عن الانتظار

حجم الخط
0

«واعلكنه للصيف اليجي روازينه السمره … شمع من ينزل أول الدفو بنيسان يهتز النبع يمكن يخضر الضلع يمكن بعد بالروح، يا ريحان وصلة تنزرع والگيظ أجانه وانگضه ورد أنكضه ورد گيظ أجه والزلف هجرك فضفضه ورد فضفضه وما مش رجه»

مقطع من «ياريحان» للشاعر مظفر النواب»
***
الانتظار هو أحد نشاطات الحياة التي لم تدرس بشكل كاف رغم حضوره وأهميته المركزية في الآداب والفنون. لقد قيل: «قل لي كيف تنتظر، أقل لك كيف تعيش ومن أنت». يعرف «معجم المعاني الجامع» الانتظار بالجلوس ترقباً لوصول شيء. وهذا التعريف قد يفسر انتظار حافلة نقل ركاب أو استدعاء إلى غرفة تحقيق. ولكنه لا يفسر التداعيات النفسية والأدبية للانتظار. وعطفاً على ذلك، ليس بالضرورة أن يبقى المنتظر في مكانه، بل قد يهيم على وجهه ويرحل هو الآخر أثناء الانتظار. لذلك، لربما يكون التعريف الأكثر دقة للانتظار هو، الحالة النفسية المصاحبة لترقب حصول شيء معين.
وللانتظار أطوار وأشكال. فهناك الانتظار على مضض وهو انتظار عبثي يجرد المرء من إنسانيته والبطل فيه شخصية هامشية غارقة في الذاتية والثرثرة في انتظار المخلص، كما عبر عن ذلك بتفرد صموئيل بيكيت (1906- 1989) في مسرحية «انتظار غودو». إن الانتظار هنا هو الضياع بعينه.. هو تعبير عن أزمة الإنسان المعاصر الذي تحول إلى سلعة ورقم دون غرض. أبطال كافكا هم أيضا في انتظار المجهول كما في روايات «المحاكمة» و«المسخ»، كذلك يسمى هذا النوع بالانتظار السلبي. أما الانتظار الإيجابي فهو مسكون بالأمل، يثير انتظار كهذا في النفس الرغبة في المواصلة والمكابرة رغم العذاب.. إن رحلة الإنسانية في البحث عن مخلص في آخر الزمان ما هي إلا محاولة لتعليل النفس بأن المقبل أفضل وعلينا انتظاره. الفكر التقدمي أيضا يمني النفس بما هو مقبل. قال ناظم حكمت: أجمل الأيام هي تلك التي لم تأت بعد. أن تنتظر شيئاً هو أن تحبه، ترنو وتشتاق إليه، تريده، تحس بقيمته. هذا هو جوهر الانتظار الأبدي في شعر النواب رغم شبه انعدام الأمل (مامش رجه).
قد يتحول الانتظار إلى نمط حياة يتناغم مع الغربة الداخلية للفرد بغض النظر عن النهاية، وقد يتحول الانتظار إلى حالة نرجسية «يبدو الطريق إلى البيت أجمل من الوصول إليه» (محمود درويش). الانتظار عكس الإقلاع. أن تقلع عن شيء هو ألا تتمنى العودة إليه، بل أن تبذل جهدا لعدم الرجوع إليه.
الانتظار يفتقد إلى السيطرة على عامل الزمن وهو بذلك تمرين ومحاولة للتوفيق بين التحكم الناجم عن اليقين والاستسلام الناجم عن الغموض، الذي قد يصبغ شخصية الفرد المنتظر طيلة حياته. الخوف هو سمة أساسية للانتظار. الخوف من احتمال عدم وصول المنتظر. أما الأمل القائم على احتمال وصول المنتظر فهو السمة الثانية. وقد يحار دليل المرء بين الأمل الميؤوس منه واليأس المأمول فيه. يحار بين الخوف والشوق، كما عبر عن ذلك أحمد رامي، «ما بين بعدك وشوقي إليك وبين قربك وخوفي عليك دليلي احتار». أما انتظار أبطال كافكا فهو أقصى درجات العبث. إن الانتظار الطويل لشيء لا نعرفه وقد يتحقق أو لا يتحقق لهو أمر مفزع ويتطلب الكثير من الحب والصبر والإيمان، لكي لا يستسلم المرء ويفقد جذوة الانتظار. إن قدرة البشر على الانتظار تعتمد على عوامل كثيرة والأكيد أن طريقة التعامل مع الانتظار هي تعبير عن طريقة التعامل مع الحياة. على المرء أن يتفهم انعدام القدرة على الإتيان بحبيب غائب، رغم استحقاقه. وفي الحديث «انتظار الفرج بالصبر عبادة». كذلك أوصى القرآن الكريم :»قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ» وأشار إلى أهمية انهماك الحواس في عملية الانتظار: «ومنتظرٌ بأبصاري وسمعي».
إن ثقافة التواصل الاجتماعي مقرونة بالاستمتاع السريع ولا تخلق منتظرين إنما تخلق اندفاعيين. يترافق الانتظار مع حالة نفسية فريدة، حيث الترقب الدائم والاستعداد للمفاجأة التي قد لا تحصل. لا بد من تعليل النفس بالأمل كما قال الطغرائي: «أعلل النفس بالآمال أرقبها/ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل» وإعانتها على التكيف مع عذابات الانتظار التي وصفها بيرم التونسي خير وصف، وغنتها أم كلثوم في أنا في انتظارك: «أتقلب على جمر النار، واتشرد ويَّا الأفكار». قد يعلمنا الانتظار شيئاً عن أنفسنا وقد يغير من رغبتنا وطريقتنا في التعامل مع نتائجه.
إن الانتظار هو الصراع بين الرغبة وعامل الوقت. فائض من الرغبة مع انعدام التحكم بالوقت. بهذا المعنى الانتظار هو عكس السأم الذي يتميز بإمكانية التحكم في الزمن مع انعدام الرغبة، يبدو أن نتيجة الانتظار ليست معيار أهميته لأن الصدفة تحقق اللقاء دون انتظار، إلا أنه لم يحتف بها أدبيا. الانتظار هو من التجارب البشرية المبكرة. انتظار عودة الأب إلى المنزل هي أولى التجارب في الشوق والإحباط. غياب الأم الجسدي أو الوجداني هو تمرين على التعامل مع عذابات الفقد في المستقبل.
هل يستنزف الانتظار الروح دائماً؟ وهل الغياب هو موت مؤجل كوردة مزهرة في رماد الحياة؟ أم أن هناك إمكانية لتسخير الغياب في خدمة تطورنا الروحي والانفعالي؟ لماذا جعل بعض الشعراء من الانتظار مسألة مركزية في نتاجاتهم، بل إن ذواتهم وحيواتهم تدور حوله؟ مثل مظفر النواب؟ كيف ننمي مهارات تحمل الغياب واستبداد الانتظار؟ عالم النفس آدم فيليبس يقول: الأمر يتوقف عما إذا كان هناك بديل عن انتظار من تحب، وكم أنت قادر على الاستمتاع بالحبيب حين يصل؟ كل شيء يعتمد على رؤيتك لنقطة النهاية. لا بد أن يكون شعور المنتظر مفتوح النهاية وليس أكيد التوقع. نحن كأفراد وكنوع غير مكتملين وغير كاملين في علاقتنا الشخصية وفي درجة تطورنا ولربما يحاكي الانتظار عدم الاكتمال هذا وهو يرنو إلى الكمال. قال الجواهري: «قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا عنه.. فكيف بمن أحبابه فقدوا؟».
المعلوم نفسيا أن الانتظار قد يكون سببا للعيش وما أن يفقد الأمل يموت المنتظر. هل يحل وصول المنتظَر مشكلة المنتظر؟ أم أن الصورة المرسومة في الخيال تفترق عن صورة الحبيب القديم، حيث إن الزمن قد فعل فعله في تغيير طباعه وقوامه بينما خيال المنتظر كان قد سار في الاتجاه المعاكس، إذ أضاف للحبيب ما ليس فيه رغبة في إشباع حاجات المنتظر الروحية. كتب محمود درويش: سأبقى في انتظار يوم جميل صنعته في مخيلتي. وكتب أيضاً: «هو الغائب الذي لا يحضر وأنا المشتاق الذي لا ينسى». هناك من يعتبر الانتظار تجميد أو إيقاف الزمن للحظة، كما تعمل الكاميرا، مهملا للتغيرات المذكورة، ومفترضا عدم تغير المنتظر والمنتظر في المكان والزمان. خير من عبر عن ذلك زهير الدجيلي: «تروح غالي وترد غالي وأنا الك بالانتظار»، و»مثل ما ودعك أشوفك واحنا موعدنا المطار». هناك من يرى في الهوى حالة انتظار دائم: وهل كان الهوى إلَّا انتظارا (إبراهيم ناجي).
ليس فقط ينمي الانتظار القدرة على الصبر والتحمل ويصقل شخصية المنتظر، بل وقد يفيد في الشفاء من بعض الأعراض والأمراض .إن تأثير العلاج الوهمي على بعض الأعراض مثل الآلام العصبية يتجاوز الـ40% ويسمى تأثير البلاسيبو. هذا يعني أن من يتناول حبوباً وهمية تتحسن حالته المرضية بنسبة 40%، وتعتمد درجة ذلك التأثير على درجة التوقع الإيجابي. ما يعني أن انتظار ما يشفي قد يأتي وقد لا يأتي بنتيجة. إذن تأثير البلاسيبو ما هو إلا تأثير فعل الانتظار. فالآليات المخية لكليهما متشابهة. إذن للانتظار آثار علاجية منشطة تكبح الألم وتزيد من منسوب السعادة وتقلل التوتر. ممارسة الانتظار المنتظمة تدريب على الصبر.
إذن كيف يمسك الدماغ بتلابيب كل هذه المشاعر والانفعالات المرافقة للانتظار ويوظفها لخدمة حالة نفسية معقدة اسمها الانتظار؟
إن الآليات العصبية للانتظار معقدة وتهدف إلى التدريب على تأجيل اللذة وكبح الاندفاع، وتشمل تحفز مراكز متعددة لتلبية الحاجات النفسية المتداخلة له كالتركيز، والذاكرة، والانفعال، والصبر والتوقع والمكافأة على الانتظار. تلك المراكز هي:
1- القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التخطيط، اتخاذ القرار، وتقييم النتائج.
2- منظومة الدوبامين المسؤولة عن إفراز الدوبامين (هرمون السعادة والمكافأة) الضروري إثناء الترقب لمنع السأم والتخلي.
3- النواة اللوزية المسؤولة عن إدارة الانفعالات مثل الخوف والقلق من المستقبل المجهول للانتظار.
4- القشرة الأمامية الحزامية المسؤولة عن كشف الأخطاء وتنظيم الانفعالات. يتطلب الانتظار ضبط النفس والحد من التهور وتعليل النفس لحملها على الصبر. إن كل ذلك يصبح ممكناً بفضل تحفيز القشرة الحزمية الأمامية.
5- الفصوص الصدغية المسؤولة عن إدارة الذاكرة المتعلقة بموضوع الانتظار والترقب.
كل تلك العمليات تتناغم لخلق توازن بين الشوق والقلق ارتباطاً بقيمة المنتظر وغموض العودة.
6- الإنسولا تبدي نشاطاً واضحاً أثناء الانتظار. فهي مسؤولة عن تنظيم الوظائف غير الإرادية أثناء الانتظار كدقات القلب وسرعة التنفس.
7-  منطقة إدراك الوقت في قاعدة المخ.
الانتظار دون معرفة النتيجة، أو إمكانية التحكم بها ينتج شعوراً بأن الوقت يبدو طويلا. يذكرنا هذا بقول بشار بن برد: «كأن الدجى زادت وما زادت الدجى/ ولكن أطال الليل هم مبرح». يصف امرؤ القيس طول الليل قائلاً: كأن الثريا علقت في مصامها/بأمراس كتان إلى صم جندل. إن إدراك الزمن مهم لعملية الانتظار. هناك تركيب يقع فيعمق الفص الصدغي ويزن أقل من غرام سمه «الحصين» وهو خزان الذاكرة ومنسق علاقتها بالزمن.
من ناحية أخرى، فإن الشرود العقلي المصاحب للانتظار يحمل الدماغ على العودة إلى شبكة الحالة الافتراضية. هذه الشبكة تتحفز حين لا ينهمك الدماغ في عمل خارجي محدد. إنها تسمح بأحلام اليقظة والتأمل الذاتي. من تأثير الانتظار المزمن على الصحة ارتفاع مزمن في مستوى هرمون التوتر: الكورتيزون في الدم، ويمثل ذلك استجابة دماغية للإجهاد. قد ترتفع دقات القلب وتتسارع نبضاته أثناء الانتظار بسب زيادة إفراز الأدرينالين. كذلك الجهاز الهضمي يكون أول المتأثرين حيث الغثيان وتبدل الشهية. ولكن هذه الأعراض غالبا ما تفتر بعد اجتياز المرحلة الحادة ويتعود الجسم على الانتظار. كما تصقل الرياضة العضلات يصقل الانتظار الدماغ. وعلى العكس يستنزف الانتظار المضني النفس ويضعف المناعة ويخلق السقام كما وصف الشاعر عمر غصاب راشد:
يَا لَيلُ إِنِّي قَد بُلِيتُ مِنَ السِّقَامِ    والبعد يقتلني وقد ذابت عظامي
لا بد من الإشارة هنا بأن البحوث الحديثة أكدت، أن فعل الانتظار يتخلله إفراز مادة الدوبامين المثيرة للرغبة في الانتظار، بل تجعل منه عملية مجزية بحد ذاتها. أما تحقق الهدف من الانتظار بوصول المنتظر فإن الاستمتاع به ينجم عن إفراز مادة القنب الداخلي (من مشتقات الحشيشة التي يفرزها الدماغ). الأخيرة تؤدي إلى حالة من الرضا والهدوء الداخلي. إذن الانتظار يختلف كيميائيا عن تحقق الهدف منه، وقد يتحول إلى قضية أهم من الهدف. بهذا الصدد يقول سمير الصميدعي في قصيدة «جنة ممنوعة»: يكفي الطواف إذا تيسر حولها      لتزودي من رقة وجمال
إذن الانتظار يستدعي شبكات دماغية كثيرة تتراقص فيها ملايين الخلايا العصبية على أنغام الهرمونات والنواقل العصبية، من أجل تلبية حاجاته النفسية والانفعالية مع تنظيم الإحساس بالوقت والبقاء في حالة ترقب مع الصبر. الاستجابة العصبية تلك تعتمد على عوامل كثيرة منها السياق، الشخصية، التجارب، وأهمية نتيجة الانتظار للشخص. فيما يخص السياق: قد يكون الانتظار مجازاً لغياب وطن لن يعود. أما دور الشخصية: الشخص النرجسي فيتجدد عذابه يومياً. ما دور  التجارب: من قضى عمره في انتظار معين ليس كمن ينتظر عودة أكيدة من غياب قصير. أما أهمية نتيجة الانتظار فهي معقدة أيضاً. قلما تعيد عودة المنتظر، المنتظر إلى حالة ما قبل الغياب. بل قد تنقل إحساسه إلى انتظار آخر وهنا يتداخل الغياب بالاغتراب واضطراب الهوية.

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية