في طريقي إلى العمل، الوقت مبكر، الصبح لم يتنفس، أفتح المذياع تغني امرأة من جماليات العصر القديم: «قولوا لعين الشمس ما تحماشي». في الإدراك الاستعاري البسيط للشمس، يمكن أن نراها بحكم استدارتها كعين، لكن أن نرى في العين عينا فهذا أمرٌ إدراكي معقد.
هناك شيء أعمق من أن تقول إن وراء «عين الشمس» استعارة هي كيف اشتغل الذهن وهو ينتجها؟ هذا السؤال هو أهم ما يشغل المهتمين بمعالجة الذهن للمعنى. بعبارة أخرى إننا حين نقول إن في «عين الشمس» تشخيصا لأكبر النجوم وهي الشمس، وإننا استعرنا لوصف هذا النجم شيئا من تجربتنا مع أجسادنا وهي العين استعارة جعلتنا نرى أن للشمس عينا، مثلما أن للشخص عينا، وإن عين الشمس كعين الشخص ترى نورا، لكنها يمكن أن تصدر نارا حارقة. نحن إذن في «عين الشمس الحامية» مع طبقات استعارية مركبة جمعنا فيها تجربتنا مع النظر ومع النار ووضعناهما في العين، ثم استعرناهما للشمس المبصرة الحارقة ببصرها.
كيف اشتغل الذهن وهو يبني تجربته مع الشمس على أنها عين حارقة؟ طبعا يمكن أن نذهب مذاهب العرفانيين، الذين يقولون إننا نبني الأكوان بالطرق التي نتمثلها؛ بعبارة أبسط نحن لا نرى شمسا تنشر الضياء، وتنير الأفق فهذه طريقة في تمثل فعل الشمس في الخارج؛ نحن في «عين الشمس الحامية» نتمثل الشمس من وجهة نظر أخرى: إنها حارقة يمكن أن تؤذينا. وحين تحرقنا الشمس فإننا نبني تجربتنا معها بالقياس مع تجربتنا مع النار التي نشعلها فتحرقنا؛ ليس هذا فقط بل إن إدراكنا لحرق الشمس بإسقاطه على حرق النار، يكون من بوابة مخصوصة: إن الشمس ليست نارا مرسلة، بل إن إرسالها النار يكون من بوابة ضيقة هي العين. العين ههنا متاهة يمكن أن تذهب بك في التأويل مذاهب، أهي العين المبصرة أم العين المنبع؟
الجواب على الكيفية التي اشتغل فيها الذهن وهو يستعير لها تجربة العين الحارقة، لا يمكن أن يكتفي بهذا المسار التصوري في إدراك الذوات تجاربها مع النار الحارقة. يمكن أن يتخذ مسارا فنيا اتخذه الفنانون السيرياليون. يعتبر أندراي بروتون، أبرز منظري هذا الاتجاه، أن السيريالية «آلية نفسية محضٌ، نعبر بها سواء بالمكتوب أم بالشفوي أم بغيرهما من الوسائل، عن العمل الحقيقي للفكر بأن يُملي الفكر ذلك التعبير من دون أي رقابة يمارسها العقل». بهذا المعنى فإن جعل المتكلم للشمس عينا حارقة، هو ضرب من التعبير ينفلت فيه الفكر، وهو يعبر عن انفعالاته تجاه الشمس عن رقابة العقل، فلو راقب العقل هذا التصور لهذب منه الشيء الكثير، وأخرجه مخرجا عقليا يمكن أن يتطابق فيه مع الحقائق المعقولة.
إن «رقابة العقل» على الفكر، لا وجود لها في أطاريح العرفانيين من اللغويين الذي يستمدون أفكارهم من نتائج علم الأعصاب، أو من علم النفس العرفاني، أو من غيرهما من نتائج الاختصاصات التي تفيد في ما يتعلق بالمعالجة الذهنية للأنشطة البشرية. تعالج اللغة ذهنيا بالأشكال التي تعالج بها بقية الأنشطة. فأن أقول إني أرى الشمس كالعين الحارقة، هي طريقة ممكنة من إدراكي أنا للشمس التي تلحق حرارتها بي ضررا؛ هي معالجة جاءتني من تجربتي مع جسدي حين يتعرض للنار الحارقة، ومع جسد غيري حين ترمقني عينه بشيء من القسوة القاتلة. ليس في الأمر رقابة للعقل على الفكر، بل في الأمر تفاعل بين الإدراك والتجارب التي لي مع جسدي ومع الكون.
يقول علماء النفس والأعصاب العرفانيون، إن للإنسان قدرة من القدرات العرفانية هي القدرة على التصوير Mental imagery وسوف أعرّبها بالتصوير الذهني (وأقبل أي تعريب آخر يراعي المفهوم فلا مشاحة في الاصطلاح). في علم الأعصاب يفسر التصوير الذهني بأنه عملية محاكاة عرفانية يمكن من خلالها تمثيل المعلومات الإدراكية في أذهاننا في غياب المدخلات الحسية المناسبة.
يمكن أن نتدرب على إنتاج تصوير ذهني بتخيل الشمس، ومن اليسير أن ترسم عن الشمس صورا مختلفة في ذهنك، ومن الممكن مثلا وأنت ترسم لها صورا أن تستحضر معلومات عنها تعرفها، من بينها أنها حارقة، وأن ما يحرق فيها هو نواتها التي تشبه العين، وأن العين نفسها يمكن أن تكون حارقة وغير ذلك. أنت تتمرن إذن على أن تنتج تصويرا ذهنيا للشمس، وحين تتمرن تأتي إلى ذهنك أشياء عجيبة تشبه صور السيرياليين، التي يقولون عنها إنه لا رقيب للعقل عليها. تبدأ الصور في ذهنك عفوية بسيطة، ربما لكنها يمكن أن تذهب بك إلى أشكال أكثر تعقيدا. ومن المحتمل أن طريقتك في تصوير الشمس تصويرا ذهنيا ليست كطريقتي في تصويرها ولا كطريقة من قال في أمثالنا إن فلانا «يغطي عين الشمس بالغربال».
توهمنا التصويرية التقليدية أن في الأمر جيشا فعليا، وأن عين الشاعر كعدسة المصور ركزت على مشهد موجود وكبرته.
هذه الشموس ليست كشمس المتنبي وهو يصف جيشا خَمِيسا يمر بجلبته وأصواته فيقول ( تَـــمُــر عَـلَـيْــهِ الـشـمْـسُ وَهـيَ ضَـعِيـفَـةٌ * تُــطَالِـــعُـهُ مِنْ بَـيْنِ رِيــشِ الــقَـشَـــاعِـــمِ). تعامُلنا مع هذا المشهد تعاملا كلاسيكيا تحت عنوان التصويرية الشعرية، سيجعلنا ننظر إلى هذا البيت على أنه لغة مجازية أو فنية، تمثل الشمس والطير تصويرا يثير فينا انفعالات وتأثيرا جماليا. في هذا التصور يكون التصوير عموما شكلا فنيا لوصف يروق لمشاعر القراء، ويلهب خيالهم وهو إلى ذلك ينقل مشاعر يراد منها أن تؤثر. مازلنا نمارس الشروح من منظار التصوير الشعري، فنرى البيت السابق على أنه مشهدية فريدة من نوعها، لكن لا شك في أنها واقعية أو ممكنة الوقوع.
توهمنا التصويرية التقليدية أن في الأمر جيشا فعليا، وأن عين الشاعر كعدسة المصور ركزت على مشهد موجود وكبرته. هذا تصور لا يلائم معطيات التصويرية الذهنية، التي تجعلنا نرى الشاعر وهو ينتج صورا ذهنية داخلية هي جزء أساسي من مشهد عقلي لا واقعي؛ وأنه بعد أن جرّب توقعاته أخرج بعضها في الكلام إخراجا ليس دوره التأثير، بل دوره أن يقول إن هناك إمكانا مشهديا ما يمكن أن يبنى وأنا بنيته.
ليس المطلوب محتوى للصورة بل طريقة تصورها أيضا؛ هي تجريب لكيفية بناء المشهد الذهني بناء يجمع صورا ممكنة كثيرة سمعية (جلبة الجيش) وبصرية؛ سكون الجلبة كان بتقوية الإدراك البصري للشمس. صورة الشمس هذه ليست ذات عين حامية لها بريق خافت؛ لينُ حرارتها يدعوك إلى رؤيتها غير أن ذلك يدعو إلى تركيب تصويري جديد: رؤيتها من خلال ريش النسور؛ غير أنها وضعت في مشهد جمالي ليست فيه عنوانا للموت بل للجمال؛ هي ستائر تنسرب منها خيوط الشمس. إنه تصوير ذهني فيه اختيار لعناصر المشهد ولطرق عرضها: لا نرى الطائر عبر الشمس، بل نرى الشمس عبر الطائر. يقول المتنبي لاحقا: «إذَا ضَـوؤُهَـا لاَقَى مِـنَ الـطـيْـرِ فُـرْجَـــة ٭ تَــدَورَ فَــوْقَ الـبَـيْـضِ مِـثْـلَ الـدرَاهِـــــــمِ». لا ينتهي المشهد في الذهن حين يتسرب الضوء من ريش النسر، ينبغي متابعة الضوء لكي يتخذ هيـئة دائرية ليست كالعين هذه المرة؛ بل هي هيئة الدرهم: إن كنت غنيا تخيلت الدرهم شمسا ذهبية، وإن كنت متوسطا فليكن فضيا، انعكاس قرص الشمس على البيض هو انعكاسٌ محبوبٌ يرمي إليه كل شاعر يرحل في لفح الشمس مع جيوش لا علاقة له بها، ومع نسور تبحث عن القوت من خلف الموت؛ إلى رجل يمكن أن يحول شعاع الشمس إلى دراهم: إنها مشهدية ذهنية تعمل بطريقة الخيميائيين القدامى: هم يحولون التبن إلى تبر، وهو يحول الكلام إلى صفات فيحول الممدوح كلامه إلى دراهم.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية