عن رقصة التانغو بين الغرب وإيران

ابتكر الأكاديمي السوداني عبد الله علي إبراهيم تشبيها فريدا للحرب السودانية، حيث شبهها برقصة التانغو، التي يجب حين تتابعها أن تتابع حركات الطرفين الراقصين، حيث تقوم الرقصة على مبدأ الفعل ورد الفعل بينهما. يحكي إبراهيم أنه تلقى انتقادات واسعة بسبب هذا التشبيه، حيث رأى منتقدوه أن عملا شنيعا كالحرب، يجب أن لا يتم تشبيهه بالرقص والتسلية، إلا أنه دافع عن نفسه بالقول، إنه لم يكن يهدف بأي حال لتجميل وجه المأساة.
في رأيي، فإن التشبيه عميق، فهذه الرقصة اللاتينية تمتاز بالارتباط الوثيق بين الطرفين الراقصين، اللذين يجب أن يكونا على تفاهم حتى لا يقوم أحدهما بخطوة خاطئة، لكنني أرى أن هذا التشبيه ربما يكون أقدر على وصف حالة الصراع الإيراني الغربي، خاصة في ظل ما تابعناه خلال الأسبوعين الماضيين. التفاهم حول الهجمات، التي ظهر أنها لم تكن مباغتة أبدا، على الأقل في ما يتعلق بالضربات الإيرانية، والطريقة التي توقف بها كل شيء وانتهت بها أيام من التوتر والتعبئة، كانت تجعل الصورة النهائية أقرب للعبة، أو رقصة، تحكمها اتفاقات مسبقة.
الطريف في هذه الحرب، إن جاز التعبير، هو أن الأطراف الثلاثة خرجت منها وهي مؤمنة بأنها حققت انتصارا، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن افتخاره بإعاقة المشروع النووي الإيراني، الذي تدمرت أجزاء حساسة منه، في المقابل فإن كلا من بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني كانا يعلنان أنهما لقنا «العدو» درسا لا ينسى.

هناك من يشكك في أن الضربات الأمريكية استطاعت بالفعل خلق ضرر لا يعوض للمشروع النووي، هذا قد يعود لاستعداد إيراني مسبق وقيام السلطات بنقل المواد الحساسة إلى مكان آمن

يتحدث ترامب كثيرا عن إنهاء المشروع النووي، ولكن هل يمكننا أخذ ذلك على محمل الجد؟ أم أن تلك هي مجرد دعاية لتبرير وقف الحرب، بعد أن شعر الأمريكيون للحظة بأنهم تورطوا في محرقة جديدة قد تكون أوسع وأعقد مما خططوا له بسبب التشابكات المعقدة، التي تربط إيران بمحيطها الإقليمي؟ إذا كان ذلك المشروع قد تدمر بشكل تام فعلا، بعدما أعلن من تدمير ثلاث منشآت لتخصيب اليورانيوم، فإنه لن يكون هناك مبرر للتفاوض، أو أنه يمكن أن يكون هناك تفاوض لكن بشروط مختلفة يتم فيها تهديد إيران بشكل صريح بأنها إن لم تتعاون فإنه سيتم ضربها مجددا خلال السنوات المقبلة، أي بمجرد التقاط أنفاسها وتقدمها مجددا في مجال التحضير والتخصيب.
هناك من يشكك في أن الضربات الأمريكية استطاعت بالفعل خلق ضرر لا يعوض للمشروع النووي، هذا قد يعود لاستعداد إيراني مسبق وقيام السلطات هناك بنقل المواد الحساسة إلى مكان آمن، لكنه قد يعود أيضا لعدم رغبة الأمريكيين في تحقيق ضرر كامل وشامل. حسبما ذهبت إليه مصادر صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، فإن من المؤكد أن كمية اليورانيوم المخصب، التي كانت تملكها إيران هي أكبر بكثير من احتياجات الأغراض السلمية، أما تقييم مسؤولي الدفاع فهو أن الضرر، الذي تحقق بفعل الهجمات، وإن نجح في تعطيل العمل في المنشآت النووية لعدة أشهر، لكنه ليس كافيا للقول إن الطموح النووي تم إنهاؤه. الصحيفة الأمريكية تعتبر أن هناك أمرا آخر قد يحدد مصير اللعبة، وهو المتعلق بأجهزة الطرد المركزي، والسؤال، الذي تطرحه، من دون أن تجد إجابة عليه هو: هل تم تدمير هذه الأجهزة فعلا، أم أنها نجت بشكل أو بآخر؟ زادت إيران العالم حيرة حينما أعلنت على لسان برلمانها رفض التعاون مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذين كان يهمهم القدوم لطهران من أجل تقييم الأضرار ومعرفة الموقف. إيران لم تكتف بذلك، بل أعلنت أنها لن تسمح بدخول مدير الوكالة روفائيل غروسي، الذي تتهمه بالتجسس، على أراضيها. بالنسبة للمراقبين الدوليين فإن هذا تعنت لا مبرر له. ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، أدان في منشور له السبت الماضي على منصة «إكس» الموقف الإيراني وما ظهر من دعوات تنادي باعتقال وإعدام غروسي. المنطق الغربي يقول إنه إذا كانت إيران جادة في البحث عن مشروع نووي للأغراض السلمية، فإنه سيكون مطلوبا منها أن تضاعف الشراكة والانخراط مع الوكالة النووية ومع الفاعلين الدوليين، الذين لا يمانعون، من ناحية المبدأ، في حصولها على التقنية النووية السلمية. مطالب الشركاء الدوليين، الذين تعبر عنهم الوكالة، هي مزيد من الشفافية، خاصة ما يتعلق بمخزون اليورانيوم، الذي يجب أن لا يتجاوز كمية معينة. الوكالة تعتبر اعتماد مخازن سرية، وفي عدم مشاركة المعلومات معها بشأن تفاصيل ما تحقق من البرنامج النووي، خرقا للاتفاق، الذي يربط الطرفين. البديل للتفاوض سيكون استمرار الغرب، عبر وكيله الإسرائيلي، في استهداف مواقع ومظان للعمل النووي من حين لآخر، وهو ما ستكون له تكلفة كبيرة ولا يمكن التقليل منها.
الاحتفال الإيراني بالانتصار والدعاية، التي كانت أقرب لمبالغة، بشأن تدمير القدرات العسكرية الإسرائيلية، لم يكن لهما أن يخفيا حقيقة أن الضربات، التي تلقتها طهران كانت موجعة حقا. عدد من المواقع الحساسة والحيوية تم تدميرها وعدد كبير من العلماء المتخصصين في المسألة النووية، والذين يصعب تعويضهم تم اغتيالهم، كما أن الأمر تعدى ذلك كله، وصولا لتدمير مقار أمنية بما تحويه من كوادر كان يفترض أن تكون مسؤولة عن تأمين الشخصيات المهمة والمواقع الاستراتيجية.
إذا كانت هناك تقديرات مختلفة حول نسبة ما أصاب البرنامج الإيراني النووي من تدمير، فإنه لا يوجد خلاف على أن إيران أصبحت أضعف، وأكثر انكشافا بعد الاستهداف المكثف لمنصات إطلاق الصواريخ، ما يجعل من الصعب عليها في المستقبل القريب تكرار عملية استهداف الكيان، وذلك أولا بسبب ما تم فقده من تلك صواريخ، ثم بسبب السيطرة الإسرائيلية المتعاظمة على الأجواء.
في المقابل فإن الغرب، الذي كان يراهن على أن تقود الأحداث لإسقاط النظام، وهو ما تحدث عنه الرئيس الأمريكي بصراحة، فشل في مسعاه، لكن بالنسبة للبعض فإن في هذا الفشل مصلحة للراغبين في السير في طريق فرض التفاوض بشروط قاسية، لأن بقاء النظام ضعيفا ومحاصرا، بعد أن فقد كثيرا من عوامل قوته هو أفضل بكثير من الوقوع في شباك الفوضى، التي يمكن أن يتسبب بها تغيير قد لا يمكن التحكم بالكامل فيه. الانكشاف الأمني، الذي سمح بأن تكون الضربات محددة وموجهة بعكس الضربات الإيرانية، التي كانت أغلبها عشوائية، يجعلنا نميل إلى أن الأمريكيين لم يكونوا جادين في استهداف المرشد. الرجل، الذي يمتلك رمزية خاصة عند الملايين من أتباعه، والذي كان يمكن لمقتله أن يصعب من عملية التفاوض، أو يصعب حتى جهود الهدنة والتسوية.
داخليا تواجه النظام الإيراني ضغوط المعارضين المطالبين بالإصلاح والتغيير، كما تواجهه من جهة أخرى صدمة المناصرين العقديين، الذين باتوا يتساءلون عن مصير سردية النظام المبنية على الوعد بتدمير الكيان خلال دقائق معدودة، في حال تجرأ على القيام بهجمات داخل الحدود. ما أوضحته الحرب هو أن كل هذا كان مجرد دعاية غير جادة وغير واقعية. إذا أضفنا لهذا الضعف العسكري والانكشاف الأمني، الذي قد يسمح بتكرار الاستهداف مرة تلو مرة، فإنه لن يكون هناك مفر من قبول التفاوض وفق الشروط الأمريكية، التي سوف تشمل البرنامج النووي، ولكن أيضا السياسة الخارجية الإيرانية.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية