«عمة آل مشرق» وسرديات الأنثروبولوجيا

تحويل الماضي إلى مجال سردي يقترح ربط هذا الماضي بالتخيل، وبالكتابة التي تجعل من إجراءات السرد، مفتوحة على المفارقة التي تجمع بين المحو والإضافة، أو بين الفضح والحجب، حيث لا يمكن التصرف بها إلا عبر السرد، وعبر ما يستدعيه من تمثلات رمزية، ومن وعلاقات وحمولات نفسية، لا يكشفها إلا القارئ العمدة، بتوصيف ريفاتير، حيث الذهاب إلى الكتابة الضد، وحيث الذهاب إلى «الفراغات والبياضات» التي قالت عنها نظرية القراءة والتلقي.
رواية «عمة آل مشرق» للروائية أميمة الخميس الصادرة عن دار الساقي 2024 تأخذنا إلى معالجة حدث تاريخي من خلال أدوات لعبة سردية، تقوم على تقويض ذاكرة المكان، والحفر في سيرة عائلة اتسمت حياتها بالغموض، والتمثيل الملحمي، حيث الصراع في بعده النفسي والإنساني، وحيث تمثيل شخصياته من خلال اشتباكها داخل سردية الاختفاء والملاحقة، وعلى نحو يتعرض فيه الحدث، إلى المفارقة، عبر توظيف الروائية تقانة «الميتا سرد»، بوصفه تقانة تقوم على فعل الإضافة، عبر صناعة نص سينمائي/ موازٍ، يصنعه الحفيد، بحثا عن الممحو في ذلك التاريخ.
ينطلق الحدث من سردية الغائب، بوصفه تمثيلا مركزيا، مقابل وجود سردية موازية تقوم على البحث عنه، بوصفه لغزا، يستغرقه الغموض في المكان والعائلة، وعلى ما يثيره من فضول، ومن هاجس يستدعي إجراء سرديا يقوم على خرق الماضي، ليس بوصفه زمنا، بل بوصفه عالما تمثيليا لحكاية اختفاء العمة «الجازي» مع زوجها في البحرين.
لعبة الميتا سرد الموازية، تبدأ من استعداد حفيد العائلة لإنتاج وتصوير فيلم سينمائي عن اختفاء العمة وزوجها، والكشف عن الغموض الذي رافق رحلتهما الغامضة، وهو لا ينفصل عمّا عمدت إليه الروائية في توظيفها لتقانات متعددة، جمعت بين «الفلاش باك» وعين الكاميرا، بوصفها وسائط يتحفز عبرها السرد، بوصفه «التخيلي»، حيث يربط بين الرحلة والغياب، وحيث يتحول عقد الزواج الذي أصر عليه الوالد بين «الجازي» العليلة و»ماثيو» المساعد الطبي، إلى فكرة معقدة ذات بعد أنثروبولوجي عن التلاقي بين الشرق والغرب، أو بين الصحراوي والمديني، كاشفا عن المخفي من التصادم بين هذين الوجودين، وما يتعالق به من اشتباك حاد بين السردي والتاريخي، بوصفه تمثيلا للممحو من الحدث، وما رافقه من صراعات استغرقت المكان، خلال أحداث تفشي وباء «الانفلونزا الإسبانية»، وتداعيات الحرب، حتى تحول حادث «الاختفاء» إلى صدمة سردية، على مستوى ملاحقة «اللغز» والبحث عن أسراره، وعن غموض طلاسمه، وعلى مستوى ما يضمره من خفايا، تدخل فيها عناصر الإثارة، والسرد البوليسي، ما يُعطي للكاميرا وظيفة مفارقة، تخص التمثيل السردي للحدث، ولتحويل «وثيقة الاختفاء» إلى حدث ثقافي، يمكن من خلاله التعرّف على «الزمن الثقافي» وعلى الماضي العائلي، الذي يتستر على ثيمة الاختفاء.
التمثيل السردي لـ»عمة آل مشرق»، يقوم على توظيف المتخيل العائلي، بوصفه واسطة لتحريك الأحداث، واستثمار تقانة الفيلم، بوصفه نصا موازيا، يهدف إلى تقويض المجرى السردي، حيث قصدية الكشف، وحيث الحفر في تاريخ غامض، غامر بالمسكوت عنه، وعلى نحوٍ يذكرنا باختفاء شخصية «ريميديوس الجميلة»، في رواية ماركيز «مئة عام من العزلة»، فتحول اختفاؤها إلى لعبة سردية، تضمر نسقا مقموعا جنسيا أو سياسيا. تقانة «الاسترجاع» تدخل بوصفها إجراء سرديا، يجعل من الزمن واسطة للكشف عن ذلك المقموع والمخفي، وعن المسكوت عنه، في علاقة الزواج الغامضة بين «جازي وماثيو»، وعلى نحو يحضر فيه «المخرج/ الحفيد فواز» بوصفه مراقبا استقصائيا، يجعل من عين كاميرته أداة في الرصد والمراجعة، وفي تمثيل حركة الزمن التناوبي بين زمنين خلال عام 1918، والزمن الحاضر، وعبر توظيف إجراءات أو مفاتيح، أراد من خلالها الحفر في مخبوء المكان، وفي فتح مغاليق السيرة، وبما يجعل تلك الحركة تبدو وكأنها مسحٌ سردي لما تمّ حجبه من ذلك التاريخ.

السرد ولعبة الأمكنة

بين تقانتي الاسترجاع و»الميتا سرد» تتبدد طلاسم السرد، فيأخذنا الاسترجاع إلى بداية القرن العشرين، وإلى حكايات الزواج والترحال والاختفاء، ويأخذنا «الميتا سرد» إلى النص/ الفيلم الموازي، الذي يصنعه الحفيد، وهذا التشابك بين التقانتين يضعنا إزاء لعبة السرد، وما تقترحه من ترميزات ثقافية، ذات بعد أنثروبولوجي، أو بعد سيروي، أو سوسيولوجي، فيُعطي لحركة النص وعين الكاميرا بين أمكنة متعددة أبعادا متعددة، تتبدى من خلال البولوفونية/ تعدد الأصوات، التي تتواتر في الكشف عن غموض الرحلة والاختفاء، وعن السر الذي يقف وراءها، فأصوات «الجازي، وفواز وماثيو»، وحتى الجد، تحمل معها سيرة يتقاطع فيها الزمن الواقعي مع الزمن السردي، وعلى نحو تجعل منه الروائية «مدخلا» للتعرف على المكان السعودي وتمثلاته، وعلى ما يتخفى فيه من «أنساق مضمرة»، تخص ما هو مهيمن في ذلك المكان الدوستوبي، وما يخص مفارقاته وأسراره ووبائه، على مستوى تمثيل السلطة الرمزية للجد، وللرجال، مقابل عالم النساء بحسيته وهامشيته، وبغرابة موافقة الجد على رحلة «الجازي» الغامضة مع «ماثيو» إلى البحرين.
التقطيع السردي في الرواية على مستوى الزمن، أو مستوى البناء السردي، يكشف عن عالم يتوارى خلف الذاكرة، وأن ما تصنعه الكاميرا هو الرغبة في خرق ذلك المتواري، ليس على مستوى كتابة تاريخ مواز عبر السرد، بل للإيحاء بأن التاريخ يحتاج إلى المخيال السردي، وإلى القارئ الجديد بتوصيف إيزر، الذي يمثله الحفيد كفاعل في فحص النص، وفي إشباع «الفراغات والبياضات» وفي كسر التوقع، عبر أدوات يتم توظيفها ـ لغرض تقويض التاريخ، عبر السرد، وتقويض الواقع/ الصحراء عبر «الحداثة» وهي دلالة «مدينية» تؤدي وظائف متعددة، بدءا من استخدام المخيال السينمائي كعنصر توليدي، مرورا بتجديد اللغة، ليس كعنصر تواصلي، بل كدلالة وجود مفارق، له إحالاته الرمزية، وله جهازه الاستعاري والمجازي، في تمثيل ذاكرة المكان، وحتى في تمثيل ذاكرة «الهوية» بوصفها خزانا لكينونة تتعرض للخرق والنسيان.

الرواية والخرق السردي

قد تقترح القراءة موجهات أخرى للرواية، ولفحص أحداثها وصراعاتها وشخصياتها من زوايا مختلفة، حيث التمثيل السيميائي للحدث، وحيث التمثيل النفسي للشخصيات، وحيث التمثيل الأنثروبولوجي لعالم الصحراء، وللهويات التي تخرج عن بداهاتها إلى المختلف، وهذا ما جعل الرواية ليست تاريخية بالمعنى الوثائقي، بل هي أقرب إلى لعبة «المتخيل التاريخي»، بتوصيف عبدالله إبراهيم، فاستدعاء حكايات عن «الجن والخرافة»، وما يمور في الذاكرة الشعبية، يدخل في سياق استدعاء مكملات البناء السردي، التي تبدو وكأنها عناصر مساعدة، في تغذية الصراع النفسي والاجتماعي، وفي التعريف بالشخصيات وعلاقتها بميثولوجية المكان، وبمدى ما تعيشه، وما تحمله من هواجس، فبقدر ما تحمل هذه الرواية من إحالات تفضي إلى ما يشبه «الواقعية السحرية»، لاسيما في حادث الاختفاء، فإنها تظل رواية معنية بمقاربة سرديات المكان السعودي، وباتجاه يجعلها قريبة من «الرواية الوثائقية»، حيث رصد عوالم الصحراء، وحيث رصد الشخصيات التي واجهت «الوباء» والفقد، وحيث العلاقة مع الآخر، بما يجعل من ثيمة البحث عن المدينة، ترميزا للبحث عن التطهير والاستشفاء والإنقاذ والحياة الجديدة.
يبدأ الخرق في الرواية من خلال النص/ السرد السينمائي الذي يصنعه فواز، حيث تتحول الوثيقة إلى شهادة، وإلى نوع من السرد الاستقصائي الذي يدفعه إلى الحفر في عالم تختلط فيه الحقائق بالأوهام، والشخصيات الواقعية بالمتخيل السردي، وإلى استعادة الماضي، ليس للتعرف على اختفاء العمة، بل لربط هذا الاختفاء بما هو غامض في الصحراء، وفي «مجلس الرجال» وفي العلاقة الغامضة بين «الجازي» و»ماثيو»، وربما كان اللجوء إلى اختيار الزواج والسفر محاولة في إخفاء حدث جنسي، هو قناع لحدث سياسي واجتماعي، لم تعمل عين الكاميرا على إضاءاته بقدر اكتفائها بصناعة فيلم وبسيناريو يسلط الضوء على المكان، وعلى الزمن، وعلى ما يمور فيه من تحولات تبحث عن معنى لوجودها.
الشخصية والأنوثة الغائبة
التعرّف على شخصية «الجازي» يكشف عن سر علاقتها بثيمة الغياب، فبقدر ما يبدو المكان خشنا وذكوريا، فإن وجود الجازي فيه، أسبغ عليه تمثيلا صراعيا، ليس لتسويغ محوريتها الوجودية، بل لأنها تحولت إلى بؤرة لتمثيل الصراع الداخلي الذي يعيشه الأب، وبؤرة للتمثيل لصراع الخارجي بعد دخول الآخر «ماثيو» إلى لعبته السردية، وباتجاه جعلنا إزاء إعادة رسم وجودها، من خلال تنامي الحدث السردي، أو من خلال تمثيل مفارقتها، عبر علاقتها بخرق المألوف الصحراوي، حتى إن «مرضها» لم يكن بعيدا عن تلك المفارقة، لأنه يخفي سرا كبيرا، يبدأ من ترحيلها الاضطراري، ومن إحالاته الرمزية والجنسية، وينتهي عند مثيله «السحري»، حيث يتحول السفر إلى إخفاء، أو قتل تخلصا من خطيئة، أو من أنوثة متمردة على فحولة المكان..
التمثيل السردي لثيمة الغياب جعلت من شخصية «المساعد ماثيو» ليس آخر، بالمعنى الاستشراقي فقط، بل بوصفه جزءا من لعبة الإخفاء، حيث هو الآخر الذي ينتهك الجسد والنص والمكان، وهي انتهاكات تتحول إلى ترميزات شائهة، حاولت الروائية الاحتيال السردي عليها، من خلال دفعه إلى رفقة الجازي في علاجها، وإلى اعتناق دينها والزواج منها، وإلى الاندماج في وسطها الاجتماعي والجنسي والمكاني، وهي قضايا تتجاوز حدود الحوار، إلى أنسنة الخرق بدلالته الجنسية، التي انتهت بنوع من الرفض الرمزي، حيث الاختفاء الذي دفع الحفيد «فواز» إلى الحفر في رمزيته الغامضة، بهدف إعادة أسراره، ليس بهدف الحصول على الوثيقة، بل بهدف الكشف عن علاقة الاختفاء بالذاكرة الجمعية في «مجتمع الصحراء»، حيث تتمثل إعادة تمثيله عبر الوثيقة السينمائية، إلى غاية تهدف تفكيك رمزيته، وعلاقته بالجسد والنسق الثقافي، وبما يتمثل في تلك العلاقة من إسقاطات نفسية وأنثروبولوجية.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية