عن العام الجديد وشتاء غزة القارس: نتنياهو يعود من واشنطن محملا بالوعود ويمكنه عمل ما يريد وبدعم من ترامب

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تتشابه الأيام والأعوام بالنسبة لأهل غزة، ينتهي عام من الحزن ليبدأ عام آخر وتسير الأيام وهم محاصرون، في وقت يمعن فيه عدوهم بقتلهم واضطهادهم وابتكار أدوات محاصرتهم وتجويعهم وحرمانهم. سيتذكر الغزيون في قابل السنين أن العامين الماضيين كانا لا غير تدمير وقصف وتشريد، حيث كانوا يستفيقون على رحيل بعد رحيل ودمار لممتلكاتهم وقتل مستمر لأبنائهم وأعزائهم، هم يرحلون بلا أمل للعودة إلى بيوتهم التي دمرت مع ذكرياتهم وعرق جبينهم في التراب.

صور العام الجديد

ولهذا عندما بدأ العام الجديد، كانت صور الاحتفال ببداية 2026 زاهية ومضيئة وتسابقت المدن حول العالم لإنفاق الملايين وربما المليارات على الألعاب النارية، لكن صورة واحدة وفريدة برزت من بين الصور هي ترحيب الغزيين بالعام حيث حفروا على رمال غزة رقم العام الجديد بلأحمر وتركوا للرياح والأمطار لتمحوه، فشتاء غزة هذا العام كان قاسيا، والعدو حرمهم من الحصول على الخيام القوية التي تقاوم الأعاصير والأمطار، والنتيجة أن المأوى الوحيد المتوفر لديهم أغرقته الأمطار ومات الأطفال من البرد والأمراض. وتواصل إسرائيل سياستها الممعنة بتعذيب الفلسطينيين، فلم يبدأ شهر كانون الثاني/يناير إلا وأصدرت أوامر بمنع37 منظمة إنسانية وطبية من العمل في غزة والضفة الغربية، بحجج واهية ومطالب تعجيزية، ولم تجدد تصريحات العمل لها، ومنها منظمة أطباء بلا حدود، التي يعتمد الآلاف في غزة على خدماتها الطبية، إلى جانب نزعها الحصانة الدبلوماسية عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وإنزال علم الأمم المتحدة عن مقرها ورفع العلم الإسرائيلي.
والغريب أن العام السابق انتهى بدون خطط لغزة ما بعد الحرب، فكعادته استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مار-إي- لاغو بفلوريدا وأكد على صداقته وعلاقته الوثيقة. وعاد نتنياهو الذي سجل الرقم القياسي في لقاءاته مع ترامب محملا بالوعود وخاصة خططه لضرب لبنان وتعهد ترامب بضرب إيران إن واصلت مشروعها النووي، إلى جانب التهديدات الأخيرة، للقيادة الإيرانية بأن الولايات المتحدة جاهزة للضرب لو قتلت قوات الأمن الإيرانيين الذي يتظاهرون احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية، فيما يفسره ترامب ونتنياهو بأنها دعوات لتغيير النظام في طهران.

ماذا حصل نتنياهو شخصيا

ولاحظت صحيفة «نيويورك تايمز» (29/12/2025) أن ترامب ونتنياهو لم يظهرا أي إشارات عن خلافات بشأن الوضع في غزة وسوريا وإيران وموضوعات أخرى. ولم يقدم ترامب أية تفاصيل عن المرحلة الثانية لخطة «السلام» الأمريكية لغزة ما بعد وقف إطلاق النار ونزع سلاح حماس، مع أن اللقاء كان فرصة أخرى لترامب لكي يؤكد جهوده بتحقيق اتفاقية وقف إطلاق النار ونشر «السلام في الشرق الأوسط»، أما نتنياهو فقد عاد إلى محملا بالتأكيدات من ترامب مما سيخدمه في عام انتخابي واستمرار حكومته المتطرفة المنشغلة بتغيير معالم الضفة الغربية والآن غزة، حيث لم يعد للخطوط المرسومة على رمال غزة أية قيمة لدى نتنياهو وبالضرورة ترامب. وستكون عبارات ترامب لنتنياهو بأنه «منقذ» إسرائيل كافية، على الأقل في الوقت الحالي لمواصلة نتنياهو غطرسته وتهديداته. وربما كانت عبارات ترامب المادحة لضيفه الإسرائيلي نتيجة للتملق إليه بجائزة السلام الإسرائيلية والتي منحت للرئيس الأمريكي بسبب «الهدايا» التي قدمها للدولة اليهودية من نقل السفارة الأمريكية والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري، وأضاف نتنياهو للقائمة ضاحكا، وضرب إيران وتدمير مفاعلاتها النووية. وكانت الزيارة بمثابة شيك مفتوح لنتنياهو بأن يفعل ما يريد «لست قلقا من أي شيء تفعله إسرائيل»، بما في ذلك خطط ضم الضفة الغربية، حيث قال «لا أريد فعل هذا» ومشيرا إلى نتنياهو بقوله «أنا متأكد بأنه سيفعل الصواب». ومع ذلك لم يكن ترامب واضحا في موقفه من دور تركيا في غزة بعد الحرب، «أنا معه على طول الخط» متحدثا عن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، و «أنا مع بيبي على طول الخط، لن يحدث أي شيء»، ورغم حصول نتنياهو على ما يريده من ظهور عام، إلا أن ما جرى وراء الكواليس لم يكن واضحا، حيث تقول «نيويورك تايمز» إن خلافات بدأت تظهر حول التعامل مع تركيا وسوريا والضفة الغربية وحتى غزة.

حملة انتخابية

وفي المحصلة، لم يكن نتنياهو مهتما في رحلته بجوهر المحادثات بقدر ما كان يهمه اللقاء وكيل المديح لرئيس متضخم الأنا يعشق من يثني عليه، ولوحظ أن نتنياهو كافح من أجل البحث عن كلمات لوصف ترامب بأنه أهم صديق لإسرائيل، ومضى في تملقه ليقول إن مأدبة الغداء في مقر ترامب كانت لذيذة. ويكفي نتنياهو أنه حصل من ترامب على لقب رئيس وزراء حرب وعلى أعلى المستويات. وهو ما دعا مجلة «إيكونوميست» (30/12/2025) للتعليق قائلة إن نتنياهو قد يفكر لاحقا باستئجار ترامب كمدير لحملته الانتخابية. وزاد ترامب من مزاعمه بأنه تحدث مع الرئيس الإسرائيلي اسحق هيزتزوغ بشأن العفو عن نتنياهو في قضايا الفساد، مع ان مكتب الرئيس الإسرائيلي نفى حدوث هذا، وفي عالم ترامب هذا لا يهم. ومع ذلك أشارت المجلة إلى أن زيارة نتنياهو قد تكون نجاحا دبلوماسيا باهر ا لنتنياهو، إلأ أن ما كسبته إسرائيل منها ليس واضحا. فقد وضع المسؤولون الإسرائيليون هدفين للزيارة، الأول، عدم بدء الإعمار في غزة قبل نزع سلاح حماس، أما الهدف الثاني، فهو تأكيدات من الرئيس حول تركيا ودورها في قوة الإستقرار الدولية. وكان ترامب واضحا حول الأمرين، حيث هدد حماس بالجحيم إن لم تسلم سلاحها، لكنه لم ير في هذا شرطا للبدء في المرحلة الثانية من خطته. ويقول المسؤولون الأمريكيون في أحاديثهم الخاصة أن مشروع الإعمار سيبدأ «في غضون أسابيع»، واعترفوا أن نزع سلاح حماس سيأخذ وقتا. وكانت تعليقات ترامب بشأن تركيا، مخيبة لنتنياهو، حيث كال المديح لاردوغان ووصفه بـ «الصديق العزيز جدا» وقال إن دخول القوات التركية عزة قيد النقاش. والاسوأ من كل هذا هو ما قاله ترامب بأن الولايات المتحدة تفكر ببيع مقاتلات أف-35 لتركيا، وهو ما سيحرم إسرائيل من التفوق النوعي. وعلى مأدبة الغذاء قدم ترامب قائمة باتفاقيات السلام التي رعاها حول العالم، وتساءل متذمرا: «هل حصلت على تكريم، لا». وقد عزاه نتنياهو بالقول إنه حصل على جائزة إسرائيل مع أن نوبل حرمته من جائزة العام الماضي. وترى «إيكونوميست» أن ترامب لو كان يعتقد أن مهمته في غزة وإيران قد أنجزت، فلربما تردد بمنح نتنياهو الضمانات الأمنية التي يطالب بها الأخير، ومهما كانت العلاقات الشخصية مع المسؤول الإسرائيلي.
شتاء غزة
وبعيدا عن تملق نتنياهو وتفاخر ترامب، تواصل غزة بمواجهة المستحيل، وقد رأت صحيفة «الغارديان» (2/1/2026) في افتتاحية لها إنه مع دخول القطاع أحلك فترات الشتاء، يموت الأطفال من انخفاض حرارة الجسم، ويغرقون في المخيمات التي غمرتها المياه، ويحترقون حتى الموت بينما تحاول عائلاتهم طهي الطعام في خيام هشة. فقد دمرت إسرائيل تسعة من كل عشرة منازل على مدار أكثر من عامين من الحرب. ويكافح الفلسطينيون، الذين يعيشون في مخيمات وسط الأنقاض، الرياح العاتية والأمطار الغزيرة ودرجات الحرارة المتجمدة. ورغم استئناف عمليات إيصال المساعدات بعد وقف إطلاق النار، ما حال دون وقوع مجاعة كانت قد اجتاحت أجزاء من القطاع، لكنها لا تزال غير كافية على الإطلاق: إذ يواجه 1.6 مليون شخص انعداما حادا في الأمن الغذائي، فيما انهارت البنية التحتية للصرف الصحي.
وحذرت بريطانيا وكندا واليابان وفرنسا وست دول أخرى بشكل مشترك من أن الوضع كارثي. ومع ذلك، فإن إسرائيل تُفاقم الآن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ففي يوم الثلاثاء، أعلنت أنها ستلغي تسجيل 37 منظمة غير حكومية ناشطة في غزة. ويجب على هذه المنظمات التوقف عن جميع عملياتها هناك بحلول الأول من آذار/مارس ما لم تستوف «معايير الأمن والشفافية» الجديدة، بما في ذلك الكشف عن البيانات الشخصية للموظفين. وقالت «الغارديان» إن العديد من المجموعات المدرجة من بين أفضل المجموعات المرموقة في مجالها، بما في ذلك أوكسفام، وأطباء بلا حدود، والمجلس النرويجي للاجئين. وأشارت الصحيفة إلى أن مفوض الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، فولكرتيركر كان مصيبا بوصف القرار بأنه مشين، واعتباره جزءا من نمط من القيود غير القانونية على وصول المساعدات الإنسانية. وحذرت منظمات غير حكومية إسرائيلية من أن هذا الإجراء ينتهك مبادئ استقلالية وحياد المنظمات الإنسانية. وتزعم إسرائيل أن هذه الإجراءات ضرورية لمنع المنظمات غير الحكومية من توظيف كوادر على صلة بجماعات متطرفة. وقد ادعت مرارا وتكرارا أن حماس قد تسللت إلى منظمات الإغاثة واستغلت المساعدات الدولية، بدون تقديم أدلة كافية. ونظرا لاعتقال وقتل العديد من عمال الإغاثة تعسفيا منذ بدء الحرب، فقد أثار طلب قوائم الموظفين قلقًا بالغًا. وتفيد التقارير بأن إسرائيل رفضت طلبات عقد اجتماعات بشأن هذه القضية. في الوقت نفسه، وبينما تمنع إسرائيل وصول الإمدادات المنقذة للحياة، مثل أعمدة الخيام والمولدات الكهربائية، إلى الشحنات الإنسانية، بدعوى إمكانية استغلالها لأغراض عسكرية، فإنها تسمح للتجار بإدخال هذه المواد إلى الأراضي الفلسطينية. وبينما يعاني الفلسطينيون العاديون، يستفيد فاعلون داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها ماليا وسياسيا. وتفيد التقارير بأن مسؤولين أمريكيين في إسرائيل حثوا على إزالة مواد أساسية، بما في ذلك أعمدة الخيام، من القائمة السوداء، ولكن دون جدوى.
وعلقت الصحيفة عن الاستياء البادي من واشنطن على محاولات نتنياهو عرقلة عملية السلام. ومع ذلك، فبينما عبر ترامب عن رغبته في الانتقال إلى المرحلة الثانية بأسرع وقت ممكن خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم الاثنين، وحذر من عواقب وخيمة إذا لم تسلم حماس سلاحها بسرعة، بدا متساهلا حيال تردد إسرائيل في الانسحاب من نصف قطاع غزة الذي تسيطر عليه. وتعلق الصحيفة أن بعيدا عن «الالتزام بالخطة بنسبة 100 في المئة»، كما ادّعى ترامب، من الواضح أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق استقبله الفلسطينيون بحل مؤقت كبديل لاستمرار الحرب. و«إذا أراد ترامب أن ينظر إليه كصانع صفقات، فعليه أن يلزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاق. إن ضمان تقديم الإغاثة لمن يعيشون ظروفا قاسية ليس عملا من أعمال الكرم الخاضعة للرغبة، ولا بندا قابلًا للتفاوض. إنه ليس مجرد ما تقتضيه الإنسانية والأخلاق؛ فالقانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير تقديم المساعدات». وأضافت أن حلفاء إسرائيل «اضطروا تدريجيا بالاعتراف بالمجزرة في غزة والتصدي لها، ويجب ألا يترددوا مجددا، فليس سوء الأحوال الجوية، بل سوء النية، هو التهديد الأكبر لمن يكافحون الآن من أجل البقاء».

تباين في الرقابة

وكانت «الغارديان» (1/1/2026) فد أكدت في تقرير لها أن إسرائيل تدير نظاما موازيا للرقابة على الشحنات إلى قطاع غزة، يسمح للتجار بإدخال سلع ممنوعة على المنظمات الإنسانية. وذكرت الصحيفة أن الإمدادات الأساسية المنقذة للحياة، بما في ذلك المولدات الكهربائية وأعمدة الخيام، تدرج على قائمة إسرائيلية طويلة من السلع «ذات الاستخدام المزدوج»، وتقول الحكومة الإسرائيلية إن دخول هذه السلع يجب أن يخضع لقيود صارمة لأنها قد تستغل من قبل حركة حماس أو غيرها لـ«أغراض عسكرية» و«ومع ذلك سمحت السلطات الإسرائيلية، منذ شهر على الأقل، للشركات بنقل العديد من السلع ذات الاستخدام المزدوج إلى غزة، بما في ذلك المولدات الكهربائية والمنصات المعدنية، التي تتميز بمقاومتها لأمطار الشتاء والطين أكثر من البدائل الخشبية». وأشارت الصحيفة أن «هذه السلع الآن في السوق المفتوحة في غزة، وفقا لمصادر عسكرية ودبلوماسية وإنسانية. ويجب أن تمر هذه السلع عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية الثلاث نفسها التي تخضع لرقابة مشددة، والتي تمنع حاليا شحن هذه السلع إلى منظمات الإغاثة». وقال مصدر دبلوماسي: «يبدو من المستبعد جدا أن يكون الإسرائيليون جاهلين بهذه القيود. من المثير للصدمة أن تتمكن هذه الأشياء من الدخول عبر القنوات التجارية». وقالت «الغارديان» إن هذا التباين في الرقابة يعيق عمل المنظمات الإنسانية التي تدعم الفلسطينيين في وقت هم في أمس الحاجة للمساعدة، بينما يتيح في الوقت نفسه فرصا مربحة للتجار الذين يستطيعون الحصول على تراخيص استيراد من السلطات الإسرائيلية.
وقد تم إطلاع القائد الأمريكي لقاعدة أمريكية جديدة في جنوب إسرائيل على هذه القيود ذات الاستخدام المزدوج. وناقش الفريق باتريك فرانك هذه القيود مع دبلوماسيين وعاملين في المجال الإنساني في مركز التنسيق المدني العسكري، الذي أُنشئ في تشرين الأول/أكتوبر لمراقبة وقف إطلاق النار الذي توسط فيه دونالد ترامب والتخطيط لمستقبل غزة. ولم تعرف آراؤه في هذا الشأن. وأشار تقرير «الغارديان» إلى أنه «لطالما جعلت القيود الإسرائيلية التجارة مع غزة مربحة للغاية للفلسطينيين والإسرائيليين القادرين على الحصول على تصاريح. تُباع المواد المدرجة في قائمة الاستخدام المزدوج الآن بأسعار باهظة داخل غزة».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية