«كوش كو» رواية المصري ولاء كمال: خطاب السيرة الغيرية من الواقع إلى الرمز

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في روايته «كوش كو» يقدم الكاتب ولاء كمال خطابا روائيا عن المهمش المزدوج، أو المهمش القابع داخل دوائر عديدة تبعده عن صدارة المشهد أو وضوح الوجود داخل الصورة، وكأنه من خلال هذا الخطاب التصاعدي النامي زمنيا المستند إلى الغياب، يؤسس سيرة فردية لشخص عادي، لكنه يخلخلها من سياقها العادي، لتصبح ذات حضور وفاعلية في كل مكان تحلّ به. فمن خلال قصة كوش كو الشاب أو الطفل النوبي الذي ينقل للعمل في فندق شبرد مساعدا لخاله ولرفيقه خولي، يؤسس النص الروائي وجودا مغايرا، من خلال الصحوة والوعي بالهوية للمصريين في الفترة الزمنية من بداية القرن العشرين إلى الحرب العالمية الثانية.
يبدو ذلك واضحا من خلال عقد اتصالات ربما تكون متعمدة ومتخيلة مع نجوم كل المجالات في النصف الأول من القرن العشرين، وكأنها خطاب إنصاف ومراجعة للهامش المهم والحيوي لكل هذه النجوم التي أسست ملامح الوجود الخاص بالهوية، بداية من سعد زغلول وطه حسين وتوفيق الحكيم والريحاني، ومرورا بأعلام السياسة والفن في العالم مثل كتشنر وأغاثا كريستتي وشارل شابلن وآخرين، وانتهاء بالمجرمين مثل ريا وسكينة. ففي حضور هذه الشخصيات تتكوّن مساحة الاتصال التي لا تخلو من فاعلية هذا المهمش في شرقيته ونوبيته من جانب، وفي كونه خادما من جانب آخر.
الخطاب الروائي يؤسس لهذا المهمش وجودا لافتا مزحزحا الصورة المؤسسة بفعل الخطاب الاستعماري واستمرارية التراتب الطبقي، وأثرهما على الوعي والعقل. فالرواية يمكن أن تعد خطابا ضد النمطية، وضد الإهمال، فكلّ الأعلام الذين قابلهم لم يرصدوا فيما كتبوا وجوده وتأثيره في حياتهم، وكأنه – بالرغم من الفاعلية – لا يعدو أن يكون خادما عاديا، فحظّه منهم جميعا كان الإهمال، فالرواية تنحو منحى منصفا في إثبات هذا الوجود وتلك الفاعلية، في كونها تتوقف عند الهامش/ الشعب في حدود سيرة كاشفة عن الوجود الخفي المؤثر في كل الشخصيات الأخرى. وحضور الشخصيات على هذا النحو المتعمد – بكونها فضاء جانبيا للشخص المهمش الذي يحتل صدارة الحكي والاهتمام – لا يخلو من قصدية، وقد يحرّك فعل التأويل من وجود مادي إلى وجود فكري يرتبط بالروح الوثّابة للمصريين.

السرد الكلاسيكي وتناسل النماذج

البنية النامية الكلاسيكية في السرد الروائي لها دور في إسدال الوعي بالفترات من الناحية السياسية والاجتماعية، وفي ارتباط الشخصيات بهذه السياقات، ودورها في تشكيل الرمز الأثير في نص الرواية بتوجهات فكرية على مسافات متباعدة. وهذا كله وثيق الصلة بالزمن وبنموّه التدريجي، وتأثيره على الفصائل الموجودة. فقد جاءت الرواية دون آليات سردية تعصف بالزمن التراتبي أو المتحرك من البداية إلى لحظة النهاية، لتقديم سيرة لشخص متخيل من النوبة، يتحرك في فضاء واقعي، يرتبط بالسياق المصري في هذه المساحة الزمنية بكل هزائمه وتطلعاته وانتصاراته البسيطة. ترصد الرواية في هذا المدى الزمني الدوائر المتداخلة بين العالمي والمحلي، وبين طبقة المحتل والحكّام والشعب.
فالرواية حين تخترع شخصية، وتجعلها رمزا أو إشارة على فكرة معرفية، تكون دائما موزّعة بين الاستجابة لمتطلبات الرمز والإشارة من جانب، وبين الركون إلى الواقع من جانب آخر. ويستمرّ هذا التوزّع في جزئيات ليست قليلة في النص الروائي، فهناك محاولات لشدّ الرمز إلى الواقع وتذويبه، وذلك من خلال التوجيهات المتعمدة في تشكيله، أو من خلال الشخصيات التي يقابلها، أو من خلال الاستباقات البسيطة التي يشير إليها عرضا لفتح الرواية على التورط والإغواء بالقراءة، وكأنها تجهّز الذهن بالتدريج للقادم. كل هذه الاستباقات تحفّز ذهن القارئ على التساؤل والترقب، وعلى شدّ الرمز المتخيل، ليصبح جزءا من بنية الواقع. ففي لحظة دخوله إلى القاهرة مندهشا بالبنايات العالية، يقول النص الروائي مستبقا لحظة اللقاء في حديقة الأزبكية: (وهي الحديقة التي سيقابل فيها المتسكّع الراقد على الدكة بعد وصوله بسنوات) ليظل ذهن القارئ مشغولا بهذه الإشارة، حتى يدرك بعد صفحات عديدة أن المتسكّع نجيب الريحاني.
في صناعة هذا التماهي بين الرمز ومكونات الواقع، تتعدد أشكال التماهي والإيهام، فمن هذه النماذج الواقعية من يقف دوره عند حدود الذكر، فهناك ذكر لشخصيات مثل مصطفى كامل، وكرومر، والورداني قاتل بطرس غالي، وعلي عبد الرازق، وشخصيات فنية مثل يوسف وهبي. ويؤدي هذا المستوى – بالإضافة إلى المستويات الأخرى – دورا مهما، في توجيه القارئ نحو الروح الجديدة وأشكال تجليها ووجودها، بعيدا عن التفكير في مشروعية حدوثها واقعا، للوصول إلى هوية شبه صلبة، تتكوّن بناء على التعدد الذي يتحرّك أفراده بشكل منفصل، كل واحد في مجاله، لكن كل هذا التعدد يتآزر في النهاية حول فكرة وهوية مصرية تتشكل من مناح مختلفة.
أما الشكل الثاني لهذا التماهي فيتمثل في حضور نماذج بثقلها الحيوي في النص الروائي، وهذه النماذج في إطار هذا الشكل لا تتجلى على هيئة أو مساحة واحدة، منها نماذج يتوجّه إليها السرد بشكل يقف عند حدود المراقبة، فنراها مهزومة، لأنها تنتمي إلى لحظة ماضية، مثل عرابي، لكنها تظلّ ضرورية للإيحاء بمرحلة، وللإشارة إلى تناسل النماذج من بعضها البعض.
إن الروح التي يشكلها الرمز، ويشير إليها في مجمل توجهاته وانعطافاته، لا تتشكل – فقط – من جزئيات وثقافات محلية، يحملها أو يؤسسها مفكرون مختصون، مثل طه حسين أو علي عبد الرازق، لكنها منفتحة على الآخر المغاير الذي اشتغلت الرواية بشكل فني على تشكيل فئاته وأصنافه. فانفتاح وارتباط الشخصية الرمز على شخصية أغاثا كريستي أثناء إقامتها مع أمها وابنتها في فندق شبرد، يتابعه القارئ في تشكيل محدد، لا يخلو من توجيه سردي خاص، لإسدال مشروعية لآخر مغاير.
إن رصد هذه النماذج الموجودة فعلا في الإطار الزمني للنص الروائي والواقعي بهذا الترتيب الذي لا يخلو من قصدية وتعمد، يوجّه نحو إعادة النظر مرة أخرى في التأويل والتلقي، في ظلّ جدل الحركة والفاعلية من البطل، فهناك رحلة إلى أمريكا الجنوبية مع الريحاني وفرقته، ورحلة أخرى مع الفريق القومي لكرة القدم 1934 إلى إيطاليا، ورحلة أخرى إلى دورة الألعاب الأولمبية 1936 بألمانيا، وحديث موسّع عن البطل المصري الذي حاز الميدالية الذهبية، وقال له هتلر (كنت أتمنى أن تكون ألمانيا)، بالإضافة إلى المشاركة الفاعلة في ثورة 1919، كل ذلك يوجه نحو تلق جديد، لا ينفصل عن السابق، لكنه يصنع له مشروعية وتمددا.
التأمل يوجهنا نحو حالة من التوازي والاتحاد بين النماذج وشخصية البطل النوبي الذي يفقد في ظل ذلك الفهم وجوده الحقيقي وإطاره الواقعي بالرغم من الاشتغال بشكل فني لافت على صناعة السياقات، والوعي الخاص بها في كل مجال. ففي كل بلد يتوجه إليه، هناك وعي ينبني على المعرفة الجادة بالتاريخ وتحولاته.

الهامش والخطاب المضاد

القارئ للرواية يدرك أن هناك اشتغالا من البداية على مقاومة خطاب استعماري، تكيّف النص الروائي في حركته وتشكله البنائي، وذلك من خلال تنضيد خطاب التراتب العرقي، فضلا عن التراتب الطبقي، بالإضافة إلى طبيعة النظرة من كل قسيم إلى الآخر. فاختيار شخصية النوبي كوش كو ورفاقه العاملين في فندق شبرد، لتحريكها من شخصية واقعية، لتصبح إشارة أو رمزا على الروح المصرية الوثّابة في بدايات القرن الماضي، اختيار في حدّ ذاته لا يخلو من توجيه، لأنه يحيل فكرة التراتب الطبقي إلى فكرة غائرة في الذهنية، حتى داخل المصريين أنفسهم.
وتزداد مساحة التأكيد على هذا التراتب بين كوش كو وغيره من الفتيان في مثل عمره بفعل المقارنة في فضاء العمل والمراقبة، فهو منذور للعمل في هذه السن الصغيرة (أدرك منذ وقت مبكر أنه ليس مثلهم، أنه ليس هنا ليمرح، هو ليس أبيض ليمرح، وليس معوّج اللسان، وبشعر منسدل النعومة كي يمرح). فالسمة اللونية هي أولى سمات التراتب، فاللون الأسود مشدود لسياق الخدم والأعمال الدونية في مقابل لون البشرة الأبيض. ويتأسس التراتب أيضا بين الأماكن، فهناك فارق بين القاهرة الأوروبية حيث القصر وحديقة الأزبكية والفندق الذي يعمل به، والقاهرة العتيقة التي خبرها في صحبته لطه حسين إلى الأزهر، وكأنهما تمثلان في منطق الرواية تنازعا في التكوين بين الماضي والمستقبل. يبدو الفارق واضحا في قول النص الروائي: (في حين لا يزال السقاؤون يحملون قرب المياه على ظهورهم في شرق العاصمة، تتمتع أحياء القاهرة المستعمرة بشبكة حديثة من المياه والصرف، تضمن وصول الماء الفاتر).
لم يتوقف النص الروائي عند مساحات التراتب بين المصريين، إلا من خلال إشارات خافتة، لكنه أسس خطابا مضادا لكل الأجانب الذين يحملون وجها استعماريا قبيحا، يقوم على تراتب الأعراق والأجناس. وربما يأتي في مقدمة هؤلاء الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت المعروف (بتيدي) الذي أنهى فترة رئاسته قبل وصوله إلى مصر بعام. فقد أتاحت مرافقة كوش له بتكليف من إدارة الفندق في الإطار الظاهري، لإتقانه اللغة الانجليزية، وبإيعاز- بشكل خفي – من جماعته النوبية السرية (جسخنما) لمناهضة الاستعمار.
يحقق حضور روزفلت في النص هذه النظرة التراتبية من البداية بين مصر وأفريقيا، وهذا كاشف من البداية عن طبيعة الذهنية القادرة على التمثيل والترتيب الهرمي للبشر، في معاداة للمنطق الإنساني، فهو يقول عن غذائه الأول في مصر بعد عودته من رحلة صيده في أفريقيا: (من المنعش أن نقتبس روحا من المدنية، بعد كل هذه الشهور في الأحراش، إنه شعور رائع بالتأكيد). فهو يتعامل معهم وكأنهم غير موجودين، أو فراغ غير محسوس، يبدو ذلك واضحا في حديث كوش عن نفسه، محدثا نوعا من التداخل أو الشد والجذب بين الوجود العيني الواقعي، والوجود الرمزي للشخصية التي تستحيل روحا رامزة كاشفة عن المتغيرات التي لحقت بالأفراد العاديين والمهمشين، وأصبحت جزءا من السياق العام.
الخطاب كاشف – أيضا – عن تحيزاته ضد المصريين، ولا يخلو من عنصرية ترتبط بالتوجه الاستعماري، وحتمية استمرار وجوده. وهذا كله يقابله خطاب مضاد يؤسس له، ويحركه من البداية الشخصية الهامشية كوش كو، من خلال اتصاله بالجمعية السرية للنوبيين، وانفتاح نشاطها على حركات التحرر الأخرى. ليس المقصود بالخطاب المضاد هنا محور الحديث القائم من جانب على الإغواء والتوريط نحو الانفصال، أو على الفهم والتحايل والخروج من الشرك على الجانب الآخر، مثل كل الحوارات بين هذه الشخصيات الأجنبية وكوش كو، وهي حوارات كاشفة عن الفهم الدقيق الذي يؤدي إلى صدمة الآخر، وإنما المقصود الفعل أو القدرة عليه، والحركة في مقابل اليقين بفقدان القدرة والثبات، وكل هذا يحفل به النص الروائي.
ولكن هناك في النص الروائي مساحة أكبر في هذه النظرة العنصرية، مساحات تتماس مع دراسات أدب ما بعد الاستعمار كما أسس لها إدوارد سعيد في تناوله للروايات العالمية، وتتمثل في الأثر المتبقي الذي يتركه الاستعمار، وهو أثر ممتد لأنه يسكن الروح ويهشمها، وتظل مظاهره حاضرة. وهذه المرحلة تمثل المرحلة القصوى في الخطاب الاستعماري، من خلال الطبيب وعالم الطبيعة بلاكويل الذي يرتبط بصلة قرابة مع داروين مؤلف كتاب «أصل الأنواع». ففي هذه المرحلة أو ذلك الخطاب، يأتي البشر الذين ينتمون إلى العرق الأسود، وكأنهم وجود زائد، يجب التخلص منه، أو على الأقل يجب إنهاء أو إنهاك القدرات الإنجابية لأصحابه.
فأصحاب العرق الأسود في خطابه السردي أشبه بحيوانات التجارب، وسوف تظل الجملة التي قالها كتشنر لصديقه الطبيب عن كوش ذات صدى يلحّ على ذهنه، وكأنها أثر يثقل الروح، في قوله: (إن كوش سيكون مفيدا له في أبحاثه). وسوف يتجاوب مع هذا المنطق حضور خطابات لجالتون حول الانتخاب العرقي، والإخصاء القسري الذي استخدمته الولايات المتحدة في فترة ما، وذلك تطبيقا ليقينيات تراتبية، يحاول الطبيب إثباتها بالتحليل والبحث، للوصول إلى نتيجة تتعلق بالعرق الأفريقي، أو غير الأوربي، وإلصاق به تهمة الضعف العقلي والتأخر الذهني. إن التعقيم الذي مارسه الطبيب ضد كوش كو بمساعدة العبدين، لا يمكن تلقيه على أنه فعل حقيقي بشكل نهائي، وإنما يمكن اعتباره- في وجه من وجوههه الدلالية- إشارة إلى الأثر المتبقي الذي تركه الاستعمار في كل فرد، وفي كل روح لهذه الشعوب بعد أن نالت استقلالها، وهو أثر يعرقل الحركة لفترات طويلة، حتى تتعافى الروح.
ولاء كمال: «كوش كو»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2023
438 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية