تُصيب الكوارث الطّبيعيّة والأوبئة الإنسان في كلّ مكان، وهناك حروب (عامّة) يهجم فيها الأعداء من الخارج، ولدينا أيضاً ما يُدعى بالحرب الأهليّة، عندما يقبض أبناء البلد بعضهم بخناق بعض حتى الموت، وفي بعض الأحيان يتداخل بعض هذه الحوادث، أو كلها، فتتفاقم عندها المأساة.
منذ أن تسلّم حزب البعث السّلطةَ في العراق عام 1968 وحتّى سقوط نظامه الحاكم في 2003، تسبّب قادته في ثلاث حروب عامّة في البلاد: الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وحرب تحرير الكويت، والغزو الأمريكي، مع حربين أهليّتين دامت الأولى بضعة أشهر عام 1990، والثانية امتدّت حوالي أربع سنوات (2007 ـ 2011)، ولم تنته حتّى اليوم، نتج عنها ما أدعوه بالحرب الأهليّة الباردة، جمر نائم تحت رماد ساخن. لا توجد قواعدُ للموت في الحرب العامّة، ويكون الحزن عاماً وشاملاً بين النّاس. يُخبرنا الشّاعر الإيطالي أونغاريتي أنه دخل الحرب مع فرقة عسكريّة يبلغ تعدادها الآلاف، قضوا جميعا:
«من كلّ الذين كانوا يكلّمونني بالأمس/ لم يبقَ أحدٌ/ إنما في قلبي مزروعة صلبانهم».
ومثل هذه المآسي في تاريخ الشّعوب كثيرة، تنتهي وتعود المياه إلى مجاريها، مثلما يقولون. كما أن كل حرب دفاعيّة، بصورة أو أخرى هي مجيدة؛ بطولات ورايات وهناك جنود قتلى يتمّ تشييعهم بمهابة وفخر. تمزّقي من القرْع أيتها الطّبول، وشقّي الهواء يا أبواق. إن العاطفة الوطنيّة أو حبّ الوطن أو مجرّد الانتماء إليه، كل هذا وغيره يجعل تلك المآسي تشيع في النفوس اعتباراً وإعظاماً وخشوعاً وورعاً، وتكون النتيجة أن عيون الجنود في ساعة الموت تنظر إلى الأعلى، إلى النقطة الأبعد في السماء، وإن كان المحارب القتيل أشدّ الملحدين صلابة. ورغم الخسائر في الأنفس وفي كلّ شيء، ربما تحصل للأمة التي تدافع عن نفسها ببسالة أن تحظى بالخير الصلب الخالد، وهو الشيء الوحيد الأبدي الذي يمكن أن يملكه الإنسان، وكلّ ما هو جميل ونافع يشعّ منه. بينما في الحرب الأهلية يحصل الأمر النقيض المباشر، فهي تدفع السكان إلى المغادرة أو الهجرة إلى الخارج، متنكرين لوطنهم ومتبرّئين من ترابه، إذ كانوا استأمنوه على أعمال حياتهم فدمّرها. هناك ظلّ مبتور ومشكول من الأسى يتسلّط على اسم الحرب الأهليّة يجعلنا نتغاضى عن ذكرها قدر الإمكان، وليس لدى المرء الصّبر الكافي للتّعليق على هذا الموضوع في صيغة أدبيّة، ولكن لا بأس من المحاولة.
الغرفة التي كنت أسكنها في المستشفى العسكري في مدينة العمارة، اخترقها من النّافذة صاروخ جو ـ أرض، ولم ينفجر. لم تكن تحمله طائرة تابعة لقوات التّحالف الدولي في حرب تحرير الكويت، إنّما مروحيّة عراقيّة تحمل علمنا، والطيّار من أهل بلدي. كيف يمكن أن يحدث هذا الأمر: يقتتل المواطنون من أبناء الشّعب الواحد في ما بينهم بالسّلاح الثّقيل، وبالصواريخ أرض جو وجو أرض؟ رغم مرور خمس وثلاثين سنة، ما زلت أتأمل في أحداث التقاتل في تلك الأيام، وقد صادف أن كان الفصل ربيعاً، والزهر يتفتح في الهواء في كل مكان، بينما تسقط الجثث في الشّوارع والبيوت والمحلات… يا لها من لوحة سوريالية أجاد رسمها رجال ذاك الزمان؛ زهرة تطلع على الغصن هنا، وثمة من يموت في اللّحظة ذاتها، وقد يتمّ التّمثيل بجثّته، أو يُدفن حيّاً ويُهال عليه التّراب. مئات وألوف ومئات الألوف من الناس (عدد المقابر الجماعيّة التي تمّ العثور عليها حتى عام 2005 بلغ 365، أي بعدد أيام السنة الكبيسة)، وأغلبهم من النساء والأطفال دُفنوا أحياء في وسط العراق وجنوبه، وإلى جانب هذا المشهد كنت ترى على حوافّ البساتين بقعاً من الخضرة النّدية، والنّور يعبث بالطّلْع الوافر على جذوع النّخيل.
وبما أنها تحدث داخل المدينة، يمكننا تشبيه الحرب الأهلية بوباء الطّاعون أو بجائحة «كوفيد». يخبرنا المؤرخ الجبرتي في تاريخه أنه عندما حلّ الطّاعون في مصر عام 1790 «لم يبق للنّاس شغل إلا الموت وأسبابه، فلا تجد إلا مريضاً، أو ميتاً، أو عائداً، أو معزّياً، أو مشيّعاً، أو راجعاً من صلاة جنازة أو دفن، أو مشغولاً في تجهيز ميت». وكلّ هذا ليس كافياً لوصف الحرب بين الأهل. لسعدي يوسف قصيدة عنوانها «حرب أهلية»:
«كانوا أربعةً/ يمشونَ، وئيدينَ/ على أرض مكشوفة/ كان رصاصٌ من رشّاش البيتِ يُواجههم ويئزّ…/ ولكنهمو يمشون ويمشون/ وئيدينَ/ وفي أيديهم تختضّ الرشاشات/ ………/ يصمتُ رشّاشُ البيت/ وتعلو من نافذة البيت المحترق، النيران».
الأهمّ في هذه الحرب ليس القتل، ولكنْ اختلاف وتفاوت عناصر القوّة. أربعة ضدّ واحد، أو أربعون ضدّ عشرة، أو أربعة آلاف ضدّ مئة. إنه عالم بارد فيه مفرخة لأنصاف وأرباع الرّجال، وما دون ذلك، بالإضافة إلى استقواء هؤلاء بعضهم ببعض، هنالك الغطرسة وادّعاء الشّجاعة الزائفة، وكلما ازداد جبن بني آدم استعرت نيران حقدهم. في الحرب الأهلية يصير اليأس عادة لدى الناس، وحديثهم اليومي لا شيء سوى عباراتٍ لا معنى لها ولا تقول شيئاً، تحكي ما سبق قوله مرات ومرات. اليأس العاري ليس هو اللا أمل، إنما انتهاؤه. في الساحة الكبرى في المدينة المنكوبة بهذه الحرب تُنصب ساعة عظيمة تظل تقرع طوال الوقت، تنقل صدى صرخات المستغيثين قبل القتل والاغتصاب والترويع… إلى أي جهة تتجه عينا المغدور برصاص أخيه، وماذا تحدّثه نفسه في تلك الساعة؟ في الحرب الأهلية يصدر عن الإنسان المقدار الأعلى من الخطيئة والأذى، غير آبه لأيّ مانع ديني أو أخلاقي أو ذاتي. بالعكس، يصير المانع وازعاً تستعلي به روح الإثم والعدوان وتستقوي فيثابر الشرّ عندها، وتُشمّ في الهواء رائحةُ هُون وحَيف وضَيم، تلتصق بالبشر والحيوان والنبات والجماد. الحرب الأهلية هي أمرّ وألعن وأبشع تجربة تمرّ بها الشعوب، وأقسى على مرّ الأزمنة. تصوّروا لو أن الصاروخ انفجر في غرفة ح. المحسن في المشفى العسكري وأحاله إلى أشلاء، ومن أطلقه من المروحية المقاتلة كان طيّاراً عراقيّاً ربما جلستُ معه في الصفّ في المدرسة، ولعبنا معاً وأكلنا من الطبق نفسه. هل توجد صورة أكثر بؤساً وتعاسة، لا لحاضر البلد الذي يضمّنا، إنما لمستقبله؟! في الحرب الأهليّة يتمّ حرق البيوت وتفجيرها بعدَ نهبها، ويعني هذا محواً شاملاً للآخر، كما أن أعمال السلب تعود إلى طبيعة متأصلة لدى الإنسان، بما أنه استولى على روح العدوّ، فعليه سرقة حاجاته أيضاً، لأنها جزءٌ لا يتجزّأ من هذه الروح.
«قطط عارية» هو عنوان مجموعتي القصصيّة الأولى، وكانت إحدى قصصها تحمل هذا الاسم، وتجري أحداثها عام 2009:
«في يوم صيفيّ حارّ كان الشابّ حسن يطفو على وجهه بريق النوم، يقصد فرن الخبز القريب من بيته. لم يسمع صوت الطلقة، لكنّه سقط صريعاً برصاص القنّاص الذي لم يره، ولم يحسب اليوم له حساباً. راحت الزّنابير في الحديقة تصرّ كأن الخبل أصابها، والقطط تركض وسط لعلعة الرّصاص إلى لا مكان، وهي عزلاء وعارية».
القصة حقيقيّة، وشهدتها بنفسي في حيّ العامريّة في بغداد، حيث اندلعت شرارة الحرب الأهليّة الثّانية، وأتت على الأخضر في الحيّ لأنّه أخضر، تاركة اليابس لأنه يابس (المقصود بالأخضر هنا المسيحيّون والصّابئة والسّنّة المعتدلون والشّيعة). ومثلما قال فلوبير عبارته الشّهيرة: «أنا مدام بوفاري»، يحقّ لي الزّعم بأنّي إحدى القطط في القصّة، إذ لم يدُرْ في خلدي حين كتبتها التأسّي للشابّ المغدور وحده، إنما لتلاميذ المدارس الذين شهدوا الواقعة، وللسيّدة «أمل» والسيّد «كامل» و»محمد» المتوجّهين إلى عملهم في ذلك الصّباح، في عيونهم نظرات الرّعب والذّهول. في الحرب الأهليّة يصير الأعزل من السّلاح مكشوفاً مثل قطّة، لأن ثيابه لا تردّ عنه الخوف ولا تحميه من القتل.