«قضاء» قيس سعيّد و«قدر» تونس!

حجم الخط
0

أصدرت محكمة تونسية، أمس الجمعة، حكما جديدا ضد زعيم «حركة النهضة»، راشد الغنوشي، يقضي بسجنه لمدة عامين مع غرامة مالية بنحو 68 ألف دولار أمريكي.
يجيء هذا الحكم الجديد على الغنوشي (84 عاما) الذي تعتقله السلطات التونسية منذ نيسان/ ابريل 2023 وتتابع محاكمته بتهم تتراوح بين الإرهاب والفساد المالي والتآمر على أمن الدولة، لتضيف إليها جريمة التبرّع لمنظمة الهلال الأحمر التونسي بأربعة عشر ألف دولار كانت قيمة جائزة تلقّاها من منظمة تعنى بنشر «قيم غاندي للسلام والتسامح» عام 2016.
أطلقت ثورة تونس التي اندلعت في نهاية العام 2010 موجة الثورات العربية العارمة بعدها، وكان دستورها الذي أقرّ عام 2014 ينصّ على مبدأ استقلالية السلطة القضائية باعتباره أحد أعمدة الديمقراطية، وأنشئ بعدها المجلس الأعلى للقضاء كهيئة دستورية مستقلة تتولى الإشراف على الشأن القضائي.
أول خطوات انقلاب سعيّد على حكم الثورة والنظام الديمقراطي (تموز/يوليو 2021) كانت تجميد أعمال البرلمان وإقالة الحكومة ورفع الحصانة عن النواب، ليبدأ بعدها مسار الهيمنة على القضاء تحت مسمى «إصلاح المنظومة القضائية»، ومن المثير للسخرية أن مساعي سعيّد لإنهاء استقلالية القضاء وربطه بقراراته الدكتاتورية جرت بدعوى فقدان القضاء للاستقلالية، مع إضافة قائمة الاتهامات الأخرى التي استخدمت ضد معارضيه من السياسيين والحقوقيين والصحافيين: الإرهاب والفساد الخ.
أغلقت قوات الشرطة، لاحقا، مقر المجلس الأعلى للقضاء، ثم أصدر سعيّد قرارا بحلّه وتشكيل مجلس بديل منح فيه لنفسه صلاحيات واسعة تشمل الإشراف على التعيينات القضائية والتنقلات والعزل، وبعد احتجاجات قام بها القضاة والمحامون، صعّد سعيّد حدّة الهجمات على السلطة القضائية، ثم أصدر أمرا أعفى 57 قاضيا من مهامهم، وهو ما ردّت عليه الهياكل القضائية بالدخول في إضراب عام شمل مختلف محاكم البلاد، ورغم حكم المحكمة الإدارية بإعادة 49 من القضاة الذين تم إعفاؤهم فإن الحكومة رفضت تنفيذ الحكم.
تحوّل مجلس القضاء البديل الذي عيّنه سعيّد إلى أداة سياسية لمواجهة معارضة الجسم القضائيّ، فرفع الحصانة عن رئيس جمعية القضاة، أنس الحمادي، ثم لاحقته النيابة العامة بتهمة جنائية اخترعتها لتناسب المطلوب، كما اقتحمت السلطات دار المحامي، المقر الرئيسي لنقابة المحامين.
من الأمثلة البارزة على تلاعب سعيّد بالقضاء وتطويعه لخدمة مصالحه السياسية، مصادقة البرلمان، قبيل انتخابات عام 2023 الرئاسية، على تعديل نقل النزاعات الانتخابية من المحكمة الإدارية المستقلة إلى المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، وبذلك أسند مهمة البتّ في الطعون الانتخابية إلى القضاء المدني لتجريد المحكمة الإدارية من دورها، رغم أن الدستور ينص على وجود محكمة إدارية مستقلة.
قضت إجراءات سعيّد عمليا على استقلال القضاء، واستبدلت مجلسه الأعلى المستقل بآخر تابعا، وأرهبت جمعية القضاة باستهداف رئيسها، وبذلك حوّل سعيّد القضاء إلى أداة سياسية لتمكين سلطته الفردية وإرهاب خصومه، السياسيين والحقوقيين والناشطين المعارضين.
جرت في تونس مئات الاعتقالات تمت بمراسيم رئاسية لـ«حماية البلاد من الخونة»، حسب تعبير سعيّد، وبلغ عدد زعماء الأحزاب المعتقلين 10 منهم 5 أمناء عامين، وزاد عدد المعتقلين السياسيين عن 250، وتراجعت مرتبة تونس في حرية الصحافة من 94 إلى 120 من أصل 180 دولة، وهناك 5 صحافيين مسجونين بسبب عملهم الصحافي، و54 معتقلا من سجناء الرأي من غير السياسيين.
أراد الشعب يوما الحياة، كما يقول بيت الشاعر التونسي الشهير، واستجاب القدر لهذه الإرادة في العام 2011، وكان ذلك فاتحا لزلزال شعبيّ عارم ضرب المنطقة العربية وما زالت آثاره تتداعى حتى الآن، وليس هناك شك أن نضال التونسيين لاستعادة المسار الديمقراطيّ، وإنهاء الدكتاتورية، سيصل إلى مراده مجددا. سعيّد ليس قدرا على تونس، وقضاء التونسيين العادل ستكون له الغلبة على القضاء المقزّم المطواع الذي يصدر أحكامه الجائرة على التونسيين.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية