ليزا روزوفسكي
في ليلة الجمعة – السبت وبتوقيت يظهر لامبالاة مطلقة تجاه إسرائيل أو الجدول الزمني لرئيس حكومتها، نشر البيت الأبيض تشكيلة الهيئات التنفيذية لمجلس السلام الذي شكله والذي سيدير قطاع غزة. السبت، وصل رد استثنائي جداً من مكتب نتنياهو: للمرة الأولى وبصورة صريحة، أعلن رئيس حكومة إسرائيل بأنه لا شروخ بين موقفه وموقف صديقه وسيده ترامب، بل هناك فجوة عميقة، إلى درجة الاحتجاج الرسمي والعلني ضد تشكيلة اللجنة الإدارية. هذه التشكيلة تضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والمستشار الكبير لرئيس حكومة قطر علي التوادي، الذي شهد إذلال نتنياهو في الغرفة البيضاوية عندما أجبر على الاعتذار من رئيسه محمد آل ثاني.
حسب مصادر مطلعة، كان نتنياهو على معرفة جيدة بحبة الدواء المرة التي عليه ابتلاعها، وتشكيلة اللجنة تم تنسيقها معه. هذا إضافة إلى أنه كان يصعب ألا نكون على معرفة بنية الولايات المتحدة الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية والعلاقات الوثيقة للإدارة الأمريكية مع تركيا وقطر: لقد تم النشر والإعلان عن كل شيء، ولم يتم إخفاء شيء. مع ذلك، يبدو أن خطوة البيت الأبيض أحرجت نتنياهو، وهو غير مستعد لها لا نفسياً ولا إعلامياً. هذه لحظة غاب عنها رون ديرمر، الذي كان يهمس في أذن البيت الأبيض.
في الوقت نفسه، تبين أن غزة هي بالفعل مجرد ذرة من الرمل، أو حجر الزاوية، في المبنى الشامل الذي يحاول ترامب إقامته: ائتلاف من منقذي العالم الذي يأتمر بأوامره ويعالج مشاكل ونزاعات في أرجاء العالم، بطريقته. وكما تم التلميح له بصورة فظة في الميثاق الذي نشر على الزعماء الذين تمت دعوتهم، فهذا الأسلوب يختلف كلياً عن الطريقة السيئة التي تمت فيها معالجة النزاعات والمشاكل في العالم حتى الآن.
حسب مصادر مطلعة، كان نتنياهو على معرفة جيدة بحبة الدواء المرة التي عليه ابتلاعها، وتشكيلة اللجنة تم تنسيقها معه.
يصعب إنكار أن العقود الأخيرة، خاصة السنوات الاربع الأخيرة منذ عزو روسيا لأوكرانيا، أثبتت أن النظام العالمي الراسخ الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية قد تصدع، تبدو كلمة “تصدع” ضعيفة جداً. هذا المبنى الذي تم هزه مراراً يذكر بالخراب الذي حدث بعد القصف، الذي بصعوبة يوفر لبعض المهجرين ملجأ من العاصفة والهزات الأخرى. ترامب، بالتشاور مع مساعدين والمقربين منه، مصر على تسوية هذا المبنى بشكل نهائي – غزة مثالاً.
ميثاق مجلس السلام تضمن في الواقع بضع كلمات عن أنه سيعمل وفقاً للقانون الدولي، لكن عندما يدور الحديث عن إدارة فرضت عقوبات على محكمة الجنايات الدولية وقضاتها، فمن الواضح أن ليس في هذا فيه أي تظاهر، بل هو خطاب فارغ من المضمون. القانون الوحيد الذي يسود في مجلس السلام هو رغبة رئيسه ترامب.
السؤال هو: أي الدول من بين الـ 60 دولة التي دعي زعماؤها للانضمام للمجلس – حسب عدة مصادر تحدثت مع “هآرتس” – ستوافق على الانضمام بالفعل؟ هؤلاء الزعماء سيواجهون معضلة واضحة؛ فإذا شاركوا في المشروع سيكونون متورطين شخصياً في تدمير العالم القديم، وسيوافقون ضمنياً على إخضاع عالم ترامب ونزواته الجديد. أي قرار يتخذه مجلس السلام، بل وحتى جدول أعماله، سيخضع لموافقة الرئيس. وبإمكانه متى شاء إنشاء هيئات إضافية تابعة للمجلس، وبإمكانه أيضاً عزل أعضائه أو تمديد ولايتهم متى شاء، ومن يساهم أكثر فله رأي في المجلس وبشكل علني. ومن سيتبرع بمليار دولار أو أكثر لتلبية احتياجات المجلس ستمدد ولايته فيه تلقائياً.
هذه الخطوة تنطوي على أخطار كبيرة تمس بسمعة القادة الغربيين. مع ذلك، بالنسبة لدول “الجنوب العالمي” التي تتمتع ظاهرياً على الأقل بمساواة مع الدول الكبرى والقوية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإن إنشاء “أمم متحدة منافسة” ستكون بمثابة قطع الغصن الذي تقف عليه. إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة في الوقت الحالي، وهي الدولة الديمقراطية حسب الدستور، يفترض أن يتقاعد الرئيس فيها بعد ولايتين. فما أهمية مجلس السلام الذي يديره ترامب، الذي يتسم بجنون العظمة، بعد أن يتوقف عن قيادة أقوى دولة في العالم؟
من جهة أخرى، من المؤكد أن هناك دولاً لن ترغب ولن تستطيع رفض عرض ترامب. ومن بين هذه الدول مثلاً الوسطاء الضامنون للاتفاق بين إسرائيل وحماس – تركيا، قطر ومصر – وكل لها أسبابها الخاصة، ولكن السبب الرئيسي هو أن كلاً منها لا ترغب في التخلي عن تأثيرها الكبير في الوضع في غزة وفي النزاع في الشرق الأوسط، ويشغل ممثلوها الرسميون بالإضافة إلى ممثل عن الإمارات، مقاعد في المجلس التنفيذي لغزة، لكن من غير المؤكد أن هذا كاف. في المقابل، هناك تكهنات بأن السعودية التي أعلن ترامب بأن ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان سيكون أول عضو محتمل في المجلس قد تتنازل عن هذا الشرف.
أما دول الغرب فسيكون عليها تقرير ما هو الأهم لها: الاحترام (احترام الذات واحترام القانون)، أو أي إرث متملص معين أو ربما نفوذ على المدى القريب. سيتعين على بريطانيا وفرنسا التخلي عن ثقلها في مجلس الأمن الدولي إذا انضمت لمجلس ترامب، لكن ما الذي يعطيها الحق في استخدام حق النقض الفيتو ضد مؤسسة عاجزة عن اتخاذ أي قرار مهم بسبب اختلال التوازن مع روسيا والصين؟ في كل الحالات، حتى كتابة هذا المقال، لم يتضح ما إذا كانت فرنسا دعيت للانضمام للمجلس. أما بريطانيا فقد حصلت على دعوة، حسب عدة مصادر. وحسب مقال نشرته “التايمز” قبل بضعة أيام، فإن رئيس الوزراء كير ستارمر يعتزم الانضمام. وتزعم بعض المصادر بأن ترامب لن يتردد في دعوة زعماء دول لا تعتبر ذات نفوذ كبير لهذا المجلس، مثل السلفادور والبارغواي. أما نتنياهو فلم يُدعَ حتى الآن.
ميثاق المجلس يتضمن بنداً مثيراً للاهتمام ينص على عدم وجود مجال للتحفظات. بلغة ترامبية بسيطة: إما القبول أو الرفض. سيتمكن أعضاء المجلس من إضافة بنود إليه بأغلبية كبيرة وبمصادقة ترامب، لكن بعد موافقتهم على الانضمام. الإعلان عن المجلس عشية عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس قد يهدف إلى زيادة الضغط على المدعوين: سيجبرون، حرفياً تقريباً، على اتخاذ قرارهم في غرفة في جبال الألب في سويسرا، ويفضل أن يكون ذلك قبل ساعة فقط على انعقاد المنتدى.
الخطوة التي بدأت الأربعاء، عندما أعلن ستيف ويتكوف عن لجنة التكنوقراط، والتي استمرت بتغريدة ترامب حول مجلس السلام، وبعد ذلك الإعلان الرسمي للبيت الأبيض، حصلت على دعم سابق ومتحمس من السلطة الفلسطينية وحماس والفصائل الأخرى. الأربعاء، وصف نتنياهو هذه الخطوة بأنها “مجرد إعلان”، وبعد ذلك صمت لثلاثة أيام. وفي مساء أمس، احتج. يبدو أن دور وزير الخارجية جدعون ساعر (وضمنياً دور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو) في هذا المشهد، هو دور شكلي في المقام الأول؛ فاحتجاج نتنياهو من خلال ساعر كان يهدف في الحقيقة إلى التقليل من شأن الحدث وعدم تحويله إلى مواجهة مباشرة مع ترامب، سواء تعلق الأمر بمحاولة لإعادة الإعمار في غزة أو للتشويش على النظام العالمي، فإن قطار ترامب انطلق، وما بقي لنتنياهو هو التلويح على الرصيف.
هآرتس 18/1/2026