يُعدّ عبد الكبير الخطيبي أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تأسيس وعي سوسيولوجي جديد في المغرب، وارتبط اسمه بمسار فكري حاول أن يزاوج بين المعرفة الاجتماعية والكتابة الروائية.
ولد اهتمامه بالسوسيولوجيا منذ سنوات الثانوية في نهاية الخمسينيات، ما دفعه للسفر والدراسة في باريس، حيث أنهى تكوينه الأكاديمي، قبل أن يلتحق بجامعة محمد الخامس في الرباط، أستاذاً باحثاً، مدفوعاً برغبة المشاركة في بلورة مشروع مجتمع ما بعد الاستعمار في طور التحديث، مشروع سياسي وثقافي يتجاوز آثار الاستعمار نحو بناء وعي جماعي جديد.
في منتصف الستينيات، ساهم الخطيبي إلى جانب عالم الاجتماع بول باسكون وسوسيولوجيين آخرين، في تكوين جيل من الطلبة الذين أصبح بعضهم من الباحثين المرموقين، مثل عبد الله حمودي وعبد الله حرزني وأحمد زوكاري. تمحورت أبحاثهم حول قضايا الشباب القروي، والنخب، والطبقات الاجتماعية، والتخلف، والتحولات الاجتماعية، والفساد الإداري. كانت تلك فترة غنية بالفكر والممارسة، سادها الإحساس بضرورة خلق فضاء حر للعقل السوسيولوجي، ومساءلة الواقع المغربي، ضمن رؤية يسارية نقدية تسعى إلى التغيير الاجتماعي لا مجرد تفسيره.
لكن هذا المسار الأكاديمي لم يخلُ من التحديات، فبعد أحداث 1968 في فرنسا، سرت المخاوف من انتقال العدوى الطلابية إلى الجامعات المغربية، ما دفع الدولة إلى إغلاق معهد السوسيولوجيا سنة 1970 في لحظة تعكس ما وصفه الخطيبي بـ»الكوميديا السياسية» التي قاومت الروح التحليلية في المجتمع.
كان الخطيبي يرى أن علم الاجتماع لا يمكن أن ينمو إلا في فضاء يعترف بالتحليل والنقد، كشرط من شروط التنمية، وأن الخوف من الفكر التحليلي هو في جوهره خوف من المجتمع نفسه وهو يحاول أن يعرف ذاته.

مؤخراً، وفي سياق إعادة الاعتبار لمشروعه، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاباً بعنوان «عبد الكبير الخطيبي ورهانات تأسيس سوسيولوجيا عربية» ضم مجموعة من المقالات والأبحاث التي حاولت إعادة النظر في مشروعه السوسيولوجي. وربما ما ميّز بعض المشاركات في الكتاب هو تركيزها على قراءة المشروع الروائي للخطيبي. ما يلفت النظر حقيقة هو إدراكه، تدريجياً في نهاية الستينيات، أن الروائي قد يلعب دوراً شبيهاً بالسوسيولوجي، وربما قد ورث عمله، خاصة في ظل انهيار البحث السوسيولوجي العربي الميداني، وعجز الخطاب الأكاديمي الجاف عن تقديم قراءات حيوية للمجتمعات، ولذلك وجد الخطيبي في الرواية مدخلاً يتيح له التعبير بحرية، وحتى الكتابة عن المجتمع بأسلوب أكثر جمالية من الكتابة السوسيولوجية التقليدي، تدريجياً، توجه الخطيبي نحو علم اجتماع الأدب، ليجعل من الأدب مرآة للتحولات الاجتماعية والثقافية في المغرب والعالم العربي، كانت أطروحته حول الرواية المغاربية، الصادرة عام 1969 عن دار فرانسوا ماسبيرو، محطةً حاسمة في مسيرته، حيث بلور من خلالها فهماً جديداً للعلاقة بين اللغة والهوية، وبين الأدب والمجتمع، أدرك أن الرواية في السياق المغاربي ليست مجرد جنس أدبي وافد، بل أحد مظاهر المثاقفة والاستلاب والمقاومة، وأن ازدواجية اللغة بين العربية والفرنسية تعكس تمزق الذات بين ثقافتين وتاريخين.
يعتقد حيدر الحاج، أحد المشاركين في الكتاب، أن الخطيبي لم يكن ناقداً للأدب فحسب، بل كان أيضاً مبدعاً روائياً. ففي روايته «الذاكرة الموشومة» 1971، أعاد صياغة تجربة ما بعد الاستعمار في شكل سردي يتقاطع فيه الجسد بالتاريخ، والوشم بالذاكرة، والهوية بالجرح، فالوشم ليس مجرد نقش على الجسد، بل نقش على الوعي، دلالة على استمرار أثر الاستعمار في النفس بعد رحيله عن الأرض. كانت هذه الرواية بمثابة حدث ثقافي كبير في الفضاء المغاربي، إذ مثلت لحظة انبثاق وعي جديد بالذات المستعمَرة، التي بدأت إعادة بناء هويتها من داخل اللغة ومن خلال الذاكرة.
أما في روايته الثانية «سفر الدم»، فقد تجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية، فزاوج بين الشعر والمسرح والسرد، مستلهماً أجواء ألف ليلة وليلة. ولعل لجوءه لأجواء الليالي العربية ليس اعتباطياً، بل هو بمثابة تكتيك سردي يتيح له التخيل بحرية أكبر، وهو شعور يبدو أنه ظل يرافق الخطيبي طوال حياته. فالذات ما بعد استعمارية هي ذات قلقة، حائرة، أو هكذا يجب أن تكون كي تتمكن من التحرر. ولذلك لم تكن الرواية مجرد قصة تقليدية فيها بطل وأحداث، بل هي رحلة داخل النفس، يتأمل فيها الجسد والحياة، ويكتب عن الحب والمرأة، والكتابة والهوية، واللغة التي يكتب بها، الفرنسية والعربية، مشيراً إلى شعوره بالانقسام بين ثقافتين.
لقد أدرك الخطيبي، كما يعتقد مصطفى خُلاني، مشارك آخر في الكتاب، أن قدره، كما كتب هو نفسه، لم يكن قدر ابن خلدون، لكنه يشترك معه في الوعي بـ»النكبة الحضارية»، التي ألمّت بالعالم العربي والإسلامي، وفي السعي إلى بناء علم جديد لفهم التحولات التاريخية والاجتماعية، وإذا كان ابن خلدون قد أسس علم العمران البشري، فإن الخطيبي حاول أن يؤسس سوسيولوجيا للاستعمار وما بعده، تقرأ المجتمع المغاربي في ضوء الصراع بين حضارتين: حضارة تحتضر وأخرى توسّع نفوذها عبر المعرفة والقوة والهيمنة.
لقد جعل من «النقد المزدوج» منهجه الفكري الأصيل: نقد الميتافيزيقيا العربية والإسلامية من جهة، ونقد الفكر الغربي من جهة أخرى. وهو بذلك وضع نفسه في موقع المثقف الكوني، الذي لا ينتمي إلى ضفة واحدة، بل يقف في المسافة الفاصلة بين الشرق والغرب، محاولاً بناء خطاب قلق يتيح للعقل حرية التفكير خارج أي إطار كان. إذ اعتقد أن مهمة المثقف، أو السوسيولوجي في فترة ما بعد الاستعمار، هي التفكير في واقعه بأسلوب جريء، نقدي، لا يقف عند حد معين. والأهم من ذلك، هو حائر، بمعنى يبحث دائماً عن كسر القراءات والتفسيرات التقليدية مهما بدت مقنعة وصلبة.
حاول عبد الكبير الخطيبي أن يحوّل السوسيولوجيا إلى فعل ثقافي أوسع، من خلال الدخول في عالم الرواية. لم يكن هدفه أن يؤسس علماً أكاديمياً جامداً، بل أن يوقظ في المجتمع حسّه النقدي وقدرته على مساءلة نفسه. ومن هنا تأتي راهنية فكره اليوم، خاصة في ظل عجز الدرس السوسيولوجي المغربي والعربي عن تقديم قراءة حيوية للمجتمعات، وهو عجز دفع الطاهر لبيب وغيره من الباحثين إلى اللجوء إلى الرواية، كأداة لقراءة المجتمع بحرية وجمالية، بدل المنهجية الأكاديمية الجافة. ومن هنا وجب إعادة الاعتبار للخطيبي، ليس السوسيولوجي والروائي فحسب، بل إلى محاولته الكتابة عن المجتمعات بحرية وحساسية معرفية قلقة، بمعناها الإيجابي.
كاتب سوري