أوتاوا ـ «القدس العربي»: «الضربة التي لا تقتلك تقوّيك»، بهذه العبارة يمكن اختزال آثار الهزّة الاقتصادية الناتجة عن الإجراءات الجمركية الأمريكية التي فرضتها على المنتجات الكندية، حيث جابهتها كندا بتدابير متينة لامتصاص آثار الصدمة، عبر نسج علاقات اقتصادية استراتيجية مع دول الاقتصاديات الكبرى، في خطوات جريئة ومتسارعة للتحرر من الهيمنة التجارية الأمريكية على صادراتها.
وبقدر ما كانت الإجراءات الجمركية الأمريكية صادمة للجارة كندا وبالذات على صادراتها من الحديد الصلب والألمنيوم والسيارات التي أضرت باقتصادها، بقدر ما شكّلت هذه الصدمة استفاقة للحكومة الكندية أيقظتها من سُبات الاتكال الكبير على السوق الأمريكية في عمليات التبادل التجاري المبنية على اتفاقيات الإعفاءات الجمركية لمنتجات البلدين. وبعد أن وصلت كافة الجهود الدبلوماسية الكندية إلى طريق مسدود مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإقناعه بالتراجع عن قراراته، رأت الحكومة الكندية امتصاص آثار الصدمة التي دفعتها إلى التفكير خارج الصندوق، بضرورة التحرر من القبضة الحديدية الأمريكية التي كانت تتعامل مع كندا وكأنها ولاية أمريكية تابعة لها اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، لدرجة أن ترامب أعلن مرارا منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة العام المنصرم، أنه سيضم كندا إلى الولايات المتحدة.
وشملت التدابير الكندية السعي الحثيث نحو فتح الباب على مصراعيه أمام أسواق عالمية بديلة عن السوق الأمريكية بعد تصفير الخلافات الدبلوماسية مع كافة دول الاقتصاديات الكبرى ابتداء بالصين مرورا بالهند ودول الاتحاد الأوروبي وانتهاء بدول الخليج العربي.
وتوّجت هذه التدابير بقيام رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بجولات مكوكية خارجية شملت بعض الدول الأوروبية والآسيوية والخليجية، وحضر قمة القادة الاقتصاديين لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ «APEC» في كوريا الجنوبية التي التقى فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ، بالإضافة إلى حضوره قمة الدول العشرين الكبرى G20 في دولة جنوب أفريقيا التي لم يُدعَ إلى حضورها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في رسالة تهميش مقصود للولايات المتحدة.
وفي خطوة اعتبرها بعض المحللين «تدشينا كنديا للتمرد» على سياسة واشنطن التجارية، قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في قمة العشرين بجنوب أفريقيا انه «يمكن للعالم تحقيق التقدم بدون الولايات المتحدة»، في إشارة قوية إلى تحوّل جديد لكندا اقتصاديا وسياسيا بمنأى عن الجارة الأمريكية الكبيرة، وانطلاق كندا منفردة نحو آفاق أوسع من مسار العلاقات المستقلة مع دول العالم.
الأزمة التي خلقت التحولات الكندية
خلقت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، المتمثلة في فرض واشنطن رسوما جمركية مرتفعة على الصادرات الكندية، أزمة اقتصادية في البلدين، بالإضافة إلى احتكاكات جيوسياسية، وتحديات سياسية حادة بالذات لكندا. ولكنها في عهد رئيس الوزراء الليبرالي المنتخب حديثا، الخبير الاقتصادي العالمي مارك كارني، واجهت أوتاوا صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية العالية برسوم جمركية كندية عقابية، ومعالجة القضية في استراتيجية اقتصادية ذات شقين. محليًا، سعت كندا إلى زيادة المرونة الاقتصادية من خلال تدابير مالية مُستهدفة وسياسة ترشيد النفقات ومشتريات تقشّفية، واستثمارات في سلسلة التوريد؛ وخارجيًا، سرّعت في تنويع الأسواق وحشدت دبلوماسية رفيعة المستوى لتوطيد العلاقات مع أوروبا والصين والهند وشركاءها في الخليج العربي مثل الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر والمملكة العربية السعودية.
وكانت هذه التحولات الاقتصادية الكندية بمثابة أدواتها العملية الناعمة التي تبنتها لكبح جماح الرسوم الجمركية الأمريكية، والتخفيف من انعكاساتها السلبية على السوق الكندي، بتحجيم المخاطر والتحول الاستراتيجي نحو شراكات اقتصادية واسعة على النطاق العالمي بعيدا عن السوق الأمريكية التي تعد الوجهة الكبرى لنحو 75 في المئة من الصادرات الكندية بحكم الشراكة التجارية العميقة بين البلدين المتداخلين اقتصاديا وجيوسياسيا.
في أوائل العام 2025، فرضت واشنطن رسومًا جمركية باهظة على مجموعة واسعة من الصادرات الكندية – من بينها الصلب والألمنيوم والعديد من الفئات الصناعية والاستهلاكية – بمعدلات تتراوح بين 25-35 في المئة، وفقًا للتقارير الرسمية. وأدت هذه الرسوم إلى زيادة ملموسة في تكلفة الوصول إلى الأسواق الأمريكية بالنسبة للمنتجين الكنديين المتضررين، وتراجع أحجام الصادرات، وزادت من احتمالية حدوث آثار جانبية مثل فقدان الوظائف في القطاعات العاملة في مجال التصدير، وانخفاض الاستثمار التجاري، وتضرر الطلب الكلي من خلال انخفاض دخل الصادرات.
وتضمنت استراتيجية أوتاوا الفورية فرض رسوم جمركية مضادة أو ما يطلق عليها إجراءات عقابية، على المنتجات الأمريكية، وسلسلة من الدعم الطارئ والمفاوضات التجارية للحد من الاضطراب التجاري، وفرضت هذه التطورات التجارية إعادة تقييم سريعة للنموذج الاقتصادي الكندي الراسخ، والذي يعتمد على التكامل العميق مع الولايات المتحدة.
وأوضحت تقارير اقتصادية كندية أن صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية انعكست سلبا على السوق الكندية في العديد من الجوانب، تمثلت أولا في ارتفاع التكاليف المباشرة على المصدّرين الذين يواجهون إما انخفاضًا في هوامش الربح أو يضطرون إلى رفع الأسعار في ظل قاعدة عملائهم الأمريكيين المتقلصة. وثانيًا، في زعزعة التوقعات، حيث تُؤجل الشركات التجارية الاستثمار في رأس المال والتوظيف في ظل حالة عدم اليقين بشأن الوصول إلى السوق. وثالثًا، في انتقال تأثير الاقتصاد الكلي عبر الحيز النقدي والمالي، حيث ان ضعف قطاع التصدير يُرهق المالية العامة، وقد يُعقّد ديناميكيات التضخم وأسعار الصرف، وهو ما قد يسهم في زيادة هذه الجوانب مجتمعةً من احتمالية حدوث فترة ركود إذا استمرت التعريفات الجمركية أو تصاعدت.
وإدراكًا منها لمحدودية الاحتياطيات المحلية، شرعت الحكومة الكندية في جهود دبلوماسية وتجارية مكثفة لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الأوروبية والصين والهند والشركاء الاستراتيجيين في منطقة الخليج العربي، في محاولة منها للحد من مخاطر التركيز على السوق الأمريكية من خلال التحول نحو التصدير للأسواق غير الأمريكية وخلق فرص واسعة للتبادل التجاري مع الشركاء الاستراتيجيين وفرص أوسع للاستثمار المتبادل، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى كندا للتحول الصناعي، وتأمين سلاسل التوريد للمعادن والطاقة الحيوية الكندية.
فعلى الصعيد الأوروبي، تتمتع كندا تاريخيًا بعلاقة تجارية راسخة مع دول الاتحاد الأوروبي، عبر الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة «CETA». وفي عهد كارني، سعت الحكومة الكندية إلى تفعيل هذه المزايا على نحو أشمل، من خلال الحد من الاحتكاكات التنظيمية غير الجمركية، والسعي إلى إبرام اتفاقيات اقتصادية جديدة، والاستفادة من الاتحاد الأوروبي كشريك مالي وفي مجال التكنولوجيا الخضراء. كما توفر أوروبا وصولًا نسبيًا إلى الأسواق وتدفقات استثمارية قائمة على القواعد الاقتصادية، قادرة على استيعاب الصادرات الكندية ذات القيمة الأعلى، لا سيما في الصناعات التحويلية المتقدمة والخدمات والتقنيات النظيفة. كما شددت حكومة كارني على المعايير المشتركة وأطر التجارة الرقمية لتسهيل التجارة في الخدمات والقطاعات كثيفة الملكية الفكرية.
وعلى صعيد تعزيز الشراكة مع التنين الصيني، يعكس التقارب الكندي مع الصين، بعد فترة من الجمود والقطيعة الدبلوماسية، اعترافًا عمليًا بحجم الصين وقدرتها الانتاجية الهائلة وكذا كسوق للسلع والمعادن الأساسية والشراكات التكنولوجية مع كندا. وقد أبدى كارني استعداده لتطبيع العلاقات الاقتصادية مع الصين، مع الاحتفاظ بعزل القطاعات الحساسة أمنيًا عن هذا التقارب التجاري. وفي حين أن الصين تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لكندا بعد الولايات المتحدة، إلا أن الصادرات الكندية إليها تظل متواضعة – تقدّر بنحو خمسة في المئة فقط من إجمالي صادرات كندا – مقارنة بحجم الصادرات الكندية نحو الولايات المتحدة التي تصل إلى نحو 75 في المئة.
وعلى الرغم من ذلك يرى محللون اقتصاديون أن هذه الاستراتيجية الكندية تُعدّ عالية المردود والنتائج لكنها عالية المخاطر الاقتصادية، فبإمكان الصين توفير طلبات واستثمارات واسعة النطاق، مثل الاستثمار في البنية التحتية وسلاسل توريد البطاريات وغيرها، إلا أن التقلبات السوقية والسياسية واختلاف التوقعات الاقتصادية قد يُعرّض الشركات الكندية لمخاطر جيوسياسية واحتمالية خسران سمعتها. وتعزز المشاركات الدبلوماسية الكندية الأخيرة في الاجتماعات الثنائية في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «APEC» المنعقد نهاية الشهر الماضي في كوريا الجنوبية التوجهات والمساعي الكندية نحو إعادة فتح مُنظّم للعلاقات الاقتصادية مع الصين والدول الأسيوية الأخرى.
وأما على الصعيد الهندي، فإن تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الهند تُعدّ أولوية كندية لتنويع الصادرات نظرًا لنموها السريع، وإقبالها على الخدمات والتكنولوجيا، وحجم سوقها الاستهلاكية الكبير. وكانت العلاقات الثنائية الكندية الهندية أصيبت بالجمود إثر خلافات دبلوماسية بينهما على خلفية مقتل زعيم انفصالي هندي من طائفة السيخ في كندا، قبل نحو ثلاث سنوات وجهت حينها أوتاوا أصابع الاتهام نحو الهند في القضية، غير أن البلدين تجاوزا هذه الأزمة واستأنفت كندا محادثاتها التجارية مع الهند وناقش البلدان أهدافا تجارية وخططا خمسية ثنائية طموحة، مزمّنة بحلول العام 2030.
وتسعى كندا إلى الاستفادة الممكنة من السوق الاستهلاكي الكبير في شبه القارة الهندية في مجالات الأغذية الزراعية، والمعادن الأساسية، والتكنولوجيا النظيفة، والخدمات التعليمية، يتناسب بشكل جيد مع حجم الطلب الهندي، إلا أن النجاح – في نظر العديد من المراقبين – يعتمد على مدى امكانية التغلّب على العوائق السياسية، وتحسين الوصول إلى الأسواق الهندية تحديدا، في ظل جموح البلدين نحو تعزيز الدبلوماسية التجارية.
توجه كندي نحو الخليج العربي
وفي ذات السياق توجهت الدبلوماسية الكندية نحو فتح آفاق جديدة للعلاقات الاقتصادية مع دول الخليج العربية وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة التي أعلن كارني أنه تلقى منها خلال زيارته لأبو ظبي التزامات باستثمار نحو 70 مليار دولار في كندا، في ذات الوقت أعلنت الحكومة الكندية أنه تم اعفاء المواطنين القطريين من تأشيرات الدخول إلى الأراضي الكندية، والاكتفاء بالتأشيرة الإلكترونية، في حين كانت أوتاوا قد صفّرت خلافاتها الدبلوماسية السابقة مع المملكة العربية السعودية ودشّنت مرحلة جديدة من التعاون التجاري والاقتصادي الواسع.
ويُتيح التعاون الاقتصادي الكندي الخليجي فرصا كبيرة للاستثمار في الثروات السيادية وشراكات الطاقة والبنية التحتية. وسعت حكومة كارني بكثافة إلى استقطاب رؤوس الأموال الخليجية لتمويل مشاريع البنية التحتية والصناعية الكبرى في كندا، مثل الموانئ، ومعالجة المعادن الحيوية، والهيدروجين، والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى تعزيز الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع الكندية.
وتُؤكد التزامات الإمارات العربية المتحدة المُعلنة مؤخرًا ومذكرات الاستثمار بعشرات المليارات من الدولارات على نجاح أوتاوا في الخروج من العباءة الأمريكية وجذب رؤوس الأموال الاستراتيجية الخليجية، رغم أنها من الدول الحليفة للولايات المتحدة.
وتعد هذه التحولات الاقتصادية الصاعدة لكندا، بمثابة شق طريق جديدة طموحة يُمكن من خلالها الاستفادة من رأس المال الخليجي ووفع مستوى التبادل التجاري مع بقية الاقتصاديات الكبرى وكذا في تسريع إعادة هيكلة سلاسل التوريد الدولية وتوفير تمويل طويل الأجل لمشاريع استراتيجية كبيرة في كندا، بالإضافة إلى إمكانية تحرر المواقف الدبلوماسية لكندا من الهيمنة الأمريكية حيال القضايا الدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي اعترفت أوتاوا مؤخرا بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة.