سنة أخرى آفلة من الألفية الثالثة، والفضاء السياسي العربي لا ينذر بوجود أزمة سياسية فقط، بل بمراكمة خيبات الحكم، ومحاصرة حقّ المواطن في الاختيار الحرّ. والتفاصيل الكامنة وراء انتهاك حقوق الإنسان وقمع الحريات، ما زالت مرتبطة بالسّرديات المتهافتة حول التآمر الخارجي واستهداف الأوطان. والكارتيل الحاكم في أكثر بلدان المنطقة، لم يستوعب بعد مفهوم المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية، والانتهازية السياسية غلّبت رابطة المصالح والحكم الاستبدادي على حساب تكريس الحقوق العامة والحريات الفردية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والشفافية في التسيير.
مداخل فلسفة الحكم وتقييماتها تتطلّب مناقشة الأفكار والرؤى والمشاريع، وليس جدل الأشخاص. والدول العربية بحاجة إلى ثورة علمية وفكرية، وإلى إرادة سياسية تدفع باتّجاه التكامل الاقتصادي والمشاريع التحديثية التي تقطع مع الشقاق والتنافر، والارتهان لدول غربية طامعة واستغلالية، والولاء لأقطاب كبرى على حساب مصالح شعوب المنطقة. ومؤسف أنه بعد كلّ هذه العقود من مراحل بناء الدولة الوطنية، ما زالت المنطقة تعيش في تبعيّة، ومعظم اقتصاداتها ريعية متخلّفة، حكّامها لا يبادرون إلى توفير عوامل اندماج اقتصادي تقوم على التكامل، ويمارسون الوصاية على رعايا لا على مواطنين، تكريسا لواقع التبعية على نحو استهلاكيّ للمنتجات الغربية.
وبالمحصّلة، فشلت الأنظمة السّلطوية في تحقيق الرّخاء الاقتصادي، وفي تحسين الظروف المعيشية، وبقيت محكومة بهواجسها الأمنية التي راكمتها لعقود، وهي إلى الآن تجاهر بها كأكثر اللّوازم الخطابية حضورا على ألسنة المسؤولين من البيروقراطية السياسية، على نحو التأكيد أنّ تحدّيات الإرهاب تُعقّد مسألة التوفيق بين توفير الأمن والحريات المدنية، وهو في الحقيقة تلفيق علني ترسّخه النخب المتحالفة مع الأنظمة القمعية لحمل الناس على الرضا بواقع من هذا النوع، وتأييد النظام، وتقبّل ممارسات العنف، وتأبيد الانتهاكات اليومية لأجهزة الدولة. والحكومات التي تتّسم بهذا الطابع من التّراخي والإجحاف في حقّ مواطنيها، لا يمكن أن تتحدّث عن العدالة والمواطنة، وتلوك كلّ تلك المفاهيم التسويقية الفضفاضة، من دون أن يلامس أحد واقعيتها، على نحو الاستبداد الديمقراطي الناعم والهادئ، الذي تدّعيه أحيانا، حيث تختفي بوجوده سلطة القانون، ولا يختفي الطغيان، فهو عبارة عن ممارسة السلطة التي لا تستند إلى أيّ حقّ، كما عرّفه أمثال جون لوك وديدرو وتوكفيل. فهْمٌ من هذا القبيل، يفترض أن نتجاوز مرحلة الأنظمة الورقية، التي لا ترى في المواطن سوى ورقة انتخابية، تزرع فيه وعيا زائفا بإمكانية التغيير، ويصبح الخطاب الديمقراطي الذي يتمّ تسويقه من دون هوية سياسية، وبعيدا كلّ البعد عن العدالة والمساواة والحرية، بما هي أفكار أخلاقية يجب أن تُطبّق ضمن قوانين سياسية تحكُم العلاقات الإنسانية داخل المجتمع الواحد، حتّى لا يتمّ تغييب شروط الحكم التي تسمو في المقصد.
معركة الشعوب العربية في سبيل الحرية وتجاوز العنف السياسي، لا تقلّ أهمية عن معاركها بالأمس من أجل الاستقلال وتحرير الوطن من الاستعمار
معركة الشعوب العربية في سبيل الحرية وتجاوز الأزمات الاقتصادية والاستقطاب الاجتماعي والعنف السياسي، لا تقلّ أهمية عن معاركها بالأمس من أجل الاستقلال وتحرير الوطن من الاستعمار. لكن واقع الحالة العربية المكبّلة بأنظمة متخلّفة، تكشف عن تعلّق غريب بالدول الاستعمارية، ورضوخ مفضوح لمطالب الهيمنة، وللراغبين في مواصلة السيطرة على الثروات، من الذين قطّعوا أوصال الأمّة في سايكس بيكو، وعادوا من جديد لتفتيت الجمهوريات وتخريبها من الداخل، وأبقوا على الملكيّات لغاية واحدة، وهي استنزافها من الطاقة البترولية، وإلزامها بتمويل صفقات القرن وبيع فلسطين في المزاد العلني. مسارات توحي بتآكل سيادة القرار العربي، وباتّساع المسافة بين تطلّعات الشعوب، مقابل الرؤى الرديئة والمختزلة للحكّام. وهناك من لا يرغب في فهم أنّ العرب ينشدون التحرّر والانعتاق مثل كل شعوب العالم، ويتطلّعون إلى العدالة الاجتماعية ودولة القانون التي تساوي بين البشر، وتحفظ كرامتهم وحقوقهم الإنسانية. دولة تمضي في مهمّات الإصلاح الحقيقية بروح وطنية جامعة لا تتجاوب مع ثقافات ما قبل الدولة، مؤشّر التقوقع الطائفي والمذهبي والعشائري، وعلى نحو أبجديات فلسفة الحكم ومقاصدها النبيلة، بعيدا عن رهن الأوطان وفق مصالح الأفراد والجماعات الأهلية على قاعدة أسر وبيوتات سياسية وانتهازية فئوية غير محدودة. فجوهر الديمقراطية الاجتماعية أن يتمّ التّركيز على المضمون والمعايير الموضوعية أكثر من المؤشّرات الإجرائيّة، بمعنى أنّ المسألة ليست مجرّد إجراءات شكلية وشعارات ووعود كاذبة وأوهام منثورة، بل أخلاقية بالأساس، تلخّصها المقولة الشهيرة لعالم السياسة الإيطالي جيوفاني سارتوري من أنّ الديمقراطية توجد فقط عندما تأتي القيم والمثل بها إلى الحياة.
الحالة السياسية مرتبكة في أكثر من بلد عربي، وهناك حركات احتجاجية، ونبض ثوري متواصل، ينشد التحرّر من الفساد والاستبداد الحزبي والطائفي. فالشعوب ترغب في الارتقاء بأوطانها إلى مستوى الحياة الإنسانية غير القابلة للخضوع، أو الإذعان لإكراهات الطائفية السياسية والنسخ المشوّهة والمتهالكة لأنظمة حكم جوهرها الفساد والاستبداد وخدمة السلطة. ويبقى المعطى البديل في مقاربة قدرة الأنظمة القمعية على الاستمرار، وعدم التجاوب مع عملية التحول الديمقراطي، هو عدم تمييز الأجهزة الأمنية والعسكرية لنفسها عن النظام. اتّضح ذلك منذ عشر سنوات في خضمّ موجة ربيع الشعوب العربية، وما زال يزداد ترسّخا، على نحو ما سمّته الباحثة السياسية إيفا بالين، دور الأجهزة الأمنية الإكراهية لهذه الدول. يعضدها إعلام السّلطة وانتهازية مثقّفيها بطبيعة الحال.. وهي العوامل الأكثر تفسيرا لمقاومة محاولات الإصلاح ومطالب التغيير. عطالة وعطب سياسي عربي أولى مؤشرات تواريه قد تكمن في خلق الهوية الوطنية الجامعة، واستيعاب الاختلاف، وتوليف الهويات الفرعية، وتشكيل التجانس الوطني، ووضع مساحة للتمييز بين الدولة والسلطة، وتحديد معايير كلّ منهما. لنفعل هذا وستشرق شمس العرب.
كاتب تونسي