كم عمر المسألة البربرية؟

المسألة البربرية في الجزائر لا تتعدى تاريخ الاستعمار الفرنسي، وبالضبط ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي السياق الدولي الجديد، الذي أحدثته الحرب على صعيد كل قارات العالم، خاصة في العالم المتخلف، الذي كان يرزح تحت نير الاستعمار، وجاءت تداعيات الحرب بمفهوم جديد، وهو تصفية الاستعمار من أجل النهوض بالشعوب المستضعفة والمحتلة، وتأخذ مكانها في المجتمع الدولي الآيل دائما إلى التشكل والتكوين.
كان البحث عن الكيانات السياسية الجديدة هو الدافع إلى إثبات مدى استحقاق الأمم والشعوب للتمثيل الشرعي في هيئة الأمم المتحدة، المؤسسة الدولية الجديدة التي تمنح حق الوجود للمجتمعات، كشهادات ميلاد للبلدان التي تستوفي شروط الأمة وتستأهل العضوية في الهيئة الأممية كدولة. كما أن المسألة البربرية لا تتعدّى تاريخ فرنسا، لما بعد الحرب العالمية الثانية، في سياق بحث العمّال المهاجرين من أصول قبائلية، الذين صاروا يلحُّون على فضاء إثني خاص بهم، استنادا إلى تاريخ نضالهم ونشاطهم داخل الدولة الفرنسية. فقد تطور تاريخ المهاجرين إلى لحظة استحقاق التمثيل السياسي، كحق لا بد منه، لتوكيد الوجود والحق في الحياة.

اللسان البربري باختلاف وتنوع تعبيراته يحيل إلى المجال الثقافي وليس السياسي المعادي للعروبة والنزعة القومية

ولا تختلف كثيرا المسألة الوطنية عن المسألة البربرية من حيث السياقين التاريخي والجغرافي، فقد ظهرت أولى إرهاصات المسألة الوطنية في فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، وتداعياتها على الشعوب المستعمَرَة، التي تفاعلت مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، الذي انحصر في بداية الأمر في شعوب منطقة البلقان، وبعض القوميات الأوروبية، لكنه ما لبث أن سرى على الدنيا كلها. فالمسألة الوطنية اقترنت بالنضال اليساري الفرنسي، ومن معطف الحزب الشيوعي بالذات، جرى الإفصاح عن وجود عمّال جزائريين مهاجرين يجب التكفل بهم وبحقوقهم، خاصة أولئك الذين شاركوا في الحرب الكبرى وحروب فرنسا أخرى طوال القرن التاسع عشر. فالمسألة الوطنية والمسألة البربرية لا تختلفان إلا في التوقيت: ما بعد الحرب الكبرى 1914- 1918، وما بعد الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945. وبالتحليل التاريخي لحقبة الاستعمار، خاصة النصف الأول للقرن العشرين، نجد أنفسنا نقف على حالة يطلق عليها الوضعية الاستعمارية، على رأي عالم الاجتماع الفرنسي جورج بالاندييه 1952. والوضعية الاستعمارية تستحضر تَوَّا وفورا المستعمِر والمستعمَر في لحظة واحدة يدخلان طرفاها في وضع واحد، يشرح كل واحد منهما الآخر. وفي المسألة التي نحن بصددها، نجد أن المسألة البربرية تطورت في الفضاء الفرنســي على خلفية نضال العمال المهاجرين من أصول قبائلية. بينما تطوّرت المسألة الوطنية في المجال الجزائري، بعد ما نقل تنظيم «نجم شمال افريقيا» ثم «حزب الشعب الجزائري»، فضلا عن تنظيمات سياسية واجتماعية أخرى، نشاطه إلى الجزائر، حيث وجد امتداداته المكملة له في الحزب الشيوعي الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحباب البيان والحرية.
غني عن القول إننا لا نحفل كثيرا بالخلافات التي ظهرت بين التشكيلات الجزائرية، لأنها بطريقة أو أخرى تكاملت من حيث أداء نشاطها الوطني بوعي أو بدون وعي. وبقي هذا النشاط الوطني لا يثير أي مسائل أخرى بما في ذلك المسألة البربرية، التي بقيت مرشحة للظهور ضمن المجال السياسي في فرنسا، على خلفية تاريخ العمّال المهاجرين من أصول قبائلية. وهكذا، فمن المستبعد أن تطرح المسألة البربرية في الجزائر، خلال فترة ما بين الحربين لغياب الإمكان السياسي الصريح الذي يسمح للجزائريين أن يعبروا عنه، بل ما وجدوه ترقية الدين واللغة العربية من قبل الحركة الإصلاحية الجزائرية. فخطاب جمعية العلماء وتنظيمها استوعب منذ البداية وفي الماهية المسألة البربرية على اعتبار أن سكان القبائل والميزاب والشاوية وكافة المناطق والجهات في الجزائر يفكرون باللغة العربية إذا ما هم أرادوا الخروج من عالمهم المحلي والطُّرقي والجهوي إلى المستوى الوطني والعالم العربي والإسلامي، فاللسان البربري على اختلاف وتنوع تعبيراته يحيل إلى المجال الثقافي وليس السياسي المعادي للعروبة والنزعة القومية. فالخطاب الإصلاحي، أي إصلاح العقيدة الدينية نهض به جميع الأهالي المسلمين وباللسان العربي الواضح، الذي يعد اللغة العالمة التي يداولها الجميع وسيلة تواصل مع التراث، وتجاوب مع الحداثة وكامتداد للعالم العربي والإسلامي، فضلا عن مخاطبة الإدارة الفرنسية بها، أي لغة مطالب واحتجاج.
وبتعبير آخر يفيد المعنى، فالخطاب الإصلاحي الديني هو الوعاء الذي استوعب اللهجات المحلية، بما في ذلك العربية الدارجة وتخطَّاها إلى لغة تجمع الجميع، على اعتبار أن اللغة العربية هي لغة التفكير في الدين الإسلامي، ولغة التواصل مع التراث العربي الإسلامي في كل فضاءاته، حيث تَنَقَّل كل رجالات الإصلاح على اختلاف أصولهم. فالمجال الثقافي العربي هو الوعاء الذي احتضن جميع الجزائريين وساعدهم على استكمال شروط هويتهم الآيلة إلى التشكل، مع معطيات العالم الحديث والجديد. وعليه، أو هكذا يجب تحليل المسألة البربرية في الجزائر، أن تحال إلى الخطاب الإصلاحي الديني باعتبار أن الموضوع في ماهيته وتطوراته يتعلق بالثقافة وليس بالسياسة.
الحركة الإصلاحية الجزائرية هي فعلا حركة من أجل إصلاح المجتمع من الناحية الاجتماعية والدينية والأخلاقية، وهذه النواحي تطال الجميع وينهض بها الجميع ويتعرف بها على نفسه، لأن وسيلة التعبير والتفكير هي اللغة العربية، لغة القرآن الكريم التي تحاول الحركة الإصلاحية استعادتهما من السلطة الاستعمارية، بعد ما أجهزت عليهما طوال قرن من الزمن الصعب على الأهالي، كما على الفرنسيين أيضا، فقد وجد الجميع، ونقصد كل التشكيلات السياسية الوطنية والاجتماعية وحتى المهنية ضالته في برنامج جمعية العلماء ومطالبها، خاصة منها اللغة العربية والدين الإسلامي، فقد كان مطلب تعليم اللغة العربية قاسما مشتركا لكافة الأحزاب، كما الإحجام عن المطالبة بتعليم اللهجات المحلية، أيضا هي قاسم مشترك للجميع.
ختاما نقول إن إحالة المسألة البربرية إلى الخطاب الإصلاحي الجزائري يعيدها إلى حقيقة غيابها أصلا، لأن اللغة العربية مثّلت أفضل قاسم مشترك لكافة الجزائريين على اختلاف أصولهم وتعدد لهجاتهم بما في ذلك العربية الدارجة. بينما إحالة المسألة البربرية على الخطاب الوطني فلا يعدو كونها مشكلة سياسية داخلية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، ظهرت في سياق تشكيل تنظيم المنظمة الخاصة وملابساتها ما بين 1947- 1949. فقد طرحت المسألة البربرية داخل هذا الحزب كامتداد للبحوث والدراسات التي كشفت عنها أقسام كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية، في ما يعرف بالتاريخ والأنثروبولوجيا والإثنولوجيا والمسح المونوغرافي التي ساعدت على اكتشاف المجموعات البشرية، وأرخت لسلالاتها وقومياتها ولهجاتها، بما في ذلك الأصول اللغوية للمجموعات السكانية في فرنسا، أي المجموعات لما قبل الدولة/الأمة الحديثة، أما مقَوّمات الأمة في عصر الدولة القومية، فالأمر يختلف تماما.

٭ باحث أكاديمي جزائري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية