«صندوق الرمل» رواية الليبية عائشة إبراهيم: الغزو الإيطالي واستحضار فداحة الحرب

سارة سليم
حجم الخط
3

يقول إدواردو غاليانو: «كانت الطائرات والسفن مليئة بشباب كانوا يهربون من الحرب والفقر والرداءة، في بلد أجبرهم على أن يكونوا طاعنين في السن وهم لم يُكملوا العشرين من العمر»، وانطلاقاً من مقولة غاليانو هذه يمكن أن ننظر إلى الحرب من زاوية أخرى، كتأثيرها على الجنود الذين يتركون خلفهم بيوتهم، وقصصا لم تكتمل لأجل أوطانهم. فالحرب لها نتائجها المدمرة على الجميع بمن فيهم الجنود الذين اقتادوهم تحت ضغط الفقر والحاجة ليكونوا وقوداً لنار مستعرة لا تنطفئ، وهذا الموضوع تحديداً أي رؤية الجندي للحرب ووعيه بفداحة ما يرتكبه من أفعال، والشرخ النفسي والاجتماعي الذي يصيب الجلاد والضحية على السواء هو ما تطرقت إليه رواية «صندوق الرمل» للروائية الليبية عائشة إبراهيم، إذ نتبع فيها حكاية صحافي اسمه ساندرو كومباريتي تخرج حديثاً من معهد الصحافة في ميلانو، ليجد نفسه مقاتلاً ضمن الحملة الإيطالية الاستعمارية المتجهة إلى ولاية طرابلس الغرب (ليبيا-1911).
ساندرو وقبل تحوله إلى جندي كان مؤمنا بفكرة السلام والحب والموسيقى وحرية الصحافة، وعلى الرغم من أنه نشأ في ظروف صعبة، كون والديه منفصلين وشقيقته توفيت بسبب وباء الكوليرا، وهاجر شقيقه إلى أمريكا، لكن ذلك لم يمنعه من الحلم بأن يعمل في صحيفة كوريييري ديلا سيرا، كمتدرب فيها، ليمارس المهنة التي يحب. لولا أن استدعته الحكومة للتجنيد العام استعدادا للغزو، وحشدت لذلك الخطابات التعبوية والمقالات والقصائد والأغاني الحماسية، ومن أشهرها أغنية «تريبولي بيل سول دامور» للمغنية جيا جارسيندا التي أصبحت الترنيمة الرسمية المحشدة للحرب.
في تقديري أن توظيف شخصية ساندرو بهذا العمق كان موفقا جداً لتقديم نموذج اجتماعي ليس فقط للمواطنين الشباب بل للمدن الإيطالية الطامحة إلى النهضة، وقد كانت فتية حينها وحديثة الاستقلال، بعد أن تحررت من نير الحكم النمساوي. لكن نزعات الكولونيالية أطاحت بحلم ساندرو وحلم إيطاليا برمتها: «كان شيء ما في نفسه يتوق إلى تورينو، إلى أناقتها المفرطة وجنونها المعماري الجريء وأروقة البازيليك والقباب الأهليجية المسكونة بالغموض والأساطير، كان مفتوناً بسحرها منذ أن كسر قيود الطفولة وتخلص من الوقار الكنسيّ الذي سيّجته العائلة والكتب والصلوات، إنه التوق إلى الحرية ولذة الاكتشاف وتشكل الذات، ولم تكن تورينو في نظره إلا وجه إيطاليا الحقيقي بكل تناقضاتها وقومياتها ولهجاتها وهزائمها وأحلامها الرومانسية الوطنية».
وهكذا وجد نفسه مثل كل المراهقين الذين أغرموا بجارسيندا آنذاك، مبحراً على ظهر الباخرة ري أمبيرتو المتجهة إلى طرابلس كجندي في الفيلق الرابع والثمانين مشاة، تقول الرواية: «لاح له في الأفق الصباحي الغائم طيف جيا جارسيندا تنظر إليه دون أن تلوح بيدها أو تبتسم، وخالها تتمطى في فراشها تدهن الزبد على قطعة الخبز الطرية وتلتهمها بأمان قطة مدللة. كان سيبحر على أي حال، حتى قبل أن تقول له إنها تعلّق آمالها عليه، بل قالت آمال الأمة الإيطالية، استدرك مصححاً، فلا بد أن تغلّف امرأة استثنائية مثلها مشاعرها الحميمية بعبارات الكياسة».
وهناك حيث صدمة الرمل الحارق في الصحاري الليبية، نطالع مؤشرات علاقة حب ستنشأ بين ساندرو والصبية الليبية التي تبيع الحليب، هذا الحب الذي ولد في غير مكانه، وفي زمن فقدت فيه القوات الإيطالية الكثير من جنودها في حي المنشية، ليجد ساندرو نفسه مرة ثانية في دور لم يتمناه أبداً، إذ ساهم برفقة الفصيل الإيطالي في قتل عائلة محبوبته، التي اقتيدت إلى أحد السجون الإيطالية. حاول ساندرو بمساعدة الصحافي باولو فاليرا التكفير عن ذنبه، وذلك بالبحث عنها، بغية إيصال صوتها للرأي العام الإيطالي، والكشف عن جرائم إيطاليا في سجن جزيرة أوستيكا وغاييطا.
هنا، نلاحظ أن الكاتبة استخدمت شخصية بائعة الحليب لتتحدث عن معاناة النساء الليبيات داخل السجون الإيطالية، إذ رصدت روائياً جرائم لا تغتفر بحق الإنسانية، وأعتقد بحسب ما قرأت، أن لا أحد تعرض أدبياً لسجن النساء الليبيات في حرب إيطاليا على ليبيا.
استندت الكاتبة إلى المراجع والبحوث التاريخية والجرائد لتقدم قراءة مختلفة من وجهة نظر الآخر لحرب إيطاليا على ليبيا، وكيف يرى الآخر هذه الحرب. فعلى الرغم من بشاعة السجون، إلاّ أن صوت الإنسانية كان حاضراً، واستطاعت الكاتبة أن تقرب القارئ بسردها الذكي وبأسلوبها المتميز الذي لا يشبه أحدا سواها من هذه البيئة أثناء تلك الفترة بالذات. وأعتقد أن روايتها من الأعمال القليلة التي يلاحظ القارئ أنها تقدم له صورة الآخر، وذلك من خلال الصحافة الإيطالية التي كان لها الفضل في تدوين كل ما تعلق بالنساء في السجون وبالحرب ذلك الوقت، إذ اعتمدت فيها على وثائق الصحافي الإيطالي باولو فاليرا والصحافي الإيرلندي فرانسيس ماكولا اللذين تعاطفا إنسانيا مع ما يحدث في ليبيا آنذاك.
عائشة إبراهيم في روايتها هذه لا تستفزك أو تحاول استمالتك لاتخاذ موقف ما تجاه قضية الحرب والاستعمار والسجون والانتهاكات والجرائم، هي فقط تتحرك بك بين الصفحات حاملة مشعل الرؤية، وتجعلك ترى بوضوح ما يحدث، وتترك لك المجال لكي تتبنى موقفك الخاص. فالجندي الإيطالي عندما ركب البحر مسحورا بالشعارات والأغاني الحماسية والوعد بامتلاك المزارع في الأرض الطرابلسية، كان ضحية صورة ضبابية رسمتها له الحكومة، ضحية سياسة روما الاستعمارية التي تريد أن تبني مجدها على جثث الشعوب، ضحية فقر وجهل وأمية. إن جنود المستعمر الذين نراهم في السينما العربية مقطبين وعابسين ويقتلون بوحشية هم في الحقيقة لديهم خلفيات ثقافية واجتماعية هشة نسجتها ظروفهم وحكوماتهم وواقعهم البائس، تقول في جزء من الرواية: «سادت بعض الهمهمة بين مجموعات الجنود الذين وقفوا في غير انتظام، تخبر سحناتهم الهشة أنهم صقليون خاملون من المزارعين والحلاقين وبائعي المثلجات، الذين يحجبون أعينهم عن وهج الشمس ويبكون عندما تعلق نعالهم في الرمل».
وفي الخنادق بإمكانك أن ترى الجنود في حالة من اللامبالاة أو اللامشاعر، فتقول: «كلما كبر الخندق يكبر الشعور بالانصهار في كتلة المجموع، وتتلاشى حواجز الاتصال الفيزيائي بين الجنود لتحيلهم إلى آلة في شكل أفعوانة عظيمة، يتحركون فيها كمجموعة تروس تعمل في صمت بلا مشاعر أو ضجيج. وعلى مدى الأيام التي قضاها الجنود في العمل الشاق تحت لهيب الشمس والغبار، أصبح بإمكانهم أن يصفعوا بعضهم البعض دون اعتراض، وأن يبولوا على بعضهم من دون تذمر، وأن يدوسوا جندياً مريضاً بلا تأنيب ضمير».
وعندما تنتقل الكاتبة بمشعل الرؤية في جانب السجينات الليبيات حيث سجنت أيضا الفتاة بائعة الحليب، هي لا تطلب منك أن تذرف الدموع من أجلهن، بل تضعك في صورة ما حدث بدون استعطاف مخل، تضعك في المشهد وتترك لك وحدك أن تقرر ما تريد أن تشعر به وهنا تقول: «سحبت عالية ذراعيها وأخرجت كتلة لحمية زرقاء نابضة، ما أن مسحت الأغشية حتى صرخ الوليد، زغردت إحداهن وكبّر بعض الرجال وضحك أولاد بحاجة إلى الفرح، أما عالية فقد وضعت الطفل على صدر أمه، ملامسة وجهه لشفتيها اليابستين، بللت رطوبة الجسد الغض جفاف الموت الجاثم على الشفتين، سال خيط من الندى على الشقوق العطشى فأينعت بابتسامة ثم أغمضت عينيها على مشهدها الأخير».
يمكن القول إن من ملامح قوة هذه الرواية أنها لا تثرثر، ولا تقول كلاماً زائداً، رواية هي أقرب إلى فن المحو من فن الكتابة. فهي تمحو الزوائد المحيطة بالصورة ثم تصمت لتجعلك تقرأ بنفسك شيئا غير مكتوب، لكنه يلح عليك بوجوده، وفي هذا اتفق مع ما قاله الناشر في تقديمه على غلاف الرواية الخلفي حيث يقول: «تستند عائشة على براعتها السردية التي تشبه براعة الصحراء بقُدرتها التي تمنحنا إيَّاها على التأمُّل والصمت».
وربما من المهم أن نتابع مشهدا كهذا لنعرف متى يكون الصمت بلاغة تدعو للتأمل: «تسعل حليمة وتدفن رأسها في الوسادة المحشوة بالتبن، تهجس بتوق إلى صباحات حي المنشية، هنالك في ركن آخر من العالم، حيث الهواء المشبع بالريحان وزهر الليمون، رائحة الشاي والخبز والدفء المنبعث من موقد الفحم، صياح الديكة وخوار البقرة وسكسكة الماء من الدلاء المثقوبة، تنقلب على الجانب الآخر، تسمع صوت أطفال يلعبون، وضجيج بهائم في طريقها إلى الحقول، نداء أمها وهي تحضّر دوارق الحليب: حليمة، حليمة، طلعت الشمس ومازلت نائمة، قومي يا بنت».
وطبعا ليس هذا وحده ما يشكل قوة هذه الرواية بل براعة عائشة إبراهيم السردية في استحضار التاريخ روائيا، من دون أن يكون التاريخ هو أساس الرواية بل الرواية هي أساس كل شيء، كما أن ميزة أسلوبها هو أنه غير متوقع، لا يمكن أن تشعر بأن هناك رابطاً بين أعمالها، فكل رواية تبدو وكأنها لمؤلف آخر من حيث كتابتها. فرواية «حرب الغزالة»، التي وصلت إلى قائمة البوكر للعام 2020، ليست لها علاقة بأسلوب كتابة رواية «قصيل»، ورواية «صندوق الرمل» ليست لها علاقة بأسلوب كتابة رواية «حرب الغزالة». كل عمل هو تجربة مختلفة أسلوباً ومحتوى وبناء ولغة، هكذا هي عائشة إبراهيم، متجددة وتفاجئك بأنساق جديدة في السرد دائماً.
عائشة إبراهيم: «صندوق الرمل»
منشورات المتوسط، ميلانو 2022
200 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية