عندما أقدم إريك زيمور على إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية، انتبه كثيرون إلى ممارسة أصبحت شائعة، تكمن في استغلال كيفما جرى واتفق، لصور محفوظة حقوقها، ممارسة تجيز لهؤلاء الكثيرين تحويل معنى الصور المستعملة ومغزاها كيفما جرى واتفق.
لكن عندما يتضح خلو المعنى من مغزى بشكل شبه منطقي، بواسطة خطوة ذهنية تفكيكية لا تتجاوز الخمس دقائق على أبعد تقدير، يتمتع المحلل بمساحة واسعة لتفصيل حصاد هذا التفكيك. هنا، من السهل اختصار سعي زيمور إلى تقمص شخصية «المخلص» «مخلص فرنسا من الانحدار» في تبنيه منوال إعادة كتابة التاريخ، بشكل يلغى هوية فرنسا عمدا ليستبدلها بتأويله الخاص.
الهوية الفرنسية مبنية على التعدد والاختلاف.. اختلاف السير، اختلاف الخلفيات، اختلاف المنابت والمشارب. ومن يسعى إلى اعتماد المنحى العرقي للتعريف بفرنسا (بل بأي بلد) يعلم جيدا أنه ينحدر إلى اللا تعريف، ويعلم جيدا أيضا أنه بسعيه هذا يروم بث التفسخ في بيت الأمة، ليعم الاستقطاب والانقسام والتشتت ليسهل له توظيفها انتخابيا، فلا لتحريف موروثنا الوطني، لكن أيضا لا لتحريف موروثنا العالمي. أجل.. لم يكتف زيمور بتحوير صيرورة ذاكرتنا الوطنية الموثقة بالأرشيف السمعي والمرئي، بل تجنى على ذاكرة عملاق الموسيقى العالمية، لودويك فان بيتهوفن، بتحوير، معنى ومبنى ومغزى، أحد أكثر أعماله صيتا وشيوعا، وهي السيمفونية السابعة، تحويراً ضرب جذوره هذه المرة في خطأ تأويلي، قام على تطبيق سياق انتصارات الحروب النابليونية على الواقع الفرنسي الراهن، غير أن الخلفية التاريخية التي ألف فيها بيتهوفن سيمفونيته هذه سجلت هزيمة لنابليون، لا انتصارا له! فكيف لك أن تنصب نفسك مخلصا لبلدك وأنت تأتي بواقعة تاريخية وثقافية مبنية على الهزيمة! وقعت الهزيمة في ليبزيخ، أمام تحالف مؤلف من المملكة المتحدة (مملكة بريطانيا العظمى وأيرلندا آنذاك) والإمبراطورية الروسية ومملكة بروسيا وإمبراطورية النمسا. سجلت السيمفونية الهزيمة، لم تهلل لها، أرخت لحس بيتهوفن القومي، لم تكرسه كأيديولوجية سياسية، وقفت إلى جانب من سقطوا من جنود الإمبراطورية الألمانية – النمساوية في معركة هانوا، التي دارت قبيل هزيمة نابليون الشهيرة (وهي معركة انتصر فيها) وأخيرا وليس آخرا، لم تتبن السيمفونية السابعة أي نهج دعائي أيا كان…
سعى زيمور إلى تقمص شخصية «المخلص» في تبنيه منوال إعادة كتابة التاريخ، بشكل يلغى هوية فرنسا عمدا ليستبدلها بتأويله الخاص
سجل بيتهوفن استرجاع القومية الجرمانية لحضورها بتأليفه هذا العمل، لكنه لم يعطه أبدا الطابع الدرامي، الذي أعطاه إياه الملك جورج السادس، عندما اعتمده في خطابه الذي أعلن فيه دخول بريطانيا الحرب العالمية الثانية.
وكم كان بيتهوفن بعيدا طبعا عن إعطاء سيمفونيته ذلك الطابع الدرامي المصطنع المبني على انحدار سياسي مزعوم، انحدار اقتصادي وأخلاقي يطبقه زيمور على فرنسا ليل نهار، مروجا له من دون تحديد ولا تخطيط ولا توجيه. لكن هذا الترويج لقومية فرنسية، أدعي أن فيها الانحدار والانحطاط، لا يمرّ في حالة زيمور، من دون تجن على الثقافة والفنون العالميين، خاصة ذلك العمل الذي أرخ لمنعطف جمالي في الحقبة الرومانسية للقرن التاسع عشر، شكلته السيمفونية السابعة للودويك فان بيتهوفن. قلنا إن بيتهوفن لم يوجه عمله توجيها أيديولوجيا وإنما سجله في السياق التاريخي الذي عاشره. ربما كانت ستقف القصة عند هذا الحد لو لم يتدخل فاغنر على الخط، لكن ما نشره صاحب الـ»تاناهوسر» عن السيمفونية السابعة في كتابه «العمل الفني للمستقبل» (Das Kunstwerk der Zukunft) أنهى كل نقاش بشأن سيمفونية بيتهوفن مكرسا انتمائها إلى الموروث العالمي بما لا يقبل جدلا ولا مناظرة. «السيمفونية قمة الرقص، إنها الرقص في جوهره الأسمى، التحقيق الأكثر مباركة لحركة الجسد الذي تكاد تجده مختزلا في الصوت. في أعماله، جعل بيتهوفن من الجسد موسيقى، محققا انصهاره في الروح». فما دخل السياسة هنا؟
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي