خلال فترة ترامب، استعادت واشنطن سياسة تدخل شبه مباشرة في أمريكا اللاتينية مثلما كان عليه الحال ما بين الخمسينات والسبعينات، وذلك عبر العقوبات وليس الانخراط في الانقلابات.
لندن ـ «القدس العربي»: هل بدأت الولايات المتحدة تطبق عقيدة مونرو جديدة في أمريكا اللاتينية؟ هذا هو التساؤل العريض الذي يتم طرحه في أعقاب سياسة واشنطن تجاه المواجهة مع كل من فنزويلا والتأييد للأرجنتين والضغط اللين على البرازيل ضمن دول أخرى. وتأتي كل هذه التطورات ضمن رؤية أشمل وهي طرد الصين تدريجيا من مجموعة أمريكا اللاتينية.
وتعتبر عقيدة مونرو من أقدم التصورات الجيوسياسية التي طرحها البيت الأبيض منذ تأسيس الولايات المتحدة، وتعود إلى الرئيس جيمس مونرو سنة 1823 الذي اعتبر تدخل أوروبا في منطقة أمريكا الجنوبية عملا عدائيا ضد الولايات المتحدة مقابل عدم تدخل واشنطن في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية أو في الحروب التي قد تندلع بين هذه الدول.
وكانت قد استعملت هذا التصور أو المبدأ ضد الدول الأوروبية حتى بداية القرن العشرين، خاصة وأن بريطانيا وفرنسا كانت لهما أطماع للسيطرة على بعض دول أمريكا اللاتينية التي كانت قد استقلت عن إسبانيا. ولاحقا في القرن العشرين، حالت واشنطن دون وصول الاتحاد السوفييتي إلى أمريكا الجنوبية، ونظمت انقلابات أشهرها ضد الرئيس جاكوبو أرينيز في غواتيملا سنة 1954 بحجة تقاربه مع الشيوعيين، ثم المشاركة في الانقلاب ضد الرئيس سلفادور أليندي في الشيلي سنة 1973 بسبب قربه من الشيوعيين والاتحاد السوفييتي. ولم تنجح في إسقاط نظام فيدل كاسترو في كوبا رغم المحاولات المتكررة. والآن، تدخل المرحلة الثالثة في تطبيق هذه العقيدة مستهدفة الصين وبدرجة أقل روسيا من خلال تطبيق سياسة متناقضة تجاه بلدين وهما فنزويلا وكوبا.
ويتجلى تطبيق عقيدة مونرو من طرف الولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية في سياستها تجاه ثلاث دول هي البرازيل وفنزويلا والأرجنتين.
الدعم المطلق للأرجنتين
علاقة بالأرجنتين، يمر هذا البلد بأزمة اقتصادية خانقة نتيجة السياسة الليبرالية التي طبقها الرئيس خافيير ميلي والتي كانت كارثية بكل المقاييس على القدرة الشرائية وتراكم الديون. ونظرا للدعم اللامشروط من طرف واشنطن للرئيس خافيير ميلي لأنه يلتقي مع ترامب في كل الملفات الدولية، اتفقت إدارة ترامب مع وزارة الخزانة الأمريكية على «خط مبادلة» (اتفاق تبادل) بقيمة 20 مليار دولار أمريكي مع البنك المركزي الأرجنتيني. وبموجب هذا الاتفاق، يمكن للأرجنتين تبادل البيزو بالدولار الأمريكي من أجل استقرار عملتها. بالإضافة إلى المبادلة، من المقرر توفير تمويل إضافي بقيمة 20 مليار دولار أمريكي من خلال البنوك الخاصة والصناديق السيادية لدعم الاقتصاد الأرجنتيني. في الوقت ذاته، توطدت العلاقات بين الأرجنتين والولايات المتحدة. ويرى البيت الأبيض في الأرجنتين تحت قيادة خافيير ميلي «حليفاً استراتيجياً» في أمريكا الجنوبية.
ومن خلال استعراض هذا الدعم الثلاثي، فإن البيت الأبيض يريد تحقيق هدفين رئيسيين وهما: تعزيز النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وبالتالي إضعاف النفوذ الصيني في ثاني أكبر دولة في أمريكا الجنوبية وهي الأرجنتين. ويتجلى الهدف الثاني في دعم الإصلاحات الاقتصادية في الأرجنتين لأنها تلتقي ورؤية ترامب وفريقه حول حرية الأسواق. وهذا سيؤدي لا محالة إلى التقليل من الأزمات الاقتصادية التي قد تكون لها آثار سلبية على المنطقة أو الأسواق العالمية، ما يعود بالفائدة أيضًا على الولايات المتحدة. ووصل الأمر بالرئيس ترامب إلى دعوة الأرجنتينيين التصويت على خافيير ميلي في الانتخابات الجزئية والأقاليم إذا أرادوا الاستفادة من هذا الدعم المالي.
البرازيل: الضغط والترحيب
تعتبر البرازيل عملاق أمريكا اللاتينية، وهي دولة محورية تؤثر في صناعة القرار الإقليمي. وكلما ارتبط اقتصادها بدول مجموعة البريكس وعلى رأسها الصين، انخرطت معها دول المنطقة كذلك. وبناء على هذا، تريد إدارة ترامب دفع البرازيل نحو تقليل العلاقات مع دول البريكس، وذلك من خلال التهديد بفرض رسوم جمركية تتجاوز 50 في المئة، ما يهدد مفهوم التجارة الدولية. وطالب ترامب من قبل عدم إدانة القضاء البرازيلي للرئيس السابق بولسونارو المتورط في محاولة الانقلاب ومنع الرئيس المنتخب لولا دا سيلفا من شغل المنصب.
الحرب ضد فنزويلا
يختلف الأمر مع فنزويلا، حيث ترى واشنطن في نظام الرئيس نيكولا مادورو عدوا رئيسيا يعرقل نفوذها في المنطقة. ولهذا، فهي تمارس ثلاثة أنواع من إجراءات الضغط، الأول هو تسفيه النظام الحاكم بتصنيفها الرئيس مادورو بمثابة مهرب مخدرات يجب اعتقاله. خنق فنزويلا اقتصاديا لتأجيج الأوضاع الاجتماعية أكثر ضد السلطة، ثم محاولة خلق انقسامات في القيادة الحاكمة لكي يثور الجيش أو الاستخبارات أو تيار في السلطة ضد مادورو ما سيؤدي إلى التغيير السياسي. ويجري كل هذا في ظل ضغط عسكري أمريكي كبير من خلال حشد سفن عسكرية وغواصات تفرض ما يشبه الحصار غير المعلن على فنزويلا تحت ذريعة محاربة المخدرات. وأعلن البنتاغون يوم الجمعة من الأسبوع الجاري إرسال أهم حاملة طائرات له وهي جيرالد فورد إلى الكاريبي. واستهدفت البحرية الأمريكية حتى الآن ستة قوارب سريعة تحت غطاء أنها تحمل المخدرات. ويجري استبعاد التدخل العسكري الأمريكي لسببين، الأول لأن المؤسسة العسكرية ما زالت تحت قيادة مادورو وتتوفر على أسلحة نوعية مصدرها الصين وروسيا، ثم الخوف من تحول فنزويلا إلى دولة فاشلة مثل هايتي ما سينقل التوتر إلى مجموعة دول أمريكا الجنوبية، بما في ذلك ظهور حركات يسارية راديكالية لمواجهة النفوذ الأمريكي. وبدأت سياسة واشنطن ضد فنزويلا نسخة متجددة من أعمالها ضد دول مثلما حدث في غواتيمالا سنة 1954 والتشيلي سنة 1973 وبنما سنة 1989.
السياسة الحالية للبيت الأبيض في أمريكا اللاتينية، ليست جديدة بل يجري تطبيقها منذ تبني عقيدة مونرو في عشرينيات القرن التاسع عشر. وتختلف حدة التدخل في المنطقة وفق الظروف السياسية الدولية. وخلال فترة ترامب، استعادت واشنطن سياسة تدخل شبه مباشرة مثلما كان عليه الحال ما بين الخمسينات والسبعينات، وذلك عبر العقوبات وليس الانخراط في الانقلابات. وتطبق هذه السياسة لأنها ترى في الصين المنافس الخطير على ريادة الولايات المتحدة في العالم. وعليه، يجب أن تبدأ واشنطن بمحاصرة الصين في الحديقة الخلفية التاريخية للبيت الأبيض، أمريكا اللاتينية. إنها عودة عقيدة مونرو بقوة للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية. وكان مارك روبيو قد صرح في بداية توليه منصبه وقيامه بزيارة شملت بعض دول أمريكا اللاتينية أن «واشنطن ستقلل من نفوذ الحزب الشيوعي الصيني في أمريكا اللاتينية من قناة بنما إلى الجيل الخامس من الإنترنت».
إن البيت الأبيض يعتبر أمريكا اللاتينية جزءا من أمنه القومي، ولهذا ستكون هناك تدخلات كثيرة لواشنطن في المنطقة، من دون استبعاد بعض الخيارات العسكرية ولو المحدودة مثلما قد يقع ضد فنزويلا.