فن الولادات الشاقة
قصيدة النثر المغربية حديثة عهد، ولم تُثِر زوابع مثلما حدث في المشرق قبل مجلة «شعر» وبعدها. نعم، ظهرت نماذج أولية منها في بداية الأربعينيات ونشرتها مجلة «الثقافة المغربية»، لشعراء محدثين مثل، محمد عزيز الحبابي وإدريس الجاي، ثم كتبها محمد الصباغ بشكل أكثر وعيا، إلا أنها في كل الأحوال ظلتْ في الهامش وخارج اعتراف المؤسسة الثقافية وأدبها المعتمد. عندما أتى جيل الثمانينيات أحدث منعطفا في المشهد الشعري المغربي، وهو يولي هذه القصيدة ما تستحقه من اعتبار. فأخطر ما تَحقق في المنجز النصي لشعراء الجيل هو الانتساب إلى أفق قصيدة النثر، وتبنيه اختيارا جماليا، وهو ما أعاد النظر في العلاقة بين الشعر والنثر، وفي تحويل أوضاع الدال النصي، وبالنتيجة في مفهوم الشعر وهُويته الجمالية ككُل. فمثلما عملوا على الخروج من الثيمات الأيديولوجية وخطابها التبشيري الذي ساد آنفا، بل من تأثير رواد الحداثة في المشرق العربي، سعوا بالقدر ذاته إلى تحرير اللغة من قيود إضافية، وإلى الخروج من الغنائية المفرطة ورديفتها المنبرية، التي كانت تتيحها الأوزان المقننة خليلية كانت أو تفعيلية.
وإذا كانت لحظة قصيدة النثر مع محمد الصباغ رمزية بحكم فرديتها وتاريخها المعزول، ثم مع من جربوها من شعراء الأجيال الثلاثة السابقة بِصيغٍ متفاوتةِ القيمة، وأحيانا في غياب الاعتراف الأكاديمي، إلا أن هذا الجيل هيأ ـ في صمت وصنيع صبور ومُضْنٍ- لحظة محتشدة بالمعاني والإحالات الخفية التي كانت تقطع مع لغة تنتج سائدها بلغة جديدة تَخلصت من أطروحات المدلول وإحالاته الأيديولوجية، فكانت لحظة مُؤسسة بالقياس إلى ما فتحته من ممكنات كتابية جديدة لا تخضع لقواعد مسبقة ومُجْمع عليها، أو على الأقل كانت تفرض قواعد خاصة تُفجرها من داخلها. وقد مالت هذه النصوص أكثر إلى القصر والاقتصاد، وإلى رهانها على اللغة في شرطها الاستعاري- التخييلي، وإلى تشظية وعي الأنا بنفسها وبالعالم، مثلما عملت على تشذير البناء النصي وأولت الدال الأسبقية في تشييد مُتخيلها وشخصنته في آن.
يقول عبد السلام المساوي أحد أفراد هذا الجيل: «شعراء جيل الثمانينيات لم يحققوا مكاسب فنية فحسب، التي تمثلت في تحرير النص الشعري من تابوهات العروض والبلاغة الكلاسيكية، ومن ادعاء التغيير الاجتماعي والسياسي، وتمثلت كذلك في شعرنة اليومي، والتركيز على التعبير بالصورة الجديدة القائمة على الرمز والمفارقة والسخرية السوداء؛ بل إضافة إلى ذلك، غيروا مفهوم الشعر بشكل يساير شكل الحياة التي يعيشونها، ويتفاعل مع الجو الفكري والحضاري الذي أدركوه».
وقد عزز هذا الخيار الكتابي انفتاح شعراء الجيل ومن جاء بعدهم على تجارب شعرية عربية وأوروبية مختلفة، أخذت تنعكس آثارها على نصوصهم وتُعمق عندهم المعرفة بالشعر وسؤاله بما هو أفق مفتوح على المغامرة والتحديث، وليس معطى جاهزا في قوالب جامدة ومطمئنة، يكفي التقيد بها ومحاكاتها، وبالتالي تؤدي إلى «سائد» جديد وقواعد راكدة يتأسن فيها ماء الشعر. وهذا ما قاد إلى البحث عن أفق آخر هو أفق الكتابة المنفتحة على كل الأجناس والمعارف والفنون، وصار العمل الشعري أعز ما يطلب لمن أراد أن يضيف ويخلق.
سألنا بعض الشعراء المغاربة ممن قادوا مغامرة قصيدة النثر، مستقصين وجهات نظرهم حوله، وحول مستقبلها: انحزْت إلى هذه القصيدة وكنت من المتحمسين للكتابة بها. هل ما زالت قصيدة النثر لسان حال الغائبين في التاريخ؟ إلى أي مدى باتت القصيدة تحتفظ بذلك الوهج الذي كان لها في البدايات الطليعية؟
رشيد المومني: الحد الأدنى
لعل أهم مكسب اقترحته علينا قصيدة النثر، هو تحقيق هذا الاختلاف والفوز به بعيدا عن القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة، اللتين تلزمان شعراءها بالوجود بشكل أو بآخر، على الرقعة نفسها، التي مهما تعددت وتنوعت حركية الكتابة عليها فإنها تظل هي هي، مخلصة لمرجعية العام والمشترك، علما بأن خصوصية قصيدة النثر، تتمثل في تدميرها للحدود المشتركة، كي تعبد الطريق تجاه تلك التضاريس الدلالية، المنفتحة على احتمالاتها. وهو ما لم يتم استيعابه من قبل حشود طوفانية من الشعراء، الذين اختزلوها عن جهل، في معادلات لغوية وهندسية ثابتة، لا يتجاوزونها إلى غيرها، فأمست الكتابة تبعا لذلك جاهزة سلفا، وفي غنى تام عن أي مجهود شعري أو فكري يمكن أن يبذل في كتابتها.
لقد تم تلويث فضاء قصيدة النثر، مع استثناءات قليلة طبعا، فلم تعد صالحة لاحتواء أي حياة، حيث ستكون مجبرا على البحث في أطنان من القصائد المتشابهة، والنمطية، عن إمكانية قراءة نص مختلف، ومكتوب فعلا بروح قصيدة النثر، التي يسميها بعض النقاد عن جهل بالشعر المنثور. والملاحظ أن إدمان الكثيرين على هذا النوع من الكتابة – كي لا أقول الشعر- يكون عادة بدافع غياب القوانين كافة، التي كانت من قبل تثنيهم عن كتابة الشعر، حيث لن يكون من الضروري في عرفهم الإلمام بالحد اﻷدنى من قوانين الكتابة الشعرية، التي يتداخل فيها الفكري بالجمالي، خاصة بالنسبة لقصيدة النثر، التي تستدعي كتابتها معرفة مضاعفة بإواليات القول الشعري وبإيقاعاته الأكثر تعقيدا من إيقاعات الخليل، باعتبار أن اﻷمر يتعلق بالانفتاح على إيقاعات الهوامش المنسية، التي ليس من الضروري أن تكون مستوفاة من قبل القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة. إنها الهوامش المقبلة من تحولات المعيش، ومن تحولات اليومي، وأكثر من ذلك، من حالات الإنصات الدائمة إلى أصوات الدلالات الخفية المعتملة في قلب العناصر، وفي قلب الأزمنة المتعاقبة، التي لا يقر لها قرار. وهو ما يوحي ضمنيا باستحالة الحديث عن نموذج جاهز من نماذج كتابة قصيدة النثر؛ ذلك هو رهانها الصعب والقاسي، أن تكون وباستمرار ما لم تكنه من قبل.
محمد بوجبيري: شرط الشاعرية
عندما كنت أكتب، وأنا مراهق، لم أكن واعيا بما أكتبه. كنت أحاول ترجمة أحاسيسي على الورقة البيضاء. كانت في العموم أحاسيس أي مراهق. أذكر، عندما كنت طالبا، أن أحد الأصدقاء قدمني، ونحن في المقهى، لرجل إيطالي مُسن يعرفه على أنني شاعر. كان جواب ذلك الرجل هو أننا في المراهقة كلنا شعراء، وتلا من حفظه باللاتينية عدة أبيات من الكوميديا الإلهية لدانتي، ثم ما تيسر من أشعار بودلير باللغة الفرنسية.
أنا لم أكتب قصيدة النثر بوعي مسبق، الآخرون هم الذين صنفوا ما أكتب في قصيدة النثر، وربما ما كتبته إلى حد الآن يمتزج فيه شكلان هما الشعر الحر وقصيدة النثر. وأنت كباحث وناقد تعرف الحد الفاصل بينهما.
قصيدة النثر نسميها قصيدة تجاوزا؛ فالقصيدة هي بناء خاص له معماره وشكله الهندسي، أما قصيدة النثر فهي متحررة من قوانين الشكل العمودي والتفعيلي، وهي تسعى إلى أن تحقق شعريتها خارج ما يكفي لوجوده ليكون الكلام شعرا، أقصد الإيقاع الخليلي، وأنت كمتتبع تلاحظ أن بعض ما ينشر ليست له صلة بالشعر إلا من حيث الوزن، بمعنى آخر عبارة عن تمارين عروضية خالية من الإحساس الصادق والتجربة الإنسانية. هذا الشكل الذي اصطلح عليه قصيدة النثر، برز فيه شعراء هم الآن أشهر من نار على علم، ولا شك، إذا كنا نؤمن بحركة التاريخ، سيظهر شعراء آخرون سيطورون هذا الشكل باتجاه أفق آخر ربما هو أفق الكتابة المنفتحة على كل الأجناس مع الحفاظ على المكون الأساس، الذي هو الشاعرية.
محمد بودويك: ثراء الحياة
لسان المشائين، السارين والمدلجين، الذي خلعوا عنهم جبة الدرويش، ووضعوا جانبا عصا الراعي، وشرعوا في الرقص والكرنفالية مبعدين عنهم الحشمة والوقار الكاذب والمزعوم، ودائسين بالأحذية الرياضية أعشاب المجاز الضارة، وسراخس الأليغوريا المتعفنة والعطنة. ارتدوا، بكلمة جامعة، «شورت» العوم، و»جينز» الحداثة.
وما أعنيه هنا، إن قصيدة النثر وهي تجترح ما تجترحه من آفاق شعرية يتيه الوصف في الإحاطة بها، ويقصر الطرف دون ملاحقتها وهي تطير، من شجرة إلى شجرة، من مربع شمس إلى مربع آخر، ومن منجز تصويري وتخييلي إلى منجز مفارق ومدهش قوامه تارة: الومض السريع، والقبسة المشتعلة، وطورا: التوقيعة الشعرية المدهشة، أو الكثافة اللغوية المدورة، أو البناء النصي المتمدد والممدود لكن المتحكم فيه. إن قصيدة النثر والتي أسميها، في جملة ما كتبت من وجهات نظر نقدية في خصوصها، بـ»الشعر الحر»، على الأقل ـ فيما نعاينه كاليغرافيا من توزيع للأسطر الشعرية على البياض، وهندسة الجمل وفق استراتيجية جمالية معينة ـ لا تزال سيدة مهيمنة من حيث كمها وتعداد كاتبيها، والمنتصرين لها بما هي مقترح جمالي آخر اقتضاه داعي التطور، والتحول، واهتزاز المثل والقيم. ولا تزال تحتفظ بالوهج الذي كان لها في البدايات الطليعية، لكن على يد أفذاذ يباشرونها، ويتعاطون لندائها، وينخرطون مُلبين طلباتها اللغوية، وإدهاشها الجمالي، وفورتها الفنية. ليس بالشكل الذي تعهدها به أنسي الحاج أو فؤاد رفقة أو محمد الماغوط مثلا، لكن بشكل مخالف حتى وهو يُسامِتُ جيناتها التأسيسية، ويلبي احتياجها وحاجتها النظرية، وإلا، فإنه من اليسير القول بضمورها ويباسها وهزالها على يد جيش من الأدعياء، باشروها وهم خُلْوٌ من كل استعداد وزاد معرفي وثقافي وجمالي. وفي البال، تَحَفظُ الشاعر محمود درويش عليها، أي على نصوص منحطة ارتدت اسمها. كما اعتبرها الشاعر عز الدين المناصرة، «قصيدة شعرية خنثى، وأسمى من يكتبها بالكاتب لا بالشاعر، علما أن المناصرة كتب أعمالا شعرية بها، وفي رأسها: (الكنعانيادا).
ولولا ثلة مضيئة من كاتبيها ـ شعرائها، مبثوثة كالحجر الكريم، هنا، وهناك على امتداد العالم العربي، لكانت قاصمة للشعر العربي ذي التاريخ المجيد والأثيل. أي أن الذين قالوا بصعوبة كتابتها لم ينطقوا عن هوى، بل قالوا ذلك وأياديهم على قلوبهم من أن يتقدم الشكل الشعري إياه إلى المتلقي، وهو نِضْوٌ من جمال اللغة وسلامتها، وَخُلْوٌ من إيقاع جملها وكلماتها وحروفها، وأصوات تلك الحروف..
نور الدين الزويتتي: مفهوم متجاوز
في هذا السؤال ينتصر فيك الناقد على الشاعر، لأن الناقد يتحرى دائما دقة المفاهيم ووضوحها كأدوات ناجعة لمقاربة التجارب والنصوص. مفهوم قصيدة النثر بالفعل أداة أبانت إلى حد ما عن فعاليتها في استجلاء معالم الكتابة الشعرية منذ عقود، إلا أنني أعتقد أن مفهوم قصيدة النثر هو مفهومٌ حداثي بامتياز، أي مفهوم متجاوز للأسف، لأنه مفهومٌ معني بالشكل أساسا، أي بصراع البقاء ضد الأشكال السابقة، سواء كانت القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة، أو النسق السطري للشعر الحر، وبالتالي يبدو أن قصيدة النثر لا تزال تطرح نفسها لدى الكثيرين اليوم على أنها تجسيد للحقيقة الشعرية، أي الشكل الأمثل والأصدق والأحق لكتابة العالم. لكن أعتقد أنها بالنسبة لي غير ذلك، إذ يبدو لي أن قصيدة النثر هي مجرد أفق عرضي توافقي (تم بشكل ما التوافق عليه)، كما لا أعتقد أنني انتصرت لها يَوْما بالحمية والعشق الصوفي الذي يكنه لها الكثير من الشعراء؛ فهي، إذا استعرنا مجددا مفهوم «المهيمنة» The dominant من رومان ياكبسون، لا تعدو أن تطمح إلى أكثر من كونها عنصرا شكليا، هو نفسه محكوم بعوامل تاريخية غير واضحة أحيانا كثيرة، عنصر ينحو إلى الهيمنة على بقية عناصر الكتابة الشعرية، مثلما كان عنصر الموسيقى مهيمنا في فترات طويلة على المكونات الأخرى للقصيدة العمودية.
كما أعتقد أن العديد من الشعراء الشباب اليوم غير معنيين في الواقع بهذا المفهوم لأنهم ولدوا وتربوا خارج مناخ صراع الأشكال، الذي امتد بحدة من الستينيات والسبعينيات إلى الثمانينيات وحتى التسعينيات. وإذا كان لديهم صراع فهو ليس مع القصيدة العمودية، أو التفعيلة بقدر ما هو صراع اليوم مع أصنام مشاهير الحداثة، سواء وعوا بذلك أو لم يعوه بعد. بالمناسبة، فقصيدة النثر لم تطرح نفسها في الغرب بالهوس والتقديس نفسه أحيانا، الذي أحاطه بها الكثير من كتَبَتِها في العربية، ربما لأن الصراع ظل دائما – عندنا- محتدما حول الشكل بسبب طبيعة ثقافتنا التي يميزها الحذر الشديد والحيطة ومحاربة الجديد، عكس الثقافة الغربية التي تميل بطبيعتها إلى الانتصار للجديد، ما كان قد اضطر الشاعر ت. س. إليوت في فترة لكتابة مقالته «التراث والموهبة الفردية» Poetry and the Individual talent، التي يحث فيها مجايليه الشعراء على العودة والاهتمام بالتراث! ما أريد أن أخلص إليه هنا، هو أن مفهوم قصيدة النثر كأداة لفهم الكتابة الشعرية الجديدة قد لا يفيد كثيرا، لأن هذه الكتابة هي خارج سقف النسق الحداثي الذي أنتج عربيا مفهوم قصيدة النثر (أسطر هنا تحت كلمة «عربيا»).
كاتب مغربي