في مشهد يكاد يكون مسرحياً بكامل أركان الفرجة، تركزت أضواء الإعلام العالمي بكثافة على زهران ممداني. شاب مسلم، ذو أصول تمتد من الهند وأوغندا، يبلغ من العمر 33 عاماً، ويعرّف نفسه بـ «ديمقراطي اشتراكي»، يفوز بمنصب عمدة «عاصمة الرأسمالية»، نيويورك. إنه انتصار لا يمكن إنكار رمزيته المزلزلة.
وكما هو متوقع، انطلقت موجتان من ردود الفعل. الأولى، موجة من الابتهاج الصاخب في أوساط اليسار الأمريكي، التي رأت في صعوده تتويجاً لسنوات من العمل القاعدي الشاق وفاتحة لعهد جديد في السياسة الأمريكية، والثانية، موجة من الإعجاب الليبرالي عربياً وغربياً، والذي سارع إلى تقديم الحدث كدليل صريح على «عبقرية» الديمقراطية الغربية وقدرتها الأسطورية على تصحيح الذات وتجديد شبابها. ها هي أمريكا، التي لا تزال تناضل إرثها في العنصرية، تنتخب عمدة مسلماً يساريا شاباً.
الاحتفال، في كلا شقيه، متعجل في أحسن الأحوال، وخادع في أسوأها، إذ يرتكب الخطيئة الكلاسيكية: الخلط بين الفرد والمنظومة، بين تغيير الوجوه وتغيير البنية. إن قراءة فوز ممداني كـ «ثورة» هي قراءة سطحية تتجاهل الآلية الحقيقية التي يعمل بها النظام. والأرجح أن هذا الفوز ليس بداية النهاية للنظام الرأسمالي، بل هو أذكى حركة قام بها منذ فترة طويلة ليضمن بقاءه.
«اشتراكية الصرف الصحي»: ترويض الطموح
لفهم محدودية «ثورة» ممداني، علينا النظر إلى العلامة التجارية التي اختارها لنفسه: «اشتراكية الصرف الصحي». المصطلح ليس جديداً، فهو يعود إلى رؤساء بلديات ميلووكي الاشتراكيين في أوائل القرن العشرين. وفحواه بسيط: التركيز، ليس على الصراع الطبقي أو مصادرة وسائل الإنتاج، بل على تقديم خدمات بلدية ملموسة وعالية الجودة، أما عن برنامجه فهو ترجمة عصرية لهذا المبدأ: حافلات مجانية، تجميد الإيجارات، تحسين البنية التحتية للمدينة، والتركيز على «أزمة القدرة على تحمل التكاليف».
هنا يكمن المفتاح الأول: إنها «اشتراكية» إجرائية، إدارية، وليست «اشتراكية» بنيوية، تعالج الأعراض الأكثر إيلاماً للرأسمالية (السكن الباهظ، النقل المتهالك)، لكنها لا تمسّ المرض نفسه (علاقات الإنتاج، ملكية رأس المال)، فهي تحوّل المطالب الجذرية لليسار (التغيير الثوري) إلى مطالب إدارية (إصلاح البيروقراطية)، والنظام الرأسمالي يمكنه بكل سرور، أن يستوعب هذا النوع من الإصلاح، بل ويستفيد منه. المدينة التي تعمل بشكل أفضل هي مدينة أكثر إنتاجية، والعمال الذين يقضون وقتاً أقل في المواصلات هم عمال أكثر كفاءة.
«العناق اللزج»: ثمن القبول في النادي
المفتاح الثاني هو المسار الذي سلكه ممداني، فهو لم يفز كمرشح مستقل ثوري، بل جاء فوزه من داخل «العناق اللزج» للحزب الديمقراطي، كما وصفه مؤسس «الاشتراكيين الديمقراطيين» مايكل هارينغتون، والثمن دُفع فوراً، فبمجرد انتهاء الانتخابات التمهيدية، بدأ التحول من «الناشط» (المسؤول أمام حركته) إلى «المسؤول» (المسؤول أمام أصحاب المصلحة). التقارير التي تحدثت عن لقاءاته مع «مجلس نيويورك العقاري» اللوبي الذي يمثل ألد أعدائه الأيديولوجيين: كبار المطورين العقاريين – لم تكن مفاجئة.
هي قاعدة اللعبة: لا يمكنك حكم نيويورك دون التفاوض مع «وول ستريت» ولوبي العقارات، وقد برر هذه اللقاءات بأنها «مشاركة ضرورية» لحل أزمة السكن، لكن اليسار الراديكالي يراها «خيانة» مبكرة، والحقيقة أنها ليست أياً منهما؛ هي ببساطة «التدجين»، اللحظة التي يدرك فيها الثائر أن طريق «الصرف الصحي»، يمر عبر جسر مالك المبنى.
هذا لا شك يضعه في مواجهة مباشرة مع حركته، لقد بدأ ممداني بالفعل بالنأي بنفسه عن المنصة الوطنية التي استند إليها مدركاً أن ما يجعله قابلاً للانتخاب في نيويورك هو بالضبط ما يجعله «غير راديكالي» بما يكفي للمنصة. إنه «اشتراكي» خاص بنيويورك، مصمم ليناسب مقاسات المنظومة، لا ليحطمها.
صمام الأمان: كيف يجدد النظام نفسه؟
لماذا «سمح» النظام بهذا؟ الجواب بسيط: لأنه بحاجة إليه.
لقد خلقت عقود من النيوليبرالية في نيويورك تفاوتاً طبقياً هائلاً، بين شقق «البنتهاوس» الفاخرة وملاجئ المشردين، صار الغضب يتراكم، حركات مثل «احتلوا وول ستريت» و «حياة السود مهمة» مجرد أعراض لضغط هائل يتراكم تحت السطح، كان النظام بحاجة ماسة إلى «صمام أمان» لتنفيس هذا الضغط قبل أن يؤدي إلى انفجار كوني.
يأتي زهران ممداني بقفازاتٍ من نصرٍ ملموسٍ للطبقات العاملة والشباب الغاضب، يمنحهم الأمل في أن التغيير ممكن من الداخل ويمتص كل الطاقة الثورية الهائلة في المجتمع ويوجهها نحو القنوات البيروقراطية الآمنة: الانتخابات، اللجان البلدية، وإصلاحات «الصرف الصحي».
بهذا، يتحول العمدة الجديد، ربما دون قصد، من كونه «تهديداً» للنظام إلى «أداة» لإنقاذه، مانحاً الرأسمالية وجهاً إنسانياً، شاباً، متعدد الثقافات، و»قبلة الحياة» لتطيل عمرها، عبر إقناع الجماهير بأن النظام قابل للإصلاح.
صفعة للترامبية
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن صعود العمدة الجديد في ظل معاداة الرئيس دونالد ترامب له يمثل صفعة مدوية للخطاب القومي الانعزالي، والشعبوي اليميني المعادي للمهاجرين الذي يمثله تيار «فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». فوزه هو انتصار لـ «أمريكا الأخرى»؛ أمريكا التعددية، العالمية، والمدينية التي تنظر إلى التنوع كقوة لا كتهديد. على أنه لا ينبغي الخلط بين «الحرب الثقافية» و»الحرب الطبقية». فهذه الصفعة ليست ثورة على المنظومة الرأسمالية، بل هي صراع داخلي داخل تلك المنظومة. لقد أثبتت الرأسمالية العالمية مرونتها. حين يصبح جناحها اليميني المتطرف (الترامبية) فوضوياً ومربكاً لمصالحها العالمية، فإنها قادرة على التحول إلى جناحها «التقدمي» (ممثلاً بشخصيات مثل ممداني) لضمان الاستقرار، إنه رفض للمشروع الثقافي الترامبي، ولكنه في جوهره ليس رفضاً للمشروع الاقتصادي الذي يخدم مصالح «وول ستريت» نفسها. لقد أثبت النظام أنه يستطيع استيعاب اليسار الثقافي (ممداني) تماماً كما استوعب اليمين القومي (ترامب)، طالما أن أياً منهما لا يهدد بنية الملكية الأساسية.
بالنسبة لنا، العرب وشعوب الجنوب العالمي، علينا قراءة المشهد ببرود أشدّ، فكل هذه «الإصلاحات» الداخلية، وهذا الرفاه الذي قد يوفره العمدة لسكان نيويورك، لا يأتي من فراغ.
فالأخيرة ليست مجرد مدينة؛ إنها المركز المالي للإمبراطورية. الثروة الفاحشة التي تتركز فيها، والتي ستُمول منها «الحافلات المجانية» و»الإيجارات المخفضة»، هي ثروة تُستخرج، في جزء كبير منها، من عرقنا ومواردنا في الجنوب العالمي.
إن نجاحه في جعل حياة مواطني «المركز» أكثر راحة، مُمول على حساب استمرار نهب «الأطراف»، إصلاحاته، في التحليل الأخير، هي ترسيخ لولاء الطبقة العاملة الغربية للمنظومة الإمبريالية التي تقتات علينا جميعاً.
لذلك، فإن الحماس الفائر لفوزه مفهوم، لكن عليه توخي الحذر، عمدة نيويورك الجديد ليس بطلاً جاء ليحطم القفص، بل حارساً جديداً أكثر لطفاً، يقف على بابه بابتسامة واعدة بتحسين جودة الطعام داخل قضبانه.
المنظومة لم تُهزم، بل قامت للتو بتحديث نظام تشغيلها.
إعلامية وكاتبة لبنانية