ع هدير البوسطة

لمّا بلغني خبر وفاة زياد رحباني، كنتُ في حضرة شلال (سيبه) في مدينة عقرة في شمال العراق. لم أستوعب الخبر جيّداً، فصالبتُ ذراعي، وبقيت دقائقَ أراقب سقوط عمود الماء من ارتفاع حوالي خمسة عشر متراً، هو علوّ الشلال، إلى أسفل. كنت في الحقيقة أتأمّل المشهد بقلبي، لأن المرء عندما يحزن يقوم فؤاده بجميع مهامّ الجسد، ويغدو عندها لا شيء غير كتلة صلدة من العاطفة. بالنسبة إلى ديكارت، فإن «الأشياء تحدث تباعاً». نعم، هذا هو حال الدنيا يا فيلسوفنا العظيم، كما لو أن بعضها يتصل ببعض مثل الدواليب؛ فبينما قرأت في الصحيفة عن رحيل زياد، حتى رفعت رأسي إلى أعلى الشّلال، ورحت أتطلع إلى سيل الماء ينزل ويتدفّق. هل يجري كل شيء في الكون بهذه الدقة، مثل قطعة موسيقية متقنة التأليف والتوزيع والأداء؟
يقول الشاعر يوهان أكليف: «للموت رائحة تفاهة لا توصف». فجأة، وبينما كنت أقيم في مكان ذي طبيعة ساحرة، احتلّتني هذه الرّائحة دون هوادة، وغطّتني ومعي الشّلال والبحيرة والأشجار… ولأني تركت التدخين منذ زمن طويل، أشعلتُ بحركة لا إرادية سيجارة وهميّة، وطفقتُ أعبّ دخانها ليملأ صدري، وأنا أتذكّر سنيني.
العام هو 1980، السنة الأولى لي في كلية الطبّ، وكانت الحرب مع الجارة إيران تقرع الأبوابَ بقوّة، وشراسة حزب البعث في الاعتقالات والتعذيب والإعدام يجرّبها العراقيون أول مرة. وفي نوع من التعويض عن بؤس العالم ولا معقوليته، كانت أغنية فيروز «ع هدير البوسطة» تضجّ من خلال مكبّر الصوت في النادي الطلابي في الكلية.
«موعود بعيونك أنا موعود/ وشو قطعت كرمالن ضيع وجرود»
كل شيء كان يتهاوى من حولنا، والعالم يهدر بأخبار الحرب المرتقبة وفظائع السلطة الحاكمة، وقام الجمال والحسن والصفاء في عيون الطالبات، بالإضافة إلى سحر الأغنية، بدور الترياق للجنون والعته اللّذيْن يغلّفان البلد.
التاريخ الذي ظهرت فيه الأغنية شكّل منعطفاً حادّاً في تاريخ العراقِ والشرقِ الأوسطِ كلِّه. غادر الشاه إيرانَ مطروداً، وراحت الثورة الخمينية تتسع في البلاد. جميع الحكومات في المنطقة أصابها الذعر من هذا التسونامي، وحزب الدعوة المحظور يعمل بكل نشاط، غايته إقامة جمهورية إسلامية في العراق، وكان ردّ فعل حزب البعث شرساً في المقابل. أيّ شُبهة اهتمام بالدين وانقطاع له تأتي على صاحبها من الطلاب والطالبات بيننا بالاعتقال، وهذا يعني الاختفاء التامّ، إلى النهاية. كما أن جميع العراقيين صاروا يشعرون أنهم في المركز، في بؤرة الانتباه، أو على الأقل في مجال رؤية مؤسّسات الحزب الأمنية الكثيرة في البلد. لقد تهاوت السكينة والدَّعة التي كنا نعيشها، وصار الوطن مثل ريح في كومٍ من غبار، ولم يكن أحد يتجرّأ على الكلام؛ «خراب عقد قرانه على الصمت»، بتعبير هيرتا موللر، الأديبة الرومانية وهي تصف ديكتاتورية تشاوسيسكو.
كان الوقتُ مبكّرًا والجوُّ حارًّا والهواء بالغ الرّطوبة، ثم أخذت الشمس تشرق فوق الجبال المحيطة، ولا أحد غيري من السائحين يزور المكان، لأنهم كانوا سادرين في نومهم. ثم رحت أستمع للأغنية في جلستي قرب الشلال بواسطة «الموبايل»، الإيقاع والسرعة وخطّ اللّحن:
«إنت عيونك سود وما انك عارفه/ شو بيعملو فيي العيون السود»
شعرتُ بقوّة هائلة في الكلمات رغم بساطتها، وكنت جامحًا ومثارًا حين انبعثت وبصورة غريبة في الجوّ رائحة زياد رحباني. هل جرّبتم الهدوء المقدّس في حضرة من اختار أن لا يجلس في القارب، ويتفرج على الآخرين يغرقون، وانتقلت إليكم حمولة طيّبة من رائحته؟ يبدو أن زياد كان يعرف الكثير عن بلده، فثمة من يغرق دائمًا في اللحظة الواحدة، وكلّ فعل يبدو غير ملائم. تشبه ظروف لبنان إلى حدّ بعيد ما حلّ في بلدي. الحرب الأهلية والانقسامات السياسية والتبعيّة للخارج؛ بعد كلّ هذا وذاك صار واقع الحياة مختلفًا، وليس من باب الصدفة أن يعبّر زياد عن هذه الحقيقة بواسطة أغنية كانت كلماتها جديدة في زمانها، فهي عادية ومهلهلة الشّكل والمعنى: «يخرب بيت عيونك يا عليا». ابن «جارة القمر» يسبّ حبيبته ويكفر بجمال عينيها، في طريقة غريبة للإعلان عن حبّه، تمامًا مثلما يفعل الخبّاز والقصّاب والعامل الذي لا يعرف كيف يفكّ الحرف. بالإضافة إلى ذلك، ثمة صفير حادّ وانفجار مع فرقعة تتخلّل الموسيقى. غير أن لصوت فيروز القدرة على تنقية الكلام من عاديّته، والارتفاع به إلى مستوى النّشيد. وعندما صاحت السيدة في أذني: «يا عليا شو حلوين عيونك»، استعدتُ ذلك النّوع من الهياج الغريب الذي شعرتُ به وأنا طالب، أفكّر أن فيروز كانت قد استوعبت مآلات ما يدور في أجنحة السلطة الحاكمة من خطط لإبادة النّاس، فهي تُعلن احتجاجها بهذه الطّريقة.
يُقال عن اللغة إنها «الصّمغ» الذي يضمّ أفراد الأمة ويشدّ بعضهم إلى بعض. لقد تغيّرت ماهيّة هذا الصّمغ واختلفت الطريقة التي يُخرج بها الناس عواطفهم من صدورهم، وليس هناك أرقى من الفنّ عندما يقدم صورة أمينة للواقع. صنع زياد لحنًا لهذه الأغنية يتأقلم مع البنية الجديدة للمجتمع. القتل والتهجير والتجويع صار التعبير عنه على شكل كسرات جمل متقطعة على نحو عشوائي. لقد (تبلبلت) كلمات الأغنية لأن الدنيا تغيّرت، أفقدتها الحربُ الصّفاءَ والعذوبةَ بعد أن كانت في الماضي مقدّسة، وتُنسب إليها، بما تمتلك من جزالة في اللّفظ وصور شعرية، مكانة خارج ما يفهمه الشّخص العاديّ. ما معنى «وعيونك الصيف وعيوني الشّتي»؟ يمكننا الاكتفاء بأيّ لغط مما يسمعه أحدنا ضمن الصّخب في المقهى والشّارع، كلام دون مضمون أحيانًا، أو أغنية خالية من الكلمات. لقد وُلدت أغنية جديدة مخالفة لما هو رائج، تستوعب كل شيء وتكشف كثيرًا من الأسرار، وتعتمد على النغم والموسيقى فحسب. ليس مصادفة أن الانتقالة التي طرأت على ألحان زياد، تزامنت مع تدهور الوضع في بلداننا، واختلاف ديناميكية الحياة فيها. في البدء كان الأمر يبدو غريبًا. الآن، لا يبدو كأن هناك أي شيء غير عاديّ حياله، وكان هذا رهان زياد رحباني الصّعب، وقد نجح بعيدًا في رهانه، إلى درجة تبدو لنا الألحان القديمة الآن منغلقة وراكدة.
البؤس في الرّوح، والأغنية هي الحياة. كان لدينا في العراق ما يُدعى بالأغنية السّبعينيّة، اشترك فيها عمالقة الشّعر واللّحن والأداء، في صورة قريبة جدًّا من نتاج الرحابنة الأب والعمّ. عندما تغيّر الزمان إلى الثمانينيات والتسعينيات، وحتى الآن، نجد في بعض الأحيان أن الشاعر والملحّن والمؤدي ما زالوا أحياء، لكنهم لم يقدموا لنا أعمالًا تمتّ بصلة إلى إبداعهم في الماضي، والسبب يعود إلى اختلاف ظروف الحياة، بما فيها من بناءات ثقافية وأنساق فكرية، فلم يكن بمقدور هؤلاء، بسبب الوهن الذي يصيب الموهبة، عكس الصورة الجديدة للمجتمع، فإذا حاولوا كانت النتيجة عبارة عن مجموعة من الأخطاء. لهذا السبب، خلت الأغنية العراقية منذ ذلك الزمان من أعمال عظيمة، واحتلّ الساحة كاظم الساهر بأشعار وألحان أغلبها لا علاقة لها بواقعنا وطريقة عيشنا. رغم شهرة أغاني (القيصر) الواسعة، لكنها لا تعطي صورة لروح العصر ولا تمثّل طبيعته.
هناك أغانٍ يتمّ التخطيط لها في الأستوديو، إلا أن مرجعياتها غير واضحة، تأخذ الجمهور إلى الاتجاه المعاكس وتزيده تأزّمًا. العاطفة والحماسة اللتان يتطلبهما ترقيص الجماهير، ليستا مهمّتين دائمًا. عندما تكون الأغنية منقطعة عن الواقع، فإن هناك شيئًا حميميًّا وخصوصيًّا جدًا يأبى على التواصل، وهذه رسالة الموسيقى الأهمّ، فيبدو المغنّي عندها كأنه يزعق وسط قطيع. في المقابل، يستطيع الفنان زرع الإيمان بموسيقاه لدى الجمهور، عندما يكون متشرّبًا بتطلعاته وهمومه، بواسطة سلسلة من الأصوات التي ربما فقدت معناها، تتخلّلها موسيقى من أقواس طويلة لإحدى الآلات أو مستقيمات بزوايا حادّة. إنها ليست حيلة تقنية في عالم التّلحين والتوزيع، بل رباط تكافليّ بين الموسيقي والمستمع، حين يتمّ على نحو حقيقي لا يمكن أن يُفكّ أبدًا. بعد الحرب الأهلية، جرى تغيير كبير في المجتمع اللبناني، يقارب النكوص والانتكاس والانحلال، جابهه زياد بنغمات مجبولة من طينة العصر، تمكنت من تمثيل حاجات إنسانيّة لدى الجمهور هي الأعمق، وانتقلت بموجبها هذه الرّابطة إليه، فشدّت بين أركانه. بهذه الطريقة، نجح زياد في إتمام رسالة الرحابنة الأولى، فلم يحدث انقطاع في سِفْرهم العظيم، وهذا دليل على عبقرية نادرًا ما يجود بها الزّمان.
الأهمّ من العاطفة والحماسة في الفنّ، بصورة عامة، هو التّأثير. هل نستطيع القول إن ما قدّمه الرحابنة كان له دور في تأسيس بعض الاستقرار الذي امتاز به اللبنانيون، قياسًا بشعوب قريبة عاشت ظروفًا مماثلة؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية