قطر على خط النار الهادئ… سباق السياسة والإغاثة لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، تتحرك الدوحة على أكثر من مسار لتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، واضعة ثقلها السياسي والإنساني في سباق مع الزمن لمنع انهيار التهدئة، وفتح نافذة قابلة للحياة أمام مسار سياسي انتقالي تقوده إدارة فلسطينية داخل القطاع، بالتوازي مع استمرار واحدة من أكبر عمليات الإغاثة في تاريخ النزاع.

تثبيت التهدئة قبل أي فراغ

تكثف قطر تحركاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين لدفع مسار سياسي عملي في غزة يقوم على إنشاء آلية حكم فلسطينية في أسرع وقت ممكن.
وتركز المقاربة القطرية على منع أي فراغ إداري أو أمني قد يعيد إشعال المواجهة، وترى أن وجود هيئة فلسطينية تدير الشأن اليومي للقطاع يشكل شرطا أساسيا لحماية المدنيين والحفاظ على النظام العام بعد وقف إطلاق النار.
برز هذا التوجه بوضوح عقب لقاءات عقدت في ميامي جمعت رئيس حكومة قطر ووزير خارجيتها مع وزير الخارجية التركي والمبعوث الأمريكي الخاص، حيث جرى التأكيد في بيان مشترك على ضرورة السماح بإنشاء هيئة حكم فلسطينية موحدة في غزة.
غابت عن البيان الإشارة إلى أي قوة استقرار دولية، في دلالة على أولوية المسار الإداري المحلي كخطوة أولى قبل الدخول في ترتيبات أمنية معقدة.
وتعكس هذه الصيغة إدراكا متزايدا في واشنطن بأن أي حل قابل للاستمرار في غزة يحتاج مشاركة فلسطينية مباشرة من داخل القطاع، وهي رؤية دفعت قطر إلى حث الجانب الأمريكي على تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية بسرعة، ويفضل قبل أي محطات سياسية دولية قد تعرقل القرار.
تنطلق هذه الضغوط من قناعة قطرية بأن الإدارة المدنية المحلية تشكل صمام أمان لمنع انهيار وقف إطلاق النار، وتوفر جسرا واقعيا نحو ترتيبات أمنية لاحقة.
وتتقاطع الرؤية القطرية مع مواقف إقليمية داعمة لمسار متدرج، حيث يُنظر إلى تأجيل ملف قوة الاستقرار الدولية بوصفه خيارا عمليا، نظرا لتعقيدات نزع السلاح ومتطلبات التفويض والتمويل. تطرح الدوحة في هذا السياق تسلسلا واضحا للخطوات يبدأ بإدارة فلسطينية فاعلة ونشر جهاز شرطة محلي مدرب، ثم الانتقال لاحقا إلى أي آلية دولية للإشراف الأمني.
وتستند هذه المقاربة إلى تقدير سياسي يرى أن فرض شروط أمنية قصوى في البداية يهدد التهدئة ويقوض أي مسار انتقالي.
وتتحرك قطر هنا باعتبارها طرفا ضامنا لوقف إطلاق النار، وتسعى إلى خلق أرضية سياسية تحمي الاتفاق من الحسابات الضيقة والتجاذبات الداخلية التي قد تعصف به في أي لحظة.

إدارة الانتقال ومنع الانفجار

تدفع قطر باتجاه نموذج انتقالي يقوم على إدارة فلسطينية مستقلة عن الاستقطاب الفصائلي، مع الحفاظ على التواصل الواقعي مع القوى الموجودة على الأرض.
وتنطلق هذه المقاربة من قراءة لتجارب سابقة أظهرت أن الإقصاء الكامل أو فرض الحلول الفوقية يؤديان إلى انهيارات سريعة، بينما يوفر الدمج المرحلي فرصا أفضل للاستقرار.
ضمن هذا السياق، برزت فكرة لجنة التكنوقراط الفلسطينية كحل عملي لنقل إدارة القطاع من سلطة الأمر الواقع إلى جهة فلسطينية تحظى بقبول إقليمي ودولي.
دعمت قطر هذا الطرح باعتباره مدخلا سياسيا يسمح للفصائل بالتراجع عن الحكم المباشر بدون الدخول في مواجهة صفرية، ويمهد لحوار أطول حول القضايا الأكثر حساسية. ترافق هذا المسار مع جهود دبلوماسية مكثفة لحث الأطراف الدولية على التعامل مع نزع السلاح كعملية تدريجية لا كشرط فوري.
وترى الدوحة أن تحويل هذا الملف إلى أولوية مطلقة في المرحلة الأولى يهدد وقف إطلاق النار، بينما يسمح ربطه بإشراف دولي لاحق بخلق بيئة تفاوضية أقل توترا.
تتحرك قطر أيضا في إطار تنسيق إقليمي أوسع يهدف إلى ضمان تماسك المسار السياسي. يشمل هذا التنسيق البحث في تدريب ونشر قوات شرطة فلسطينية، ووضع تصورات عملية لإدارة الأمن الداخلي، بما يقلل الحاجة إلى تدخل خارجي مباشر في المراحل الأولى.
ينطلق هذا الجهد من قناعة بأن الاستقرار المستدام يبدأ من الداخل، حتى في أكثر البيئات تعقيدا.
في موازاة ذلك، تواصل الدوحة اتصالاتها مع أطراف دولية مؤثرة لحشد دعم سياسي لخيار الإدارة الفلسطينية المحلية، مع التأكيد على وحدة القطاع ورفض أي سيناريوهات تقسيم أو فرض كيانات موازية.
وتعكس هذه التحركات إدراكا قطريا بأن المعركة في غزة لم تعد عسكرية فقط، بل باتت معركة على شكل اليوم التالي، وعلى من يدير الحياة اليومية لملايين المدنيين.

تثبيت الحياة وسط الركام

كما تنتقل قطر إلى المسار الإنساني بوتيرة لا تقل زخما عن تحركاتها السياسية، واضعة الإغاثة في قلب مقاربتها لوقف إطلاق النار. وتواصل المؤسسات القطرية تنفيذ برامج واسعة النطاق لدعم السكان في ظل دمار غير مسبوق طال البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية.
تشمل هذه الجهود توزيع آلاف الطرود الغذائية ضمن حملات مستمرة لتأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي، إلى جانب مشاريع كبرى لتوفير المياه الصالحة للشرب في قطاع يعاني انهيارا شبه كامل في شبكاته الحيوية.
تسعى هذه البرامج إلى معالجة الاحتياجات العاجلة، مع مراعاة الفئات الأكثر هشاشة، خاصة ذوي الإحتياجات الخاصة والمرضى الذين يواجهون صعوبات مضاعفة في ظل نقص الخدمات الطبية.
تمتد المساعدات القطرية إلى قطاع التعليم، حيث جرى دعم مبادرات لإعادة تأهيل فصول دراسية وتوزيع مستلزمات مدرسية، في محاولة للحفاظ على استمرارية التعليم كعنصر أساسي للاستقرار النفسي والاجتماعي.
وينظر إلى هذه الخطوات بوصفها استثمارا في المستقبل، لا مجرد استجابة طارئة لأزمة إنسانية.
وتعمل قطر في هذا الإطار على سد فجوات خطيرة خلفها الحصار والقيود المفروضة على دخول المواد الطبية والإنسانية. يبرز هذا الدور في دعم المستشفيات ومراكز التأهيل، وتوفير المياه والوجبات اليومية، في وقت تعاني فيه غزة نقصا حادا في الأدوية والمعدات اللازمة للعمليات الجراحية والعلاج طويل الأمد.
يتكامل هذا الجهد الإنساني مع المسار السياسي الذي تقوده الدوحة، حيث يُنظر إلى الإغاثة كأداة لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق مجددا إلى العنف.
وتعكس هذه المقاربة فهما عميقا للعلاقة بين الاستقرار الإنساني والاستقرار الأمني، وتؤكد أن أي مسار سياسي بلا دعم ميداني للحياة اليومية يبقى معرضا للانهيار.

تقاطع السياسة والإنسانية

تقف قطر اليوم عند تقاطع السياسة والإنسانية في غزة، وتتحرك باعتبارها طرفا يسعى إلى تثبيت التهدئة لا إدارتها شكليا. وتضغط سياسيا من أجل آلية حكم فلسطينية واقعية، وتنسق إقليميا لمنع الفراغ، وتواصل إنسانيا لدعم الحياة تحت الركام.
وفي سباق مع الوقت ومع التعقيدات الدولية، تحاول الدوحة تحويل وقف إطلاق النار من لحظة هشة إلى مسار قابل للاستمرار، واضعة غزة في قلب معادلة إقليمية ترى أن الاستقرار يبدأ بالإدارة، ويحميه الحوار، وتثبته حياة يومية قابلة للاستمرار.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية