في محاولة لكسب جمهور جديد وشرائح مختلفة من المشاهدين ظهرت بعض المحاولات المبتكرة في تأليف مسلسلات الأجزاء، تقوم على فكرة غير تقليدية، قوامها التغيير المستمر في شكل العمل الفني ومضمونه، إذ يتم التغلب على مشكلة الرتابة والتنميط باللجوء إلى عدم ثبات موضوع المسلسل أو القصة المكتوبة عند حدود معينة في الأجزاء الإضافية المكملة للأحداث، أي التخلي عن النمط التسلسلي في الكتابة بما يشبه الحلقات المتصلة المنفصلة التي كانت رائجة في فترة الثمانينيات والتسعينيات، والتي من أبرز نماذجها الناجحة مسلسل «هو وهي» لسعاد حسني وأحمد زكي.
يأتي التطور الجديد والمختلف في شكل الكتابة الحديثة متمثلاً في تغيير الأدوار والموضوعات شكلاً ومضموناً، بحيث لا تكون هناك صلة بين الجزء الأول للمسلسل والأجزاء الأخرى إلا في حدود الفكرة العامة فقط، بالإضافة إلى عدم الالتزام بأسماء الأبطال الذين قدموا أدواراً وجسدوا شخصيات في الجزء الأول على سبيل المثال، كما حدث في مسلسل «ليالي الحلمية: للكاتب أسامة أنور عكاشة، وبالتحديد في شخصية زهرة التي لعبت دورها في البداية آثار الحكيم، ثم تم استبدالها بإلهام شاهين بعد اعتذار الأولى عن الدور في الجزء الثاني.
هذا الأسلوب الاستثنائي في توظيف الممثل داخل العمل الفني سيكون هو القاعدة في المسلسلات المزمع إنتاجها حديثاً، والتي تم تنفيذ نماذج محدودة منها على سبيل التجريب، كما حدث في مسلسل «صوت وصورة» لحنان مطاوع ونجلاء بدر ومراد مكرم، الذي تم عرضه في عام 2023. وكذلك مسلسل «رقم سري» بطولة ياسمين رئيس وصدقي صخر وناردين فرح تأليف محمد سليمان عبد المالك، وإخراج محمود عبد التواب، وهو ينتمي للدراما البوليسية القائمة على الإثارة والتشويق، حيث تدور الأحداث حول جريمة قتل يتم التحقيق في وقائعها الغامضة لمعرفة الجاني.
بعض الكتاب تبنوا هذه الطريقة في رسم الشخصيات الدرامية لسهولتها النسبية عن الشكل الاعتيادي المتعارف علية والمعمول به منذ عقود، كما أن هذه الطريقة تقدم معالجات مختلفة بخطوط إبداعية متعددة يمكن للمؤلف والمخرج من خلالها تغيير مسار الأحداث بكل بساطة ودون إحداث خلل أو ارتباك في السياق، طالما أنه غير مطالب بعملية التسلسل المنطقي للقصة والسيناريو في كل الحالات، لو تحتم عمل أجزاء إضافية للعمل.
ولهذا اللون الدرامي الجديد، أو شبه الجديد عيوب ومزايا، فمن مزاياه الحرية المطلقة المكفولة للكاتب في توجيه النص إلى حيث يشاء، وتغيير مساره بما تقتضي الضرورة في أي وقت، دون التقيد بشروط معينة تفرض عليه اتباع نظرية الربط المنطقي بين الأجزاء واستمرار الشخصيات ذاتها داخل إطار الحكاية أو الحدث.
كما أن من مزايا الصنف الدرامي المغاير أيضاً، خلق فرص عديدة للوجوه الشابة للمشاركة في الأعمال المنتجة حديثاً بهذه الكيفية، وبالتالي إحداث ثراء وتنوع في الأداء التمثيلي والمذاق الكلي للمسلسل، بالإضافة إلى التطور السريع في الحدث وإشباع رغبة المشاهد في الحصول على ما يرضيه أو يسليه، دون ملل أو انتظار طويل لاستبيان نهاية العمل ونتائجه ووجوه الاستفادة منه على المستوى الإنساني والمعرفي. وإذا كانت هذه هي المزايا فإن العيوب تتمثل في الاستسهال كحلقة أولى في سلسلة الفشل، وعدم اختمار الأفكار بشكل كافِ لتخرج بالمستوى اللائق فنياً وإبداعياً، فضلاً عن تعدد الأنماط المكتوبة والمصورة واستهلاكها كأنواع مسلية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى غياب تام للموضوعات الجادة، كالمسلسلات التاريخية على سبيل المثال، التي لا يمكن إخضاعها لأسلوب الكتابة وفق الطريقة سريعة التحضير، التي يتم الترويج لها لأسباب تسويقية بحتة، في ظل تعطش الفضائيات ونوافذ العرض على المنصات إلى الألوان الخفيفة سريعة التداول والانتشار.
أغلب الظن أن التحديات الاقتصادية هي السبب المباشر لورود مثل هذه النماذج الدرامية ومحاولة نشرها كظاهرة للاستفادة منها كمنتج سريع التجهيز ومضمون العائد، خاصة في فترات التحضير للموسم الرمضاني وحالة التسابق الواضحة لإنجاز ما يمكن إنجازه من مواد درامية تكفي حاجة السوق، مهما كان مستواها جيداً أو رديئاً، طالما أن هناك استيعابا لكل ما يتم إنتاجه دون تمييز ما بين الغث والسمين.
المهم أن تتعدد الأنواع الدرامية، وفق تعدد الأذواق، فلا فرق بين كوميدي وتراجيدي واجتماعي، وفي حال توافر هذه الأصناف مجتمعة تصبح الجودة مجرد عنصر ثانوي غير ذي أهمية أو ضرورة أمام انفتاح السوق على مصراعيه ونهم المستهلك العابر، الذي يبحث بالريموت كونترول عن ما يقتل به الوقت وليس عن المفيد والنافع.
كاتب مصري