قطر بين نيران الخروقات الإسرائيلية واختبار الوساطة …هل يستطيع وقف إطلاق النار البقاء حيّاً؟

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

يتعرض اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لهزّات متلاحقة، بعد سلسلة عمليات إسرائيلية طالت غزة والضفة الغربية وامتدت إلى لبنان وسوريا، في مشهد يختزل هشاشة الاتفاق وتفكك الضمانات التي يفترض أن تحميه. ومنذ دخوله حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/اكتوبر، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 250 شهيداً قُتلوا بعد إعلان الهدنة، بحسب مصادر فلسطينية، فيما تؤكد أرقام وزارة الصحة أن الانتهاكات الميدانية لم تتوقف يوماً.
ورغم إعلان الولايات المتحدة أن «الاتفاق ما يزال قائماً»، تصرّ إسرائيل على أن عملياتها العسكرية «لا تعرّض الخطة للخطر»، بينما تصفها الفصائل الفلسطينية بأنها «إفشال متعمّد» للاتفاق الذي رعته قطر ومصر وتركيا والولايات المتحدة.
في هذه المعادلة المتشابكة، تبقى قطر الطرف الأكثر نشاطاً في محاولة تثبيت الاتفاق، والأكثر قدرة على فتح الجسور بين الأطراف، رغم الواقع الميداني الذي يجعل صمود الهدنة رهناً بإرادة طرف يملك القوة العسكرية ويتهرّب من الالتزامات السياسية.
وتدرك الدوحة طبيعة اللحظة الحساسة التي تمر بها المنطقة، وتتابع، وفق تصريحات رسمية، «التحديات» التي يتعرض لها وقف إطلاق النار، وتعمل على منع انزلاقه نحو الانهيار. لكن السؤال الذي يتكرر اليوم: كيف يمكن لأي وسيط أن يثبّت اتفاقاً بينما تتجاهل إسرائيل جميع الضامنين؟
وقطر تتحرك بين تناقضات الأطراف، وتعمل على خلق مساحة تواصل رغم التصعيد الإسرائيلي الذي يحاول فرض وقائع جديدة على الأرض. وبقدر ما يرهقها المشهد الميداني، تزداد مسؤوليتها دبلوماسياً، إذ تبدو الدولة الخليجية الصغيرة نسبياً اللاعب الأكثر اتزاناً في مشهد إقليمي مضطرب.

غياب أدوات الضغط

يرى الدكتور خالد الحروب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نورث ويسترن في قطر، أن الخروقات الإسرائيلية التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار ليست مجرد أحداث جانبية، بل هي تعبير مباشر عن حقيقة أن «لا أحد من الضامنين يملك القدرة الفعلية على إيقاف إسرائيل». يؤكد أن إسرائيل لا تولي أي اعتبار للعرب، ولا تتوقف عند أي تفاهمات أو التزامات إقليمية، لأنها ببساطة تتحرك وفقاً لمعادلات القوة وحدها.
ويشير الحروب إلى أن ما يزيد المشهد تعقيداً هو أن «الأصوات القريبة من ترامب تسوّغ هذه الخروقات، بل تفتح المجال أمام إسرائيل لتجاوز الاتفاق بلا ثمن»، الأمر الذي يجعل عدد الشهداء، وقد تجاوز 250 منذ بدء الهدنة، دليلاً دامغاً على أن وقف إطلاق النار يجري استهلاكه يومياً بلا ردع.
ويذهب الحروب إلى أبعد من غزة، ليشير إلى أن إسرائيل «تقتل في لبنان، وتقصف في سوريا، لأنها ببساطة لا ترى أمامها ضامناً حقيقياً ولا قوة تضبط انفلاتها». ويشرح أن إسرائيل تتحرك وفق تقدير استراتيجي ذاتي، تقوده مصالحها الأمنية والعسكرية المباشرة، والتي يختصرها الحروب بأنها «مصالح نتنياهو الشخصية قبل أي شيء». من هنا، تبدو الهدنة، بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب، مجرد محطة تكتيكية، وليست التزاماً، ما يجعل أي اتفاق، بما فيه خطة ترامب، عرضة للتلاعب والالتفاف والهندسة حسبما تشاء إسرائيل لا الوسطاء.
ويشدد على أن «الخطة مليئة بالغموض، ومكتوبة أصلاً لصالح إسرائيل»، ففي تقديره، تملك تل أبيب اليد الطولى في تفسير بنود الاتفاق، وفي تحديد ما يُعتبر خرقاً وما يُعتبر دفاعاً مشروعاً. ويضيف: «إسرائيل هنا خصم وحكم في آن واحد»، ما يجعل الولايات المتحدة، مهما تحدثت عن ضمانات، مجرد شاهد يميل بكليته لصالح الطرف الأقوى. هذا الوضع، كما يرى، يجعل أي تصعيد إسرائيلي في غزة أو الضفة أو جنوب لبنان أو حتى العمق السوري «غير مرتبط بأي مسار سياسي»، بل نابع من المصلحة الإسرائيلية البحتة، لا أكثر.
ويصف أزمة الثقة بين حماس وإسرائيل وأمريكا بأنها «الأعمق منذ اتفاق أوسلو»، مؤكداً أن «كل طرف فلسطيني وثق بإسرائيل أو بالولايات المتحدة، انتهى به الأمر إلى خسارة سياسية مركّبة». ويشير إلى أن سجلّ الاتفاقات منذ ما قبل أوسلو وحتى 2025 يظهر أنها لم تُحترم يوماً، وأن إسرائيل «دولة تُدار بعقلية الخداع والغدر»، والوصف، كما قال، تعرفه جيداً الدول التي تعاملت مع إسرائيل من الأردن إلى مصر. لهذا، يعتقد أن تواصل حماس مع إسرائيل محكوم بهذا الإدراك، وأن الحركة تتعامل مع تل أبيب «بوصفها طرفاً لا يلتزم إلا ما يخدم مصالحه المباشرة».
ويشير إلى أن قطر تدرك أن «إسرائيل لا تستجيب للضغط العربي التقليدي»، لكنها تراهن على بناء مسارات تفاوض مفتوحة، وعلى الحفاظ على مستوى من الهدنة الإنسانية يمنع الانزلاق نحو كارثة أشدّ. ويعتبر أن أهمية الدور القطري تتجلى اليوم في قدرتها على جمع الوسطاء، وإبقاء الملف السياسي حياً، في وقت يبدو فيه أن إسرائيل تسعى لإعادة إنتاج الوضع على الأرض بقوة السلاح وحده.
ويختتم الحروب تحليله بتشخيص واضح: «المشكلة ليست في الاتفاق بل في الطرف الذي يملك السطوة». فحتى أجود الاتفاقات تصبح بلا معنى عندما يكون الطرف الأقوى غير معني بالتنفيذ، والطرف الأضعف تحت الضغط العسكري. ويشير إلى أن مستقبل الهدنة يتعلق بقدرة الوسطاء، خصوصاً قطر، على ابتكار صيغة جديدة للضمانات، أو على الأقل خلق آليات رقابة تجعل أي خرق مكلفاً سياسياً. لكنه يعترف أيضاً بأن الانفجار وارد، وأن «غياب الثقة العميق» يجعل أي اتفاق هشّاً لدرجة قابلة للانهيار في أي لحظة.

مسؤولية تاريخية

يقول الدكتور أنس بن زياد، الكاتب والمحرر السياسي القطري، إن ما يجري اليوم هو «اختبار قاسٍ لقدرة أي اتفاق على الصمود في وجه واقع تفرضه إسرائيل بالقوة». ويشير إلى أن وقف إطلاق النار الحالي أشبه بـ«جسر خشبي فوق وادٍ مشتعل»، فلا الأطراف تثق ببعضها، ولا الضمانات الدولية قادرة على ضبط الإيقاع الدموي على الأرض.
ويضيف أن إسرائيل، من خلال العمليات التي نفذتها في غزة والضفة ولبنان وسوريا، تريد أن ترسل رسالة واضحة: الهدنة موجودة عندما تخدم مصالحها، وتختفي عندما تتعارض مع حساباتها الأمنية والسياسية.
هذا السلوك، كما يراه، يجعل أي وسيط، مهما كانت خبرته، يتحرك داخل مساحة ضيقة جداً، يحاول فيها حفظ الحد الأدنى من التفاهم بينما تنفلت قوة الاحتلال بلا كوابح حقيقية.
ويشدد بن زياد على أن قطر تتحمل اليوم عبئاً دبلوماسياً غير مسبوق، لأنها الطرف الوحيد الذي ما زال قادراً على التحدث إلى الجميع من دون أن يفقد مصداقيته أمام أي طرف. يقول إن «الوسطاء عادة يتحركون بين أطراف مستعدة للاستماع، لكن الواقع اليوم يضع الدوحة بين طرف منهك ومحاصر وطرف آخر يمتلك القوة لكنه يتهرب من الالتزامات».
ويضيف أن قطر لا تقدّم نفسها بوصفها طرفاً يملك عصا الضغط، بل بوصفها طرفاً يدير توازناً بالغ الدقة، في لحظة ينهار فيها كل شيء يمكن التعويل عليه إقليمياً ودولياً. وبرأيه، فإن هذا الدور القطري ليس تكتيكاً سياسياً بقدر ما هو مسؤولية تاريخية، لأن غياب الوساطة الفعالة قد يعني انزلاقاً نحو حرب مفتوحة، أو على الأقل انهياراً كاملاً للهدنة الإنسانية التي تشكل اليوم «خط الحياة الوحيد» لسكان غزة.
ويرى أن إسرائيل تُعيد صياغة مفهوم الهدنة بطريقة تخدم استراتيجيتها العسكرية. فهي توقف النار عندما تحتاج إلى إعادة التموضع أو التهدئة الميدانية، ثم تعود إلى الهجمات «بحجة الضرورات الأمنية». ويشير إلى أن المشهد يعكس تحويل وقف إطلاق النار من اتفاق سياسي إلى «مناورة حرب» تستخدمها تل أبيب لإدارة التوقيت والضغط وتحديد شكل المعركة المقبلة.
ويضيف أن إسرائيل تحاول فرض معادلة جديدة مفادها أن الهدنة ليست التزاماً، بل خيار يمكن تشغيله أو إطفاؤه بحسب مزاج الحكومة اليمينية، المدفوعة بطموحات نتنياهو الشخصية ورغبته في الإبقاء على تحالفه المتطرف راضياً ومتماسكاً. لذلك، يقول بن زياد إن كل يوم يمرّ يحمل دليلاً جديداً على أن إسرائيل لا تتصرف كطرف يسعى إلى هدنة، بل كطرف يريد «هدنة تخدم النار لا العكس».
ويؤكد الدكتور أنس أن العالم يعيش «حقبة ما بعد الردع»، حيث لم يعد لأي قوة دولية القدرة على إرغام إسرائيل على الالتزام، لا عبر القانون الدولي ولا عبر الضغوط السياسية. يشرح أن الولايات المتحدة، التي يفترض أن تكون الضامن الأساسي، فقدت قدرة التأثير الفعلي، لأنها عملياً أصبحت جزءاً من المعادلة الإسرائيلية، وليست طرفاً يجلس على مسافة واحدة من الجميع. ويضيف أن الأصوات المقربة من إدارة ترامب، والتي تميل إلى تبرير الخروقات، تمنح تل أبيب شعوراً بأن أي انتهاك يمكن تمريره بلا ثمن.
هذا التحول، برأيه، هو ما يجعل المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: «السياسة لم تعد قادرة على ضبط الميدان». ومع غياب الردع الدولي، تصبح الهدنة مجرد نص جميل لا يحمي أرواح المدنيين على الأرض.
يختتم بن زياد بالقول إن المشكلة ليست في النصوص، بل في الطرف الذي يمتلك القدرة العسكرية الكاسحة وغير المضبوطة. ويرى أن استمرار وقف إطلاق النار يعتمد على قدرة الوسطاء، خصوصاً قطر، على ابتكار صيغ جديدة للضمانات تتجاوز نماذج الضغط التقليدي التي لم تعد فعّالة.
ويعتبر أن الدوحة تتحرك على مسارين متوازيين: الأول منع الانهيار الكامل للهدنة، والثاني إبقاء الملف السياسي حيّاً في الوقت الذي يتعامل فيه المجتمع الدولي بصمت بارد. ويشير إلى أن أي تصعيد كبير قد ينسف ما تبقى من الاتفاق، وأن المرحلة المقبلة ستُبنى على سؤال واحد: هل يمكن خلق آلية تجعل خرق الهدنة مكلفاً سياسياً لإسرائيل؟ إن لم يحدث ذلك، يقول بن زياد، فسنكون أمام هدنة تمشي على قدم واحدة، ورصاصة واحدة كفيلة بإسقاطها.
بعد تحليل الحروب، يقدّم الدكتور خالد حمّاد، المحلل السياسي والخبير في شؤون الشرق الأوسط، رؤية إضافية تعمّق فهم المشهد وتفسّر السلوك الإسرائيلي في لحظة ما بعد الحرب.
يؤكد حمّاد أن إسرائيل تتعامل مع وقف إطلاق النار كـ«تكتيك عسكري» يسمح لها بإعادة التموضع وإعادة ترتيب أولوياتها الميدانية، وليس كاتفاق ملزم. ويضيف أن الجيش الإسرائيلي، الذي واجه استنزافاً قاسياً خلال العامين الماضيين، يستخدم الهدنة للالتقاط الاستراتيجي للأنفاس، بينما تستمر عملياته النوعية في المناطق التي يعتبرها حساسة أمنياً.
برأيه، فإن تل أبيب تعيد تعريف مفهوم الهدنة بحيث يخدم هدفين: تثبيت صورة القوة، وإبقاء خصومها في حالة ارتباك دائم.
ويرى حمّاد أن الشرق الأوسط يشهد تحوّلاً جذرياً في ميزان الردع. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تعاني تآكلاً في الردع السياسي نتيجة طول الحرب وضغط الجبهة الداخلية. وهذا ما يجعلها، بحسب قوله، تميل إلى استخدام القوة المفرطة لتعويض ضعف الهيبة السياسية.
ويعتقد أن هذا التحول يضعف قدرة الوسطاء، لأن «منظومة الردع القديمة التي كانت تضبط سلوك إسرائيل لم تعد قائمة»، ما يجعل أي اتفاق هشّاً في مواجهة الحسابات العسكرية الإسرائيلية.
ويشير إلى أن قطر اليوم «تمتلك شبكة علاقات معقّدة تتيح لها التواصل مع جميع الأطراف بدون تكلفة سياسية عالية»، وهي ميزة يفتقدها الآخرون. ويضيف أن الدوحة حافظت على مصداقيتها لدى الفلسطينيين والإسرائيليين والأمريكيين في الوقت نفسه، رغم التوترات.
لكن نجاح الوساطة القطرية، وفق حمّاد، مشروط بوجود إرادة دولية تُلزم إسرائيل، وهو ما لم يظهر بعد. ولهذا، فإن مستقبل الهدنة يعتمد على قدرتها على خلق «لحظة إجماع دولي» تضغط فيها العواصم الكبرى على تل أبيب.

هل ينهار الاتفاق؟

المشهد العام يشير إلى أن وقف إطلاق النار قائم شكلياً، لكنه يتآكل يومياً بفعل الخروقات المتكررة. وبينما تستمر إسرائيل في توسيع نطاق عملياتها، تعمل قطر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المسار السياسي. لكن السؤال الأكبر هو:
هل يمكن لأي اتفاق أن يصمد في ظل فجوة القوة الهائلة بين الأطراف وغياب الضامن الفعلي؟
ما بين قراءة الحروب الحادّة وحديث بن زياد المتفائل نوعا ما وتحليل حمّاد العميق، وصمت المجتمع الدولي، يبدو أن المسار هشّ للغاية، وأن المنطقة تقف على عتبة مرحلة جديدة، لا تشبه ما قبلها سياسياً ولا أمنياً.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية