كلام يسلبه اللبّ!

كل شيء يعمل، وكل شيء يسير بالاتجاه الذي عليه أن يسير فيه، كذلك الأمر في الإدراك البشري، فإنّه يعمل بأن يستقبل الذهن المعلومات من الحواس، ثم يشفّرها ويعطيها معناها المناسب لها، الذي لا يخرج في الغالب عن إدراك ألفناه؛ وما ألفناه نكون قد خزّناه في ذاكرتنا ذات المدى الطويل. حين نشفّر نبني، وحين نبني المشهد نفهم، وما نفهمه ليس بالضرورة ما نراه، أو ما نسمعه بالفعل، بل ما بناه إدراكنا لحظتها، وأوهمنا بأنّه الصورة والمشهد والمعنى. فإذا رأيت شخصا قادما من بعيد فإني أستعمل أدوات الإدراك، التي لي لكي أصنع لهيئته صورة أفهم بها من يكون، فقد أراه شخصا، ولكنّي فجأة أدرك أنّه خيال شجرة. فما أدركته في المرّتين كان تفسيرا للهيئة التي رأيتها كما تصوّرتها، وقد يكون المرء في إدراكه متردّدا بين مدركات قد ثبتها الذهن على أنّها المُدركُ الحقيقي، ثمّ ما تفتأ أن تتغير حين يعيد الذهن بناء حقيقة أخرى بديلة منها. وما يحدث بالإدراك البصري يمكن أن يحدث بالإدراك السمعي، ولاسيما في مجال اللغة. فأنا من الممكن أن أسمع شيئا مبهما أحاول أن أقرّبه بأن أقيسه على أقرب شيء إليه وقد يكون تقريبي ذاك خاطئا، والصحيح هو عبارة أخرى أخطأتْ في الأوّل مرمى إدراكها.
من الممكن القول إنّ عملية الإدراك في أيّ نشاط مثل النشاط البصري، أو السمعي أو النشاط المركّب منهما، أو من غيرهما يمرّ بثلاث مراحل كبرى هي، الاستقبال الحسّي بواسطة لاقطاته، والتنظيم الذي يتكفّل به الذهن بأن يرتّب المعلومات ويربطها بخبراتنا السابقة حول الكون؛ ثمّ التفسير بأن نعطي معنى لما حدث. لكنّ الذهن وهو يَبني ويُشفّر أثناء الإدراك يعمل بالقياس، والقياس يكون بين الشيء ومثيله، وهو الإدراك الموجِب، وبين الشيء ونقيضه وهو الإدراك السالب. وسوف نهتم في هذا المقال بالإدراك بالسلب، وهو إدراك للشيء قياسا على نقيضه.
إنّ الإدراك البشريّ هو قدرة العقل على تمييز الأشياء وفهمها. وأحد أهم آليّاته الأساسيّة هو أنّه لا يدرك الشيء بذاته فقط، بل يدرك أيضا غير ذات ذلك الشيء: فنحن نعرف الكون ونكتشفه ونبنيه بمقارنته بضده، وبنفي غيره عنه. يستخدم الذهن الاختلاف وسيلة من وسائل بناء الفهم؛ وتجربتنا في الحياة هي التي تعطي لهذه الوسيلة نجاعتها: فالليل نعرفه لأنه ليس النهار، ونعرف الحرارة لأنّها ليست البرودة، التي لنا بها خبرة في مواسم البرد والتجمد والقشعريرة؛ نعرف الشرّ لأنّه ليس الخير الذي اطمأنّنا إليه، وانتفعنا به ونفّعنا؛ ونعرف ذواتنا لأنّها ليس الغير الذي يقرب منّا جسدا، ويختلف عنّا روحا وفعلا وأثرا في الكون. بعبارة أخرى نحن لا ندرك الأشياء في ذاتها فقط، بل ندرك من خلالها أيضا الاختلافات التي تميزها من غيرها ممّا تتقاطع معها.
في الكلام العادي أو الشعري اليوميّ، أو المقدّس، كثيرٌ من الأقوال التي فيها يرشح بناء الكون بالإدراك السالب، ففي بعض الأحاديث القدسية أنّ الله جلّ وعلا يقول: أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، ذخراً بَلْهَ ما أطلعتُهم عليه، اقرأوا إن شئتم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُونَ. في هذا الحديث تأسيس لأنّ ما أُدرك خبرا في النصّ عن الجنة الموعودة، وهي المعلومات التي نشرها النصّ وباتت مشتركة بين الناس، لا تساوي شيئا بالنسبة إلى ما خالفها، وكان غيرها ممّا لم تدركه نفس، ولا اطلع عليه ذهن. فالمُدْرَك بالعين الظاهرة، أو الباطنة والمسموع بالحرف أو المسموع عنه بالإخبار، ليس إلاّ ذرات تذروها القراءات ويستقرّ في الإدراك الذي في الحيّز البشريّ، لكنّ غيره أثقال خافية وكنوز لم يحفرها أيّ إدراك: إنّه الفارق بين من يعلم ومن لا يعلم إلاّ بما أعلمه به من يعلم.
الإدراك البشري محدود بالحسّ والتجربة السابقة، فالعين لا ترى إلاّ ما تعرف بالعادة، والأذن إن سمعت شيئا وسبح بها الخيال لتدركه، فلن يكون إدراكها إلا تركيبا لما سبق إدراكه. أمّا حين يُعرف المدرك المخبوء بالسلب: لا عين رأت ولا أذن سمعت، فالعقل يُدفَع إلى حافة قدرته، ويدرك الحقيقة الكبرى بأنّ هذا الخارج إن هو إلاّ ما خزّن لديّ لكني أستطيع بالقياس السالب أن أدرك غيره. فالمفارقة العميقة أنّنا نفهم أننا لا ندرك كل شيء. وهذا بحد ذاته نوع من الإدراك: إدراك لما يتجاوز العقل.
وجدت في لامية المتنبي في مدح أبي شجاع فاتك الكبير، ما يقوي هذا الإدراك السالب لكون الممدوح. يقول في فاتحة المدحية وقبل النسيب أصلا: (لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ // فليسعدِ النطقُ إن لم تُسعدِ الحالُ)، فينسف إدراكنا الموجب الذي بنيناه على أنّ المدح يقتضي المنح، وأنّ للممدوح مالا وهدايا ونوالا؛ فإن لم يوجد هذا فهل يوجد مدح؟ الكرم يُدرَك هنا بما غاب عنه. وهذا المعنى الذي يشتغل فيه الإدراك بالسلب يؤسس لمعنى أوسع وأهم هو قوله: (وَما شَكَرتُ لِأَنَّ المالَ فَرَّحَني // سِيّانَ عِندِيَ إِكثارٌ وَإِقلالُ) فهو يؤسّس كونَ المدح على وعي بنقيض المألوف فيه. العقل يتوقع أنّ الشكر كان للهدية والمال؛ وهنا يلغى التنافي بين القليل من المال والكثير منه. إذ لا يقدّم المتنبي للقيم الكبرى تعريفات تقريرية، بل يبنيها بناءً سلبيا متدرّجا، يُسقِط فيه المعاني الزائفة واحدا بعد آخر، حتى لا يبقى إلا الجوهر الصافي. ويتجلّى ذلك بوضوح في قوله: (لا يُدرِكُ المجدَ إلّا سيّدٌ فطنٌ //لما يشقّ على السادات فعّالُ/ لا وارثٌ جهلت يُمناه ما وهبت ولا كَسُوبٌ بغير السيف سئّالُ) فينتقل الشاعر إلى مرحلة أعمق من الإدراك بالسلب، إذ يُجري عملية تنقية صارمة للمفهوم عبر نفي صورته الزائفة. فهو ينفي أولا أن يكون المجد ميراثا: (لا وارثٌ جهلت يُمناه ما وهبت)؛ لأنّ ما يُعطى بلا وعي، لا يَصنع مجداً، وما يُملَك بلا استحقاق لا يرقى إلى قيمة. فالجهل بالعطاء دليل على غياب الفعل، وغياب الفعل سقوط عن مرتبة المجد. وينفي ثانيا أن يكون المجد كسبا ذليلا فالمجد لا يُنال بالطلب، ولا بالتسوّل، ولا بالحيلة التي تُبقي صاحبها تابعا. والسيف هنا ليس أداة عنف بقدر ما هو رمز للفعل الحاسم، وتحمّل الأهوال، والدخول في مجال الخطر. فحيث ينتفي الاستقلال، ينتفي المجد.
لم نقل عن الشاعر ما نريد، ولكنّ إدراكه للكون هو الذي أراه طريقة لبنائه مخالفة. ولنا مفتاح هو معوله اللغوي الذي هدم به فعل الكاف المشابهة في لغتنا، التي تتيح لنا إدراك الأشياء بالإيجاب فيقول متحدثا عن ممدوحه، الذي لم ينصفه قياس الشبه :(كَفَاتِكٍ وَدُخُولُ الكَافِ مَنقَصَةٌ// كالشمسِ قُلتُ وَما للشمسِ أمثَالُ). إنّ إدراك الكون بالشبه وإن كان أداتنا في بناء الكون هو بهذا الفهم، إدراك فيه نقص وما على المرء أن يعلم عن وعي أو عن عدمه أنّ الأذهان المدركة تعمل بالقياس على المثيل، وأيضا على القياس على النقيض والسلب ليس بالضرورة أن يكون نقيضا لشيء تعلمه فقد يكون مبنيا على شيئا لم تكن مهيئا أصلا لأن تعرفه.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية