قطر تسير بخطى سياسية واثقة رغم الخروقات الاسرائيلية في غزة

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: مع دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عاد الملف الفلسطيني إلى صدارة الاهتمام الدولي من بوابة مزدوجة: إنسانية وسياسية.
فبينما أتاح الهدوء النسبي عودة جزئية للنازحين وفتح مسارات محدودة للمساعدات، بقيت الأسئلة الكبرى معلّقة حول مستقبل القطاع، وآليات إعادة الإعمار، والجهة التي ستتحمل كلفة الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب.
في هذا السياق، تحرّكت قطر على أكثر من مستوى، من المنابر الأممية إلى استضافة اجتماعات دولية في الدوحة، في وقت تواصل فيه التأكيد على أن ما بعد وقف إطلاق النار يتطلب إطاراً دولياً مختلفاً، لا يكتفي بإدارة الأزمة، بل يعالج جذورها.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ بعد الحرب التي خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح.
وسمح الاتفاق بانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق مأهولة وعودة تدريجية للنازحين إلى شمال القطاع، ضمن ما وُصف بالمرحلة الأولى من مبادرة أمريكية لإنهاء الحرب.
غير أن هذا الهدوء بقي هشاً، في ظل استمرار القيود على دخول المساعدات، وتأخر الانتقال إلى مراحل لاحقة تتعلق بالترتيبات السياسية والأمنية، إضافة إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بسبب نقص الغذاء والدواء والمأوى، وتأثير الأحوال الجوية القاسية على السكان الذين يعيش كثير منهم بين الأنقاض، وأيضا مع تصاعد الضربات الجوية الاسرائيلية.
وجعل هذا الواقع وقف إطلاق النار محطة مؤقتة، لا نهاية لمسار الصراع، ما دفع أطرافاً إقليمية ودولية، من بينها قطر، إلى التحرك باتجاه مقاربة أوسع تتجاوز التهدئة المؤقتة.

تمويل إنساني واسع وتحرك أممي

في هذا المناخ، أعلنت قطر أنها جاءت ضمن أكبر خمس دول مانحة للمساعدات الإنسانية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025، بإجمالي مساهمات تجاوزت ملياراً و528 مليون دولار.
جاء ذلك في بيان أُلقي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال مناقشة بند تعزيز تنسيق المساعدة الإنسانية في حالات الطوارئ.
البيان أشار إلى أن العالم يواجه أوضاعاً إنسانية بالغة الخطورة في عدة مناطق، مع تركيز خاص على غزة، حيث تتزايد الاحتياجات الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
كما تطرق إلى إطلاق جسر بري للمساعدات الإنسانية عبر الأردن ومصر لتخفيف معاناة السكان، مع التشديد على ضرورة ضمان دخول المساعدات بدون عوائق، والشروع في التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وإلى جانب غزة، شمل التحرك الإنساني القطري مناطق أخرى تشهد نزاعات، من بينها إقليم دارفور في السودان، حيث أُرسلت مساعدات للنازحين من مدينة الفاشر والمناطق المجاورة، في ظل نقص حاد في الغذاء ومواد الإيواء.
البيان الأممي أشار كذلك إلى أن قطر قدمت منذ عام 2013 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2025 نحو 1.9 مليار دولار دعماً لميزانيات وكالات الأمم المتحدة ومبادراتها، إضافة إلى دعم متعدد السنوات لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بقيمة 88 مليون دولار، وتجديد دعم الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ ليصل إجمالي المساهمات فيه إلى أكثر من 22 مليون دولار.

الإعمار مسؤولية دولية

في موازاة هذا التحرك، برز نقاش واسع حول مستقبل إعادة إعمار غزة، ودور قطر فيه، خاصة بعد تصريحات لرئيس الوزراء القطري أكدت أن الإعمار لا يمكن أن يكون عبئاً تتحمله دولة واحدة.
في هذا الإطار، قال المحلل السياسي ورئيس تحرير صحيفة «العرب» القطرية فالح الهاجري، في حديث لـ«القدس العربي»، إن «من المهم التأكيد أن موقف قطر كان دائما ثابتا تجاه الشعب الفلسطيني، فهي من أكبر الداعمين إنسانيا وتنمويا في غزة منذ سنوات طويلة. لكن ما قاله رئيس الوزراء يعكس مبدأ واضحا: قطر لن تتحمل بمفردها تكلفة إعادة إعمار ما دمره الآخرون، لأن إعادة الإعمار مسؤولية دولية وليست عبئا يُلقى على دولة واحدة».
وأوضح الهاجري أن هذا الموقف لا يعني تراجعاً عن الدعم، بل إعادة تعريف لطبيعة المسؤولية، مضيفاً أن «هذا لا يعني أن قطر ستتخلى عن دعم أهل غزة، بل يعني أن الدوحة ترى أن إعادة الإعمار يجب أن تتم عبر آلية دولية جماعية تضمن الشفافية وتحميل الأطراف المسببة للدمار مسؤوليتها، مع صون حق الفلسطينيين في أن يكونوا جزءا أساسيا من عملية بناء مستقبلهم».
ويشير هذا الطرح، وفق الهاجري، إلى انتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى منطق سياسي أوسع، يربط الإعمار بالمحاسبة، ويمنع تكرار دورة الدمار التي تليها عملية بناء مؤقتة بلا ضمانات.
وحول دلالات تصريح رئيس الوزراء القطري، قال الهاجري لـ«القدس العربي» إن «التصريح جاء في إطار رفض معادلة غير عادلة تتكرر منذ عقود: دمار يقع نتيجة حرب، ثم يُطلب من الدول الداعمة تمويل إعادة البناء دون مساءلة من تسبب بالدمار».
وأضاف أن المقصود من هذا الموقف «ليس وقف الدعم، بل وضع حدود واضحة ومنطقية: قطر ستواصل دعم الفلسطينيين إنسانيا، لكنها لن تكون المموّل الوحيد لإعادة الإعمار في ظل غياب إطار دولي واضح يضمن العدالة وتحمل المسؤوليات».
ويرى الهاجري أن هذا الطرح يعكس تحولاً في الخطاب السياسي، حيث لم يعد مقبولاً، وفق تعبيره، «إعادة إنتاج دورة الدمار بلا محاسبة». ويضيف أن التصريح «يعبّر عن رؤية سياسية رشيدة: دعم الشعب، وليس إدارة نتائج الحرب فقط».
وحول مستقبل الدور القطري في موضوع إعاجة إعمار غزة، قال الهاجري لـ«القدس العربي» إن «قطر كانت ولا تزال صوتا فاعلا في الدعوة لحماية المدنيين، ووقف الحرب، وتوفير الدعم الإنساني، وهي بالتأكيد ستدعم أي جهد دولي منظم لإعادة إعمار غزة».
وأضاف أن الموقف القطري اليوم «أوضح من أي وقت مضى: الإعمار يجب أن يكون مشروعا دوليا تشارك فيه القوى المؤثرة والأطراف الملتزمة بالقانون الدولي، وليس مبادرة من طرف واحد».
ويختم الهاجري بالقول إن «قطر مستعدة للقيام بدورها؛ لكنها تريد أن يتم ذلك ضمن تحالف دولي عادل يحفظ حقوق الفلسطينيين، ويضمن عدم تكرار المأساة».
تضع هذه القراءة الموقف القطري في سياق أوسع، يتقاطع مع نقاش دولي حول ضرورة ربط الإعمار بمسار سياسي يضمن عدم تكرار المواجهات، بدلاً من الاكتفاء بإعادة بناء ما يُدمَّر في كل جولة.
بالتوازي مع النقاش حول الإعمار، استضــــافت الــدوحة، حسب وكالات إخبارية، اجتماعاً عسكرياً دولياً لبحث تشكيل ما يُعرف بـ«قوة الاستقرار» في غزة، وهي القوة المنصوص عليها في خطة السلام الأمريكية.
وأفادت نقارير إعلامية دولية بمشاركة ممثلين عن أكثر من 25 دولة في الاجتماع، مع جلسات ناقشت هيكل القيادة والمهام المحتملة، وسط توقعات بنشر هذه القوة مطلع العام المقبل.
ونقلت مصادر أمريكية أن هذه القوة لن تكون معنية بمواجهة حركة حماس، وأن عدداً من الدول أبدى استعداداً للمشاركة فيها.
كما جاء هذا الاجتماع في ظل ترقب نتائج لقاء مرتقب بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، ما يعكس تداخل المسارين السياسي والأمني في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
وفي هذا السياق، دعا لقاء قطري–مصري، على هامش منتدى الدوحة، إلى الإسراع بتشكيل هذه القوة وتمكينها من أداء مهامها، مع التأكيد على تنفيذ اتفاق شرم الشيخ بكافة مراحله وقرار مجلس الأمن 2803، في محاولة لخلق إطار أمني يمنع الانزلاق مجدداً نحو المواجهة.

الاستيطان
والضفة الغربية

في خضم هذه التحركات، أدانت قطر مصادقة الحكومة الإسرائيلية على إقامة 19 مستوطنة في الضفة الغربية، واعتبرت الخطوة انتهاكاً لقرارات الشرعية الدولية واعتداءً على حقوق الفلسطينيين.
الخطوة الاستيطانية جاءت في وقت تشير فيه معطيات إسرائيلية إلى وجود نحو 500 ألف مستوطن في الضفة الغربية، إضافة إلى نحو 250 ألفاً في القدس الشرقية، ما يفاقم المخاوف من تقويض فرص الحل السياسي.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد في الضفة يضع مسار ما بعد وقف إطلاق النار في غزة أمام تحديات إضافية، إذ يصعب فصل إعادة إعمار القطاع عن السياق الأوسع للصراع، خاصة في ظل استمرار السياسات التي تغيّر الواقع على الأرض.
وبين وقف إطلاق نار هش، ونقاش دولي حول الإعمار، وتحركات سياسية وأمنية متشابكة، يبقى مستقبل غزة مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، في انتظار ما إذا كان المجتمع الدولي سينتقل من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، وهو ما ستواصل «القدس العربي» متابعته في المرحلة المقبلة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية