عصر الهيمنة الإسرائيلية «يدق الأبواب»

تبدو الحقائق الصغيرة وكأنها لا تعني شيئا للبعض من السياسيين، الذين يعشقون العناوين الطنانة، بينما تلك الحقائق الصغيرة إذا اكتشفنا العلاقات في ما بينها، قد تخبرنا أن عالما كبيرا جديدا هو في مرحلة الولادة. المدهش أكثر من ذلك أن البعض من ضحايا تلك الحقائق الصغيرة، يعتقد بقوة في أن من يصنعونها يمكن أن يتوقفوا عنها ببيانات الشجب والإدانة. المثير للسخرية أكثر من ذلك هو محاولة تحكيم ترامب في سلوك نتنياهو السياسي! البعض رأي في «حرب غزة» مجرد وسيلة للخلاص من «حماس»! وفي «حرب إيران»، وسيلة للخلاص من «التهديد النووي الإيراني» وتطهير العالم من «نظام الملالي»! وهكذا سوف يكتشف البعض، ولكن بعد فوات الأوان، أن هذه وتلك وغيرهما، ما هي إلا خطوات صغيرة لإعادة هندسة الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وإقامة نظام إقليمي جديد بقوة «سلام القوة» الذي يحول الآخرين إلى مجرد دمى لا حول لها ولا قوة.
في هذه المنطقة من العالم يخبرنا التاريخ أن من يحكم الشرق الأوسط يتحكم في قلب العالم (أوراسيا)، ومن يتحكم في قلب العالم يسيطر على العالم أجمع، حسبما صاغ المعادلة نيكولاس سبايكمان أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة ييل الأمريكية، الذي طور نظرية هالفورد ماكيندر الشهيرة عن صراعات القوى البحرية والبرية العالمية ومقومات الانتصار وعوامل الانكسار في تاريخها. الشرق الأوسط خضع للعرب المسلمين الذين حكموا ما يعرف الآن بالشرق الأوسط، وأصبحوا سادة العالم، ثم الأتراك العثمانيين الذين جاؤوا على أنقاض حكم المماليك، وفرضوا على المنطقة ما يمكن تسميته «عصر السلام العثماني».
ومن بعدهم عاش الشرق الأوسط تحت ظلال عصر السلام الأنكلو- فرنسي، الذي شهد تحول الولايات العثمانية إلى دول قومية تحت قيادة مشايخ قبائل، أو ضباط عسكريين، حتى جاءت الولايات المتحدة وفرضت هيمنتها على نصف الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة، ثم المنطقة كلها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. الآن تبدو المنطقة على أبواب عصر جديد يمكن تسميته عصر»السلام الإسرائيلي»، أو بمعنى أدق «عصر الهيمنة الإسرائيلية»، حيث لا قوة غير قوتها، ولا كلمة غير كلمتها، ولا رؤية للمستقبل غير رؤيتها. ما يحدث الآن في إيران وسوريا والعراق ولبنان والضفة الغربية وغزة واليمن وليبيا وغيرها، هو حاصل تفاعلات «حقائق صغيرة» وقعت واستقرت وأصبحت لها القدرة على التغيير. مرت بنا مرور الكرام ولم نلتفت إليها، أو لعلي أقول إننا سكتنا عنها عمدا حتى لا ننتبه وحتى تمر وتستقر. سلام القوة في الشرق الأوسط هو جوهر السلام الإسرائيلي، سلام الركوع لقوة القهر، بلا أي قدرة على الحركة والمقاومة، ولو إلى حين. سبايكمان قال، إن السيطرة على الحزام البحري المحيط بقلب العالم (أوراسيا) هو أهم من السيطرة على أوراسيا نفسها، هذا الحزام البحري يبدأ شمالا من شبه جزيرة القرم، ويمتد جنوبا إلى شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر حتى شاطئ القرن الافريقي. وسوف يكون ذلك الحزام هو المجال الحيوي لإسرائيل الكبرى، الممتدة من الفرات إلى النيل. وها هي إسرائيل تهدد أمن الطاقة في مصر، لأنها أصبحت المورد الأول للغاز للدولة التي كانت يوما ما تتباهى بتصدير الغاز إلى إسرائيل. وهي أيضا تهدد أمن المياه في الأردن، وقد تستدير إلى إثيوبيا لتشديد الضغط على أمن المياه في مصر.

سلام القوة في الشرق الأوسط هو جوهر السلام الإسرائيلي، سلام الركوع لقوة القهر، بلا أي قدرة على الحركة والمقاومة، ولو إلى حين

الحرب في إيران ما هي إلا خطوة أخرى لتطهير الطريق أمام إقامة «إسرائيل الكبرى» من العقبات والعراقيل، حتى إن كانت شكلية أو مصطنعة. الحرب تقول إنه «لا سلاح في المنطقة غير سلاح إسرائيل».
يوما ما كانت الدول العربية تتمنى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، لكنها الآن أصبحت تدرك أن إسرائيل هي سلاح الدمار الشامل الوحيد الذي يهدد السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. لكنه إدراك متأخر ولا قيمة له في الأجل القصير والمتوسط. أسلحة العرب لا قيمة لها، لأنها لا تستطيع مواجهة التحدي الوجودي الحقيقي للهوية العربية والإسلامية. الآن يتحدث نتنياهو عن «محورالتطرف السني الناشئ» في إشارة إلى السعودية وباكستان وتركيا ومصر. ويتحدث عن ضرورة تدمير هذا المحور بطريقة تدمير «محور التطرف الشيعي» الذي كانت تمثله إيران والقوى الحليفة لها. وقد أعلن نتنياهو البدء في إقامة المحور الثالث، محور نجمة داوود السداسي الذي يضم على الأرجح الهند، لتكون هي القوة المعادلة جغرافيا وسكانيا لعقدة الحجم، التي تعاني منها إسرائيل، ومعهما اليونان وقبرص. وعلى الأرجح سيضم الحلف السداسي أيضا أذربيجان، ومعهم كان من المفترض أن تجلس الإمارات العربية المتحدة! لكن الإمارات أصبحت في حيرة من أمرها، بعد أن ذهبت السعودية إلى طريق آخر. دول أخرى قد تكون مرشحة للانضمام إلى تحالف نجمة داوود السداسي، الذي يطمح نتنياهو إلى إقامته ربما قبل الانتخابات العامة في إسرائيل هذا العام. هذا التحالف، كما تظهر وثائق التعاون المشترك بين اسرائيل وكل من الهند واليونان وقبرص وأذربيجان والإمارات يقوم على ركائز التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي، وتعظيم التجارة المشتركة والتعاون الاقتصادي. الحلف العسكري الإسرائيلي الجديد سيصبح عنوانا لتقسيم جديد للعمل العسكري على مستوى العالم، سيكون نهاية فكرة الناتو العربي، ونهاية لفكرة انفراد الولايات المتحدة بالقرار العسكري في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن أمريكا ترامب لا تعتزم الانسحاب عسكريا من العالم، فإن مركز اهتمامها سيكون الدفاع عن التحالف الغربي، وترك مساحة كبيرة للتحالف السداسي الجديد للقيام بدور مركزي في النصف الشرقي من العالم. إسرائيل تعتبر أنها جديرة بأن تلعب دورا عالميا من الدرجة الأولى على المستوى العسكري، خصوصا بعد النجاحات التي أحرزتها في الشرق الأوسط. لكن الوضع في الشرق الأوسط لم يستقر بعد ولم تهدأ عواصفه. ما تزال مسألة إقامة حلف عسكري إسلامي متعدد الأطراف محل جدل. كما أن الحرب في إيران لم تضع مولودها بعد، حتى مع نجاح إسرائيل في اغتيال أغلبية أعضاء القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية. الوقت لا يزال مبكرا لمعرفة كيف سيكون عليه حال إيران بعد اغتيال علي خامنئي. وربما تعمل القوى المختلفة التي تلعب في الداخل الإيراني على إقامة حالة من الاستقرار الذي يسمح بإقامة نظام سياسي جديد وسط مناخ هادئ وايجابي. وربما تؤدي التفاعلات السياسية إلى خلق حالة من الفوضى المدمرة في الداخل تنتهي إلى تقسيم إيران وإقامة دويلات أو اتحاد فيدرالي في أحسن الأحوال ينهي الطابع المركزي للدولة الإيرانية، على غرار ما حدث في العراق بعد حرب 2003. إيران باعتداءاتها على دول الخليج فقدت أي تعاطف عربي، كما أن الوقت لا يزال مبكرا لمعرفة كيف تسير خطط إقامة تحالف عسكري إسلامي يضم قوى تتنافس في ما بينها على زعامة الشرق الأوسط، مهما كان مريضا أو ضعيفا أو ممزقا، تأكله حروب أهلية في السودان واليمن وليبيا وسوريا ولبنان والصومال. ببساطة فإن عملية الهندسة السياسية للشرق الأوسط الإسرائيلي بدأت لكنها لم تنته بعد، حتى إن كانت المقاومة قد تعرضت لانكسارات حادة وقاسية. إن جدول أعمال السياسة في الشرق الأوسط للعام الحالي قد تغير كثيرا عما كان عليه في الأشهر الأخيرة من العام الماوضي. ومن المؤلم أن نعرف أن الفلسطينيين الطامحين إلى السلام والتعايش، لم يحصلوا على قدر مما كانوا يتوقعون بعد مؤتمر السلام في شرم الشيخ. لا تزال إسرائيل تسيطر عمليا على غزة من خلال الحصار، واستمرار الضربات العسكرية وتقييد تدفق المساعدات الإنسانية وحركة الأفراد. الإعمار أصبح مسألة مؤجلة في الوقت الحاضر، وقد ينتهي الأمر بقطاع غزة إلى الوقوع فريسة للأطماع الإسرائيلية في الشمال والشرق، والأطماع الأمريكية في الغرب، مع بقاء الجنوب نقطة اختبار شديدة الحساسية في العلاقات بين إسرائيل ومصر. دعك من قصة تصريحات مايك هاكابي، وتداعياته على صفحات الصحف وفي المنتديات الإعلامية والسياسية، ودعك من التفسيرات المختلفة لما جاء فيها بشأن أحقية إسرائيل في التمدد عبر حدود الدول العربية المجاورة. ودعك من اغتيال خامنئي وأكثر من نصف القيادة الإيرانية وما يمكن أن يتركه من تداعيات على المشهد السياسي الداخلي في إيران. من تحول حلم التطبيع السعودي – الإسرائيلي إلى سراب، ولو مؤقتا. دعك من كل هذه الأمور وفكر فيما سيكون عليه الحال في السنوات القادمة، عندما تحصل إسرائيل بمجرد الإشارة على ما تريد من الدول العربية المجاورة بدءا من تغيير مناهج التعليم، إلى السيطرة المباشرة أو عن طريق وكلاء على الموارد الحرجة في الدول العربية. ما يحدث في الشرق الأوسط حاليا ينبئنا بأننا على حافة هاوية.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية