«لا يمكنك الاختباء من الموتى» مجموعة الشاعر المصري أسامة بدر: الكنايات المعرفية وتشكيل الظل

عادل ضرغام
حجم الخط
0

شعرية أسامة بدر في ديوانه «لا يمكنك الاختباء من الموتى» ليست شعرية الثابت الجاهز، وإنما هي شعرية الأشياء البسيطة الخافتة التي لا يلاحظها أو ينتبه لها الفرد العادي، ولكن يلاحظها الشاعر بفعل التكرار الدوري والتراكم فتلفت نظره، ويستطيع أن يلتقط من هذا البسيط ما هو شعري، أو ما يقدم إيحاء شعريا حين يوضع في سياق قائم على التشابه والتجاور أو الاختلاف والتباين، فيصنع منها مناحي فكرية خاصة ترتبط بجدل الإنساني والشعري، وما يوجبه من صراع أو نزاع أو تماه وتجاوب، في ظل خلخلة دائمة لحدود العلاقة بينهما، وفي ظل محاولة بناء جديدة للشعر وموطنه.

الحركة وإعادة مقاربة الموت

الحركة والنمو في شعر أسامة بدر لا ترتبط بكثرة المناحي الفكرية أو الانتقال من منحى فكري إلى آخر، وإنما تمثل الحركة أو النمو لديه في إدراك الإضافات التي تشكلها إعادة المقاربة المستمرة للموضوع ذاته أو لموضوع يشابهه، ومن ثم حين يقدم شيئا مغايرا أو مختلفا فهو يستند إلى تأسيس سابق ومقاربة سابقة ترتبط به ومشدودة إليه. فالشاعر يقارب المنحى الفكري في تجلياته العديدة استنادا إلى وحدة الجذع الذي يغذي الفروع العديدة، ولكن إعادة المقاربة تشكل استبدالات وانقطاعات وفجوات.
ففي قصيدة «صرت نقشا على كعك أمي» يوجه النص الشعري القارئ إلى الغائر البسيط في النفس البشرية، وأن هذا الغائر يحتاج – لكي يتمّ الشعور به وإدراكه – إلى ذائقة اعتادت معاينة طبيعة تشكله من آلية التكرار والمداومة على إعادة المقاربة، فحين يقول: «نحاتة عجوز/ كل أولادها مسافرون/ حين تشتاقهم تنقش وجوههم على الكعك.. وتضحك/ ترشهم بالسكر.. وتهديهم للغرباء/ في صباح العيد»، يستند النص الشعري إلى نسق مررنا به كثيرا، وهو زيارة القبور في يوم العيد حيث تقوم الأمهات بحمل «الرحمة» لتوزيعها على الفقراء بجوار قبور المتوفين من أبنائهن أو أقربائهن. فهذا السطر يحدد ويوجه فعل النص، ويجعله لصيقا بالموت، ويجعل فعل النقش الذي تقوم به هذه الأم على (الكعك) ليس إلا فعل تذكر وديمومة واستحضار، وكأنها بهذا الفعل تستبقيهم بجوارها أحياء، فهو فعل في ظاهره رفض لفكرة الرحيل، وفيه محاولة استعادة، وتأسيس لهذه الاستعادة بالتكرار والمداومة والتوالي.
يكشف النص الشعري في قصيدة «أشتري أحلامي جاهزة» عن آلية لمقاربة الحياة انطلاقا من الموت والفقد والهزيمة، فالأحلام لا تأتي- بالإضافة إلى تكرارها- ولا تتجلى ميثاق وجود إلا في إطار نسق حياة أو مقاربة عودت نفسها – أو عُوّدت – على الطرق والسعي دون جدوى، ومن ثمّ تتعدد الأحلام لتعدد مساحات الفقد، وكل حلم يتمّ تبديله وتغييره طبقا للحالة المناسبة له. وفي نهاية القصيدة تتوّحد الذات مع الحلم، الذات التي فقدت – نظرا لآلية التكرار والهزيمة – نموذجها الحيوي المقترح للتحقيق، وهذا قد يبرّر مؤشرات الفقد في نهاية القصيدة: «الأحلام الكثيرة المنهوبة/ والبكاء وشاهد القبر الخشبي/ ولوحة الاسم» فكل هذه جزئيات صورية تتجلى وكأنها أيقونات، لها فرادة في ذاتها، ولكنها تفلح في بناء اتساق خاص بالموت.

كنايات الظل

في الشعرية المعاصر وخاصة في قصيدة النثر لا شيء محدد أو مؤسس، ومن ثم تظل عملية التأويل المبنية على الفهم أصعب الموضوعات في ظل البحث عن فهم أو تأويل أقرب للقبول، وفي ظل سيادة شعرية مهمومة بمزج العوالم  والتشابهات والتباينات. ففي قصيدة «حين لم أكن بالمنزل» سيظل المتلقي مشغولا طيلة المقاربة والتلقي بدلالة الملاك، ولن يستطيع أن يلم فحوى الدلالة إلا مع السطور الأخيرة حين تتكشف لنا طبيعة الملاك، وتبدو شبه واضحة، وذلك حين يقول: «عندما طار الملاك من شباك الغرفة/ معلقا في قدميه حمامة/ كنت أربيها للغناء». فالغناء والحمامة كلمتان كافيتان لتوجيه دلالة الملاك إلى الشعر الذي يأتي ويهبط وينفذ ولا تنطبق عليه قواعد البشر، ولا يلتزم بأعراف وتقاليد ومحددات، ويتوحد بالإنسان المعذب، لكنه لا يقاسي ما يقاسيه لانفلاته من المحدودية البشرية، وله سطوة واضحة في تحريك الجسد المادي، وتحديد أفق التوجه.
وربما يكون التشابه الظاهري بين صورة الملاك في المخيال العربي بجناحيه الشبيهين بالطائر قد أدى إلى هذا الربط في نهاية القصيدة، فكلاهما يحط فجأة على الأرض، وسرعان ما يطيران – بوصفهما حلقة وصل بين فضاءين علوي وأرضي – مرفرفين بجناحيهما مخلفين بقايا رماد الاشتعال.
ومن خلال الصورة السابقة التي تشكل مرتكزا ينزاح الإبداع الشعري من خلال التجاور أو الفعل والانفعال عن طريق الكناية المعرفية ليتوجه توجها مغايرا، ولكنه يظل يشير إلى الصورة الدلالة الكنائية الأولى التي استند إليها، وتطوّر بعيدا عنها. يتجلى ذلك في قصيدة «جريمة أخرى» حيث تتأسس الفاعلية على حركتي الهبوط والطيران من محددات النمط الصوري أو الأيقونة لصورة الشاعر، ولكنها تتوجه بشكل خاص إلى منحى يرتبط بالتغييب الذي يحدث له إحياء كلما أطل مثير يعيده لبؤرة الوجود والتركيز، حيث يقول: «الطائر الذي مرّ منذ عشر سنين/ وأنا أفتح النافذة/ دون أن يلقي عليّ تحية الصباح/ ارتكب جريمة أخرى/ إذ علّق في منقاره بحرا/ وقام عمدا برشه هنا/ هنا/ حيث خبأت جرائمي الصغيرة/ العادية جدا/ هذا المجرم لا يفهم/ ماذا قد ينبت له فجأة».
تتشكل صورة الطائر من محدَّد سابق يشير إلى الملاك، ولكن الجديد هنا في النص الشعري الانفتاح على ارتحالات وثيقة الصلة بالإبداع الشعري، وبداية ظهوره، وتأسيسه من دال البحر الذي يشير من خلال ملوحته-فيما يمكن أن يشير إليه بالإضافة إلى المجهول وعدم المعرفة- إلى صورة أنثى تفرض وجودها الدائم من خلال ابتعادها المادي، فتتحول إلى خبيئة مختزنة تطل وتتوحد من بداية النص الشعري بالطائر في هبوطه، وتظل مشكلة الرؤى في حضوره، وتترك رمادها بعد رحيل اشتعاله.
ويبدو أن الفاعلية في قصيدة النثر لهذه الكنايات المعرفية القائمة على التأمل والاختزان وعقد المشابهة وزلزلة الترابط الزمني للوصول إلى الترادف في إطار مستوى معرفي أكبر، فحين يقول الشاعر في نصه «مثل أمي»: «حين تلعبين الحجلة/ تحجلين قلبي بقدم واحدة/ تدفعين أيامي أمامك/ وترشين الأبيض على رأسي»، فندرك من جهة أولى أننا أمام كناية معرفية تمّ تأسيسها في نص «صرت نقشا على كعك أمي» تلك الأم التي تداوم وتستبقي أمواتها من خلال نقش ملامحهم على الكعك، ورشها بالسكر صبيحة العيد. ومن ناحية ثانية نجد النص الشعري يؤسس – بالرغم من حضورها الدلالي الأولي – كناية جديدة تنزاح عنها قليلا للإشارة إلى تكرار دوري، وإلى محاولة إجابة عن أسئلة معرفية ترتبط بالحياة والوجود.
ما يحدثه النص الشعري في باب استخدام الكناية المعرفية يتمثل في الاختزان والنقل والاستبدال الكنائي، حتى تتمّ الإزاحة، وتحريك الصورة باختزالاتها الدلالية، ووضع الصورة الجديدة مكانها، على حد تعبير النص الشعري: «أحرّك يدي في الهواء/ لأمحو الصورة/ أغمض عينيّ أكثر/ فأراك مثل أمي».
استند الشاعر أسامة بدر في قصيدة من قصائده على تلك الفكرة أو الكناية، فالقارئ للديوان يدرك أن لديه وعيا تاما بالفكرة، ويهذه القصائد وتلك الدلالات، فنراه يبني استراتيجيته على الفاعلية والنفاذ للظل، ويعطل وجود الإنسان، وذلك من خلال الاتكاء على فكرة (التوأم) الموجودة والمستقرة في الذهن. ولكن الكناية المعرفية الجديدة استنادا إلى المؤسس السابق تحدث تغييرا في منطلقاتها من خلال المقارنة بين الحضور والغياب، والفاعلية والتأثير من جانب، والسكون وعدم القدرة على الفعل من جانب آخر.
حين نتأمل قول الشاعر في نصه الشعري «يا مولاي كما خلقتني»: «أنا يا مولاي كما خلقتني/ ولد عالق في مشيمته/ معلق في حبله السري لم يزل/ أخطأته القابلة/ وأخرجت ظله إلى الحياة»، ندرك أن هناك منحى فكريا يتأسس، في ظل وجود الثنائية، للإشارة إلى قسيم له ملامح إنسانية يعيش كما يعيش البشر، ولكن بداخله ظلا يمارس فاعليته وتأثيره بداية من الصور اللافتة الكاشفة عن هذا التوجه: «خباز- أخبز الأحلام/ أمررها للمنازل في المساء»، ومرورا بالجنيات التي يقوم بتربيتهن، وانتهاء بوجود الفاعلية واضحة من خلال قوله في نهاية النص: «وحين اصطاد شجرة ألقيها للنهر/ ليصنع شطآنا جديدة/ أوزّع أفراخ الغمام على رؤوس الحقول».
من ضمن منطلقات الديوان الأساسية صورة الشاعر والكيفية التي يقارب بها الكون والحياة، وإذا كانت بعض النصوص قد أبرقت شعريا عن بقايا قداسة في تلك الصورة، فإن الشاعر أو الظل في هذا الديوان ظل مرهق متعب، وبالرغم من وجود هذا التعب وهذا الارهاق إلا أنه يقارب الحياة بشكل مختلف، فهو شبيه للآخرين، ولكن نظرته ومقاربته تسدل نوعا من المغايرة، تتأسس آلية وحدود هذه المغايرة من طبيعة التعامل مع الاخرين، والانفتاح على المنكوبين والمتعبين والارتباط بهم كما في قصيدة «معادلة» فالانسلاخ عن الأصل العلوي لم يثبت له مشروعية اختلاف، فهذه المشروعية قائمة على التذكر.
فالشعر هو الروح الحية والعين البصيرة التي تراقب وتقارب الحياة بكل تجلياتها وتفسخها، على نحو ما نرى في قصيدة «رأيت نفسي حيا» حيث يطل الشاعر فاعلا، وتتجلى رسالة الشعر في حضورها وقدرتها على الغناء للبسطاء ومنكوبي العالم: «انتبه/ يبدو أني صرت حيا من جديد/ جهّز ميدانك/ أطلق الحنين كالدروع/ ودعْ نساءك يغنين للغرباء/ وأنا سآتيك وحدي/ بلا يد جبانة تصافح الأحياء/ ولا قلب مجرم/ أو عين تائهة في العتمة».
فالشعر هنا يتوحد بالقيم الإنسانية الكبرى والمفاهيم التجريدية كالعدل والحب.

أسامة بدر: «لا يمكنك الاختباء من الموتى»
الهبئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2018
145 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية