متى ستتعلم أنظمة الحكم في أقطار مجلس التعاون الخليجي الدروس والعبر من مخاطر وآلام الأخطاء التي قد يرتكبها هذا القطر، أو ذاك أو أحياناً ترتكبها كل مجموعة أعضاء المجلس؟ هذا الفشل في تعلم الدروس والعبر أصبح مصدراً يهدد بين الحين والآخر استقرار كل مكوناته المجتمعية، بل أصبح خطراً وجودياً قد يقضي على هذا المجلس، وبالتالي تتحقق أمنيات ومؤامرات الاستعمار الغربي ـ الصهيوني في تدمير آخر محاولة وحدوية عربية في أحد أقاليم الوطن العربي الكبير.
مناسبة رجوعنا ورجوع الكثيرين غيرنا للحديث عن ظاهرة فشل التعلم المتكررة عبر عمر المجلس، من قبل أنظمة حكم متبدلة ومتلونة في فهمها لما يجب ولما لا يجب في أمور العمل مع الإخوة والأقارب في الهوية واللغة والدين والمصالح والجغرافيا والتاريخ، بل حتى التزاوج والنسب… مناسبة رجوعنا هو انفجار الخلاف السياسي الأمني السعودي ـ الإماراتي الأخير في وجوه الجميع، مهما حاول البعض من تقليل أهميته وأخطار حدوثه على حاضر ومستقبل المجلس.
والسؤال الذي يستوجب طرحه في الحال هو: هل سيبادر قادة أعضاء المجلس إلى إجراء دراسة بموضوعية للأزمات التي انفجرت في ما مضى، وفي الحاضر بين بعض الأعضاء، ويتخذوا القرارات التنظيمية والقانونية والسياسية اللازمة لمنع عودة مثل تلك الانفجارات والخلافات البينيّة مستقبلاً؟ بل لمنع حدوث الاحتكاكات غير المبررة والتصرفات الانفرادية الطفولية، المؤدية إلى الإضرار بواحد، أو جميع أعضاء المجلس الآخرين؟
مجلس التعاون الخليجي يحتاج أن ينظر في مطلب قديم مهمل، بشأن ضرورة وجود سلطة قضائية ضمن مكونات المجلس مخولة للنظر في أية خلافات ما بين أعضائه
لقد أهمل المجلس إجراء مثل تلك الدراسة في الماضي، فهل ستجبر الأوضاع العربية المتردية الحالية، المجلس على عدم إهمال المشهد الحالي، وجعل دراسته مدخلاً لإصلاحات جذرية في أسس وممارسات هذا المجلس، الذي كان عند قيامه يعتبر مثالاً معقولاً يشار إلى عقلانيته وتوازنه والآمال الوحدوية التي سيحققها؟ هذا المجلس يحتاج أن ينظر في مطلب قديم مهمل، بشأن ضرورة وجود سلطة قضائية ضمن مكونات المجلس مخولة للنظر في أية خلافات ما بين أعضائه. هذا المجلس يحتاج أن ينظر في مطلب قديم مهمل بشأن ضرورة وجود وزارة في كل مجالس وزارات أعضائه لتهتم بمتابعة كل شؤون المجلس، ومنع حدوث احتكاكات ما بين أعضائه. هذا المجلس يجب أن يراجع موضوع مطلب قديم لوجود توازن معقول بين السيادة الوطنية، التي يملكها كل عضو من أعضائه والسيادة المشتركة، التي يجب أن تكون لها الأولوية عند تعارضها مع الوطنية. فالمصلحة المشتركة يجب أن تعلو فوق المصالح الفردية مهما كانت أهميتها. هذا المجلس يجب أن يراجع تاريخ المواقف المتضادة المتصارعة بين أعضائه بالنسبة للكثير من القضايا العربية والقرارات الدولية. وقائمة ذلك التاريخ طويلة كما يعرف الجميع، ولكن سنذكر بعضاً منها لأهميتها القصوى.
المثل الأول في السودان الشقيق، حيث تسند دولة خليجية، دون إذن ولا موافقة من المجلس، قوة الدعم السريع الميليشاوية بالمال والسلاح والأفراد المرتزقة، بينما تحاول دولة خليجية أخرى إطفاء حريق السودان الهائل بالتعاون مع جهات عربية أخرى. فهل يقبل المجلس أن يتعايش مع مثل هذا الموضوع الشاذ، الذي يتكرر بصور مختلفة في ساحات مثل فلسطين وليبيا ولبنان وسوريا والصومال والعراق، وأمريكا الجنوبية وهيئة الأمم المتحدة، والتعامل مع موضوع التهديد الوجودي الصهيوني برمّته والتعامل مع استباحات الاستعمار الأمريكي والغربي في كثير من ساحات الوطن العربي؟ هل يجوز أن تنتمي دولتان إلى مجلس له قيمه ومبادئه والتزاماته ثم تكون مواقفهما مختلفة ومتصارعة ومتآمرة على بعضها بعضا؟
دعنا نكون صريحين وواضحين: فهناك دول خليجية كادت أن تصبح متخصصة في الخروج على المجلس ومخالفة كل قيمة. هذه الدول يجب أن تشمل الدراسة مصارحتها وإعلامها بأن بقاءها في هذا المجلس يعتمد في المستقبل على مدى التزامها بحدود دنيا من مواقف غالبية أعضاء المجلس، وبروح المجلس العروبية والإسلامية الأخوية، وإلا فلتغادر المجلس وتتبع الخط الذي يريح ويسعد الكيان الصهيوني واللّوبي الصهيوني في أرض ربيبته الولايات المتحدة الأمريكية.
كاتب بحريني