الدوحة ـ “القدس العربي”:
عقدت لجنة المتابعة المشتركة المنبثقة عن مجلس الأعمال القطري السعودي اجتماعها في العاصمة السعودية، في لحظة إقليمية تتزايد فيها رهانات الاقتصاد على الاستقرار، وعلى قدرة الشراكات الثنائية على تجاوز الأطر التقليدية.
وترأس الاجتماع حمد الشويعر، بمشاركة علي بن عبداللطيف المسند، عضو مجلس إدارة غرفة قطر وعضو مجلس الأعمال القطري السعودي، في لقاء اتسم بطابع عملي واضح، وتركز على الانتقال من التوصيات إلى التنفيذ.
ناقش الاجتماع تفعيل دور اللجان القطاعية المنضوية تحت مجلس الأعمال، مع تركيز خاص على قطاعي التعليم والصحة، بوصفهما ركيزتين استراتيجيتين في أي نموذج تنموي طويل الأمد.
وبرز خلال النقاش توجه نحو تحويل هذه اللجان من منصات تشاورية إلى أدوات عمل قادرة على إنتاج مشاريع مشتركة، تستجيب لحاجات السوق وتواكب التحولات الإقليمية والدولية في هذين القطاعين الحيويين.
وتناول المجتمعون مقترح إعداد دراسة متكاملة لإنشاء شركة استثمارية مشتركة، تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، وتوفير إطار مؤسسي قادر على إدارة الاستثمارات العابرة للحدود بكفاءة واستدامة.
وعكس هذا المقترح إدراكاً متزايداً بأن المرحلة المقبلة تتطلب كيانات اقتصادية مرنة، قادرة على استقطاب رؤوس الأموال، وتوجيهها نحو مشاريع ذات قيمة مضافة حقيقية.
وبحث الاجتماع آليات تكثيف التواصل مع الجهات المعنية في كلا البلدين، مع التأكيد على أهمية تنسيق الجهود وتوحيد الوفود في الزيارات الخارجية، بما يعزز حضور المصالح القطرية والسعودية في المحافل الاقتصادية الدولية، ويمنح القطاع الخاص صوتاً أكثر تماسكاً وتأثيراً.
الموانئ والجمارك وحدود الحركة التجارية
توقف النقاش عند مجموعة من الملفات العملية التي تمس حركة التجارة اليومية، وفي مقدمتها أهمية ومميزات ميناء حمد البحري للتجار السعوديين.
وجرى استعراض موقع الميناء في منظومة النقل البحري الإقليمي، ودوره في تسهيل تدفق السلع، وتقليص زمن الشحن، وتوفير بدائل لوجستية قادرة على خدمة السوق السعودية بكفاءة عالية.
وناقش المجتمعون ملف التعرفة الجمركية على البضائع القطرية، في سياق البحث عن آليات تضمن انسيابية أكبر للتبادل التجاري، وتحد من الكلف الإضافية التي قد تعيق تنافسية المنتجات.
كما طُرح موضوع الإدخال المؤقت للمعدات والسيارات القادمة من قطر، باعتباره عنصراً أساسياً في دعم مشاريع مشتركة، ولا سيما في قطاعات المقاولات، والخدمات، والمعارض المتخصصة.
وعكس هذا الجزء من الاجتماع اهتماماً واضحاً بالتفاصيل الفنية التي غالباً ما تحدد نجاح أو تعثر أي شراكة اقتصادية، حيث بدا أن التركيز انصب على إزالة العوائق الإجرائية، وتوفير بيئة أكثر مرونة لرجال الأعمال، بعيداً عن الشعارات العامة.
رصد التحديات وصياغة أفق جديد
أكد علي بن عبداللطيف المسند، خلال كلمته في الاجتماع، أن تشكيل لجنة المتابعة المشتركة يجسد حرصاً متبادلاً على تفعيل مخرجات مجلس الأعمال، وتحويل توصياته إلى خطوات عملية تدعم التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
وأوضح أن اللجنة تتحمل مسؤولية مركزية تتمثل في رصد التحديات التي تواجه مجتمع الأعمال في قطر والسعودية، والعمل على تذليلها، إلى جانب اقتراح مبادرات تعزز التعاون بين رجال الأعمال، وتفتح مسارات أوسع للاستثمارات المشتركة.
وأشار إلى أن هذا المسار من شأنه الإسهام في زيادة حجم التبادل التجاري، وتعزيز الشراكة الاقتصادية الثنائية، في إطار يستند إلى المصالح المتبادلة، ويستفيد من الإمكانات المتاحة لدى الجانبين.
وشدد على حرص غرفة قطر على تعزيز التعاون الوثيق مع الجانب السعودي عبر مجلس الأعمال المشترك، بما ينسجم مع العلاقات الأخوية والتاريخية التي تربط البلدين، ومع التوجهات الداعمة لتعميق التكامل الاقتصادي وتنمية الشراكات الاستراتيجية.
وجاء الاجتماع، في مجمله، ليعكس تحوّلاً في مقاربة العمل الاقتصادي المشترك، من التركيز على العموميات إلى الغوص في التفاصيل، ومن الاكتفاء بالتشاور إلى السعي نحو البناء المؤسسي.
وبدت قطر، في هذا السياق، حاضرة بهدوء محسوب، تدفع باتجاه شراكة متوازنة، تراهن على الاقتصاد كمساحة تعاون مستقرة في منطقة تعيش تحولات متسارعة.
ما جرى في الرياض يتجاوز كونه اجتماعاً دورياً، ليشكل حلقة جديدة في مسار إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين قطر والسعودية، على أسس أكثر وضوحاً، وأقرب إلى لغة الأرقام والمشاريع، وأبعد عن ضجيج السياسة، في مشهد يراهن على المستقبل دون استعجال.