لا يزال الحال على ما هو عليه، ترهقني أخبار غزة، وتنال مني الصور المنقولة عن حال أهلها، فأغادر «الجزيرة» إلى «ماسبيرو زمان»، ثم أقوم برحلتي المكوكية بين القنوات الأخرى، قبل أن أعود إلى «الجزيرة» مرة أخرى، فأجدها على الجبهة تنقل من هناك، وإن اختلفت الوجوه التي تنقل لنا الخبر من القطاع. ومنذ خروج وائل الدحدوح للعلاج، لم نكد نألف مراسلاً حتى تستهدفه آلة القتل الإسرائيلية!
بيد أنني استيقظت ذات يوم من النوم لأجد نشرًا على نطاق واسع يبدو أنه حملة، يفيد أن «الجزيرة» باعت القضية، وغيرت خطها السياسي. وأكثر النشر تأثيرًا هو ما يحدث ليلًا والناس نيام، فهناك من يقومون من نومهم ويتفاعلون مع المنشور، وقد تأثروا به دون أن يبذلوا جهدًا في تحري الدقة وبناء رأي مستقل، قائم على المشاهدة الدقيقة والمتابعة.
ومشكلة منصات التواصل الاجتماعي تكمن في عدم القدرة على التوصل من خلالها إلى صاحب النشر الأول، الذي تبعته الجماهير العريضة. وأحيانًا يكون المنشور خبرًا غير صحيح، ومع ذلك يُنشر في أكثر من موقع إخباري، فلا تعرف من صاحب هذا «السبق الجبار»، فيضيع الدم بين القبائل. وربما تكون النوايا ليست صافية، والدوافع ليست نزيهة، وقديمًا قالت العرب: «الغرض مرض»!
البعض ربط بين التغييرات الجديدة في شبكة «الجزيرة» وما اعتبروه بيعًا للقضية وتحولًا في الخط السياسي. وكل التغييرات هي تصعيد داخل غرفة الأخبار، التي قامت بمتابعة «طوفان الأقصى» منذ بدايته، بما في ذلك من فتشوا في دفاتره القديمة فاكتشفوا أنه عمل بـ«الحرة»، فبدت سابقة الأعمال هذه كما لو كانت تؤهله لأن يكون المندوب السامي الأمريكي لتغيير السياسة. وهو لون من الجنون، لم يبقَ بالقياس سوى أن نتهم مئات من الإعلاميين العرب بأنهم عملاء المخابرات البريطانية، لأنهم عملوا – أو لا يزالون يعملون – في «بي بي سي»!
وفي واحدة من مقابلاته نفى هيكل جازمًا أن تكون هذه المحطة تمول من أموال دافعي الضرائب، فقد أكد أنه اطلع بنفسه على الوثائق واكتشف أنها تمول من المخابرات البريطانية. فمن أنتم؟! بصوت الأخ العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية!
ما يعنيه تغيير السياسة الإعلامية
لقد فات هؤلاء، ولعله لم يفتهم بيد أن «الغرض مرض» أن صاحبهم عمل في مكتب «الجزيرة» في واشنطن، ثم جاء إلى الدوحة مسؤولاً عن المراسلين خلال السنوات الأربع الماضية، فلم يهبط على غرفة الأخبار بالباراشوت في عملية إنزال أمريكي ذات ليلة ليلاء!
لقد خففت «الجزيرة» من جرعة التغطية المكثفة للخبر الآتي من غزة، وبدأت رويدًا في عودة بعض البرامج والأحداث الأخرى. لكن لا يزال الخبر الفلسطيني هو الأول، ولا تزال القضية موسعة، ولا يزال المحللون هم أنفسهم، وإن تمنيت أن يتم التخفيف من ظهورهم. ومنهم من إذا وجدته رفعت التلفزيون، ومنهم من إذا شاهدته ذهبت إلى «ماسبيرو زمان»، غير مستأنس لحديث!
وقد شاهدت محمد نزال، القيادي بحركة حماس، ولم يكن ضيفًا من قبل على «الجزيرة الإخبارية». والرجل لديه ما يقوله، ويمتلك القدرة على عرض قضيته والدفاع عنها، وقد شاهدته في يوم واحد مرتين. تمامًا كما عدنا نشاهد وائل الدحدوح للتحليل المكثف، ولا ينبئك مثل خبير، وهو الذي كان لا يظهر من قبل سوى في المناسبات، ربما لظروفه الصحية. ولا تزال يده – كما تبدو على الشاشة – في مرحلة العلاج، شفاه الله وعافاه.
إن التغطية على مدار الساعة لحدث غزة وهو يستحق كانت على حساب أحداث أخرى مهمة. فذات هدنة سابقة برز الخبر السوداني، ففجعنا أن يكون السودانيون يُقتلون من الوريد إلى الوريد على يد مليشيات الدعم السريع، في تجاهل إعلامي، مع ما وصل إليه الإجرام من اغتصاب النساء ونهب البيوت!
وهذا يضع «الجزيرة» أمام تحدٍّ كبير. فالمشاهد يريدها حيث أولوياته هو. وفي اليوم الأول للثورة المصرية كان ترتيب خبر الثورة المصرية هو الثالث، وفي يوم السبت 29 يناير/كانون الثاني على 2011، كان مقالي في هذه الزاوية «عندما هتف المصريون الشعب يريد إسقاط النظام» انتقدت فيه هذا التجاهل من جانب «الجزيرة»، وسخرت من الخبر الأول في نشرتها، وهو الخاص بمشاجرة كلامية بين الفصائل في بيروت. لكن يشاء السميع العليم أن ينشر هذا في اليوم التالي لـ«جمعة الغضب»، التي اهتمت «الجزيرة» بتغطيتها بعد تردد، ومع ذلك اتهمت بأنها من حرضت على «الربيع العربي»!
وكأنها «العربية»… وكأنه أسامة الدليل
ما علينا. فقد قضى أصحاب الحملة بأن «الجزيرة» غيرت سياستها، أو باعت القضية. والقضية عند أهل اليسار هي كل ما هو على جدول أعمالهم النضالي. لكنها إذا ذكرت في المطلق فإنها تعني القضية الفلسطينية. فهل تقليل التغطية يعني تغيرًا في السياسات؟ هل يعرف القوم معنى تغير السياسة التحريرية؟
معناها أن تصبح «العربية»، وأن تشاهد كلًّا من سمير غطاس أو أسامة الدليل متحدثًا منفردًا مع مذيع أو مذيعة، يدّعي الموضوعية بردود تبدو مختلفة، لكنها تمرر الأكاذيب، ولا تتصدى لكلام يفتقد الدقة. ليكون دور المذيع مجرد جمل اعتراضية تستهدف شحذ همة الضيف، فيذهب بعيدًا في أكاذيبه التي يمكن لأي صريخ ابن يومين أن يفندها ويقف على ما فيها من خطأ وخطل. وليس كما يفعل مذيع «العربية» وجارته بالجنب. فهل صارت «الجزيرة» كذلك؟ هذا هو تغيير السياسة، أو بيع القضية!
لقد دخلت في جدل مع البعض، لأسباب بحثية، للوصول إلى المقصود إجرائيًا بمفهوم تغيير السياسة الإعلامية لديهم. فقالوا: إن «الجزيرة» روجت لمبادرة الرئيس الأمريكي! روجت لها لدى من؟ المشاهد؟ وهل عزيزي المشاهد صاحب سلطة اتخاذ القرار فيما يخص المبادرة؟ وماذا لو اقتنع أو لم يقتنع بها، وهي موجهة أصلًا للمقاومة، وليس لجنرالات الكيبورد الذين يتصورون أن من شأنهم إصدار التوجهات للمقاومة!
لم تكن هذه المرة الأولى التي يطرح فيها ترامب مبادرة وتهتم «الجزيرة» بها وتفتح لها تغطية موسعة. فما الذي جرى هذه المرة؟ والمذكور ليس ناشطًا سياسيًا كتب منشورًا على «تويتر» أو قال كلمة على مقهى. ومن الطبيعي أن تحدث مناقشات موسعة لهذه المبادرة، دون أن يُعد هذا ترويجًا لها. فالقرار في النهاية للمقاومة، وليس لعزيزي المشاهد!
التربص بـ «لقاء مكي» وتصيد الأخطاء
وعلى ذكر الدكتور لقاء مكي، فإن المرء يمكنه أن يمسك بحالة تربص مكتملة الأركان، على نحو لا يدفع للتعامل مع الانقضاض على «الجزيرة» بأنه يحدث بحسن نية وسلامة طوية. وبعض الملتحقين بها قد يكونوا كذلك، والطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة!
هل من الجائز أن يتم الإمساك بقول لـ«مكي» هو أن السلاح للمقاوم مجرد «تفصيلة»، وشيطنته، والحملة عليه وكأنه صبأ؟! ولعله عندما قال ما قال، كان يضع في تصوره أن تقبل المقاومة بمبادرة ترامب بما فيها من نزع السلاح، فأراد أن يجبر عثرات الكرام. فهل من المنطق أن يُختزل كل دوره في مجرد خطأ لتتم استباحته على هذا النحو المذهل؟!
لقد أحسنت «الجزيرة» صنعًا عندما منحت لقاء مكي مساحة يستحقها للحديث، ليكتشف المشاهد أنه أمام باحث يمتلك قدرة فائقة على التحليل وربط التفاصيل الصغيرة بعضها ببعض. وربما أغاظ هذا آخرين حسدًا من عند أنفسهم، ناهيك عن أن هناك من يتمتعون برغبة لافتة في إضرام النيران في كل متفوق في أي مجال!
وقد تكون هذه نفسها دوافع الحملة على «الجزيرة»، والقول إنها باعت القضية وغيرت سياستها.
بإمكانك أن تذهب إلى «روتانا سينما».
صحافي من مصر