ضباب السرد من القصة القصيرة إلى الرواية: نافذة على «ضباب فوق جبل النجمة»

فاطمة نزال
حجم الخط
0

رواية «ضباب فوق جبل النجمة» للكاتب الفلسطيني زياد خدّاش، صدرت عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان ـ الأردن، الطبعة الأولى عام 2026. تمثل هذه الرواية امتدادا طبيعيا لتجربة خدّاش الطويلة في السرد القصصي، الذي تجاوز أربع عشرة مجموعة قصصية (النوفيلا)، محافظة على أسلوبه الانطباعي، واختزاله اللغوي، وتركيزه على وعي الشخصيات في مواجهة الألم والذاكرة. الرواية تُظهر كيف يمكن لتجربة طويلة في نصوص أقصر أن تشكّل أساسا متينا لتوسيع الفضاء السردي، من دون فقدان التحكم في الإيقاع والعمق النفسي.
يدخل زياد خدّاش الرواية بتردّد من يعرف ثِقل السرد الطويل، ومن خبر طويلا فضيلة الاختزال. القصة القصيرة والنوفيلا لم تغادر طريقته في النظر، ولا إيقاع جملته، ولا شكّه المزمن في الاكتمال. لذلك لا تبدو «ضباب فوق جبل النجمة» انتقالا شكليا إلى الرواية، بقدر ما تبدو امتدادا متوتّرا لمسيرة سردية متراكمة، حيث مدّ أدواته بحذر على مساحة أوسع، وهو واعٍ تماما بما يمكن أن يخسره إن سلّم نفسه للسرد الطويل، من دون مقاومة.
من الصفحات الأولى، لا يَعِد النص بحكاية، ولا يسعى إلى حبكة بالمعنى المألوف. ما يفتحه هو حالة: وعي مثقل، جسد ينهكه المرض، وسرد يختار المهل بدل الاندفاع. الرواية تمشي ببطء، وتعرف أن هذا البطء خيار جمالي.. لا استعجالا في الوصول، ولا رغبة في الإقناع. وكأنه يختبر قارئه: هل تستطيع البقاء داخل الضباب من دون شمس تبدده؟ لم تتكوّن هذه الرواية خارج تجربة السرد المكثف، إنما من داخلها. التفاصيل الصغيرة، المشاهد المبتورة، الاقتصاد اللغوي والاعتماد على الإيحاء بدل الشرح، كلّها تشير إلى يد كاتب ما زال يمسك السرد حتى وهو يوسّع مجاله.
في نوفيلا «السفر إلى كعكة القمر»، تتّسع المساحة أكثر. المكان يصبح لاعبا أساسيا، والزمن أكثر لعبا، لكن الحذر لا يغادر السرد. الرواية تمزج الواقعي بالتخييل العلمي، والحنين بالتوثيق واليومي بالأسطوري، من دون أن تقع في فخ التضخيم. في قلبها سؤال موجِع: هل المعرفة نعمة أم عبء؟ وهل يكفي الحب، حب امرأة حب قرية وطن، لتغيير مسار كُتب بالدم؟ وفي «أنف ليلى مراد»، اشتغل خدّاش على الذاكرة بوصفها شذرات. يظهر الماضي عبر أشياء هامشية، روائح، أسماء ومقاطع لا تدّعي البطولة. كل جزء يقف شبه مستقل، يتجاور مع غيره داخل مناخ واحد من الفقد والالتباس. كتاب يتركك وأنت تشمّ شيئا لا تستطيع تسميته، كأنه محاولة أخيرة لإنقاذ اليومي من النسيان.
هذا التوسع، من النوفيلا إلى الرواية، يُظهر كيف يحافظ خدّاش على خبرته في الاختزال والتركيز على وعي الشخصيات، مع الانتقال إلى مساحة سردية أوسع، ما يجعل «ضباب فوق جبل النجمة» امتدادا طبيعيا لتجربته السابقة، لا مجرد تحول شكلي. في هذه الرواية، لا يقود الحدث السرد. ما يتقدّم هو الوعي تحت ضغط المرض. الجسد نقطة البدء، ومنها يتشكّل الإيقاع المتقطّع، والزمن غير المستقيم، والجمل التي تتوقّف قبل اكتمالها. همّام يكتب بوصفه حالة ذهنية. السرد يلازمه من الداخل، يقترب ثم يبتعد، يترك فراغات متعمّدة، ولا يحاول تنظيم ما يتفكّك. تعتمد الرواية بنية ذهنية، يقوم ثقلها على التراكم التأملي أكثر من التصاعد الدرامي. الحدث موجود ويُستثمر بوصفه محفّزا للتفكير لا ذروة للصراع. الرواية لا تتقدّم بقدر ما تُقيم، ولا تنفجر بقدر ما تُفكّر. وهو خيار يمنح النص عمقا نفسيا واضحا، يثبّت الإيقاع، ويخفّف من التوتّر السردي المتوقع. يُدار السرد عبر راوٍ عليم متداخل، قادر على التقمّص والدخول إلى وعي الشخصيات. غير أن هذا التقمّص لا يفضي إلى تعددية صوتية كاملة؛ إذ يبقى الصوت المركزي مهيمنا، مفسّرا، وضابطا للدلالة. في مواضع عديدة، يتقدّم الشرح على الإيحاء، ويُقال ما كان يمكن أن يُترك للصمت أو للفعل. هذا الاختيار يمنح الرواية وضوحا فكريا، يُضعف أحيانا استقلالية بعض الشخصيات، التي تبدو مفكَّرا فيها، أكثر مما هي متحرّكة داخل الفعل السردي.
المرض في «ضباب فوق جبل النجمة» بنية دلالية حاكمة. الجسد المريض يتحوّل إلى موضع ريبة اجتماعية، لا إلى موضوع تعاطف. المستشفى فضاء مغلق، غير محايد؛ يُعاد داخله إنتاج علاقات المراقبة والنبذ، فيغدو صورة مصغّرة عن عالم أوسع لا يحتمل الضعف. الألم هنا لا يُجمَّل، ولا يُستثمر بلاغيا. يُترك حاضرا كما هو: ثقيلا، يوميا، ومملّا أحيانا. وهذا ما يمنحه صدقه. توظّف الرواية شخصيات واقعية معروفة ـ توفيق الصبّاغ، جبرا إبراهيم جبرا، خليل السكاكيني، فدوى طوقان، فكرية صدقي، وعاموس عوزـ بوصفها ذوات إنسانية. حضورها عابر، محسوب، يثبّت العالم ويمنحه ملمسا واقعيا، من دون أن يجرّ النص إلى التوثيق، أو الاستعراض. يوسف هو أخطر مفاصل الرواية وأكثرها حساسية. يدخل من باب التفاصيل اليومية، من الثقة، من الاعتياد. الخديعة لا تُعلَن، إنما تتسرّب. هو عادي أكثر مما ينبغي، وهذا ما يجعله خطيرا. الاختراق هنا داخلي، من المكان الذي يُفترض أنه محميّ أخلاقيا: المرض.
غير أن الرواية، رغم إدراكها لخطورة هذه الشخصية، تتردّد في دفعها إلى أقصى إمكاناتها. التحوّل يُدرَك ذهنيا أكثر مما يُعاش دراميا. العلاقة بين يوسف وهمّام، المؤهلة لأن تكون قلبا دراميا مزلزلا، تمرّ بهدوء لا يشبه قسوتها المحتملة، وتترك فراغا واضحا في قلب النص. مقارنة يوسف هذا بيوسف «اليعقوبي» لدى عاموس عوز، تكشف موقع السرد لا موقع الأخلاق. يوسف عوز يُمنح لغة، وصوتا، ومساحة دفاع. يوسف خدّاش يُترك في صمته. الأول يتكلّم ليبرّر وجوده، والثاني يكفيه أن يكون في المكان الخطأ. في الرواية الفلسطينية، لا يحتاج يوسف إلى خطاب كي يُدان؛ حضوره وحده كافٍ. الضباب هنا استعارة مكانية وبنية سردية كاملة: التقطيع، التكرار، المشاهد غير المكتملة، الحوار المقتصد، والصمت بوصفه عنصرا فاعلا. جميعها أدوات تنتمي إلى تقنيات القصة القصيرة والنوفيلا، مُدّت على مساحة روائية أوسع دون أن تُصهر في حبكة متماسكة. لذلك تبدو الرواية أحيانا كمنولوج يسير داخل نفسه. هذا الضباب لا يدل على غياب الرؤية، بل على رفض ادّعاء المعرفة. النص لا يريد أن يُفهم بالكامل، ولا يسعى إلى كشف نهائي. يقيم في الالتباس كموقف جمالي وأخلاقي.
«ضباب فوق جبل النجمة» رواية تعرف أين تتوقّف. تمسك الجرح، تُحدّق فيه طويلا، تربت عليه بلطف حتى النهاية. تقف في المنتصف: بين القصة والنوفيلا والرواية، بين الذاكرة والوعي، بين الرغبة في القول والخوف من التبسيط.
قد يكون الوضوح أحيانا شكلا من أشكال الخيانة، لكن الغموض أيضا ـ إن لم يُدر ـ قد يتحوّل إلى تفويت سردي. وفي هذا التوتّر تعيش الرواية، وهي تضع قضية أرض وشعب في قلب نصّ يرفض أن يكون شعارا، لكنه لا يتخلّى عن الجرح.

كاتبة فلسطينية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية