف رفيق الحريري، بنك البحر المتوسّط (BankMed)، الذي موّل الفيلم الوثائقي. مرور الزمن كان أكثر لطفاً بكثير مع الشخصيات الأخرى في الفيلم. فعندما يُمنح المزارع والصيّاد المساحة، لا يبقى سوى الشوق الدائم إلى الأرض والبحر. وحين يظهر زياد الرحباني الموسيقي، والكاتب المسرحي، فهو يسرد الحقيقة المرة، مؤدياً دور المثقف الحقيقي الذي لا يهادن. هذه المفارقات ربّما انسجمت في عام 1980؛ أمّا اليوم، فهي تصرخ وتقرع. وبمفارقة موجعة ـ وعلى أرض تجيد السخرية من أهلها ـ رحل مارون بغدادي بعد عشر سنوات من رحيل ناديا. كان في الثالثة والأربعين، قريباً من عمرها عند الغياب. وكانت وفاته أكثر مأساوية: سقط من علوّ في بهو منزله، في ليلة معتمة وعلى درج بلا حافة وقاية. كان كلاهما من كتّاب الحرب ورسّامي ملامحها، ولم يشأ القدر أن يشهدا إرث تلك الحرب في «سلام» ما بعد 1990.
لم أعش الحرب التي دامت خمسةَ عشر عاماً. فقد نَزَحَت عائلتي إلى الخارج بوقتٍ طويل، قبل اندلاعها في عام 1975. لكنّي أمضيت شبابي في الغليان اللبناني الذي تلا ذلك، وقد درج كثيرون على تسمية هذه المرحلة التي تلت النزاع نوعاً من السلام؛ إلا أنّها كانت، وما تزال، بعيدةً عن أي سلام. لهذا عدتُ إلى فيلم «همسات» للمرة الأولى الأسبوع الماضي. وهذا كان لقائي الأول مع شعر تويني: قرأته كرفيقٍ حميم للفيلم؛ كصوتٍ لذاك الزمن ـ حاضر، لا ذكرى مشوشة ولا خيال متخيَّل. ومن طبعي، في أوقات القلق الحاد، أن أبحث عن السرديّات الداخليّة التي تُعيد الحيويّة والفوريّة لما كان يوماً معتاداً إلى حدّ الألفة، قبل أن تفعل الساعات والسنون فعلتها. وقد فعل الزمن أقصى سوئه بنا نحن اللبنانيين؛ هديةً لأولئك الذين ما زالوا يفعلون الأسوأ ببلادنا منذ ولادتها. نعيش حاضرنا كأننا خارج التاريخ، كأن الأمس يخصّ آخرين، وصدماته لا تعنينا. في قصيدتها «الأرض الموقوفة»، تستحضر ناديا سيرة ذاتية حميمة… حكايةً كان ينبغي أن تكون حكايتنا نحن أيضاً لو كان فينا شيءٌ من الفطنة:
«أنا أنهض من رمادي،
وأعرف من ذاكرتي مستقبل زمني».
وفي نهاية الوثائقي، تتأمل جنون هذا المكان:
مجنون لبنان.
يمكن تفجر من جنونو… وجنونو لح يخلصو
هالبلد اللي نحكم عليه، بعده طيب. هالبلد اللي فضي نصو، بعده طيب. هالبلد اللي صار حيطان وزواريب، بعده طيب.
هالبلد مجنون، لأنّه ما بدّو يموت، لأنّه بعده بيعرف يضحك.
مجنون لبنان.
في عام 1980، كان الاقتتال الداخلي لا يزال في عامه الخامس. ولم تكن إسرائيل قد غزت لبنان بعد، ولم يكن حزب الله قد وُلد. الآلاف الذين سيُقتلون في حصار بيروت 1982 كانوا ما يزالون أحياء. أجزاء كثيرة من المدينة كانت قائمة. كان الدم سيستمر عقداً آخر، لكن بحلول عام 1980، كانت بيروت ـ مركز ذلك الاقتتال ـ قد اكتسبت بالفعل ملامحَ مدينةٍ منكوبة: موحشة، قذرة، ومُهدَّمة تحت وهج الشمس القاسي؛ غارقة في سُكرها في ظلّ القمر الرؤوم؛ وشبابها الضائع يرقص على عود مارسيل خليفة في غرف الجلوس الخاصة، ويتمايل على الأغاني العاطفية الساذجة في حقول الجامعة الأمريكية في بيروت.
أنظر إلى وجوه أولئك الشباب اليوم، فأرى وجهي بينهم. كان ذلك جيلي. وناديا كانت تنظر إليهم بابتسامة توحي بالأمل والإيمان. واليوم أرى وجهي في وجهها، وأنا أراقب الجيل الجديد، وأتساءل: هل سيكون فشلي فشلهم أيضاً؟ لم ألتقِ ناديا. فالحرب والمسافة حالتا دون ذلك، لكن الصداقة العائلية الوثيقة جعلتني أعرف عنها ما يعرفه المقرّبون: الأسى الذي يتركه فقدان طفلة في الثامنة بمرض خبيث؛ الندوب التي لا تشفى لدى من يبقون؛ الخلاص الذي يجلبه ميلاد ابن؛ والرهافةُ التي لا تُحتمل والقوّةُ التي لا تُقهر في هذه المرأة، تتداخلان كضفيرتين لا تنفصلان. كنت أودّ أن أقول إنها ـ في وجوه كثيرة ـ قصة لبنان أيضاً.
لكن يؤسفني أنّني لا أستطيع.

كاتبة لبنانية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية