من العبارات التي ألِفَها الإنسان المعاصر، المحاصر بأجهزة التواصل والخاضع لسلطان التكنولوجيا الاستبدادي، تلك العبارة التي تقول: «التطبيق الفلاني يريد النفاذ إلى قائمة معارفك»، أو يريد استخدام الميكروفون أو الكاميرا على موبايلك. كلما أنزلت تطبيقاً أتاك منه طلب فوري بالسماح بالنفاذ إلى شيء في جهازك أو خصوصية من خصوصياتك. أما أحدث الطلبات وأعجبها فهو القائل لك بثقة من يتكلم على وجه الإخبار أو الأمر (وليس مجرد الطلب): «كبريات شركات التكنولوجيا تريد النفاذ إلى دماغك».
وإذا لم يكن ثمة اليوم فعلاً تطبيق يحدوه كل هذا الطموح الاستبدادي والطمع السلطاني الطغياني، فإنه يبدو مع ذلك أن المسألة مسألة وقت ليس إلا. ما هي إلا أعوام قلائل ثم لا تعجب أن يأتيك طلب الولوج هذا الذي اختارته نيويورك تايمز عنوانا لتحقيق أجرته ليندا كينستلر عن هذه التكنولوجيا الجديدة التي تسعى لقراءة الدماغ البشري تمهيداً، ربما، للتحكم فيه. ومعروف أن الأدمغة صارت، منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، تتعرض كل آن وحين لقصف شبكات التواصل والخوارزميات المصممة للاستحواذ على انتباه الكائن البشري. أما الآن فإن السرعة الخيالية التي يتقدم بها البحث والتطوير في كل من تكنولوجيا الأعصاب والذكاء الاصطناعي تنذر بما هو أدهى.
ومما تبيّنه ليندا كينستلر في تحقيقها أن الاهتمام، أو الحلم، بالتحكم في الذهن البشري يعود إلى ماض بعيد. من ذلك أن أبكر عمليات الزرع التي أظهرت، إبّان الحرب العالمية الثانية، أن من الممكن التحكم في أدمغة الحيوانات قد أثارت الذعر من إمكان استخدام الاتحاد السوفييتي هذه التكنولوجيا لنشر تعليمات الشيوعية. وقد كان للاستخبارات الأمريكية برنامج تجارب سرية في مجال التحكم في الدماغ لأنه سادت عهدَئذ مخاوف، لم تدم طويلا، من احتمال اندلاع «حروب دماغية». أما اليوم فقد عادت هذه المخاوف بأشد من ذي قبل، تزامنا مع تزايد التساؤلات الحائرة حول دلالات حرية الفكر أو التفكير. فما معنى أن نفكر بحُرية؟ وما معنى أن نطالب بحقنا في حرية الفكر والتفكير وقد آلت بنا الدنيا إلى عصر يزرع التكنولوجيا في صلب أدمغتنا زرعا؟
التكنولوجيا الجديدة … تقوم على ما يسمى التواجُه بين الدماغ والكومبيوتر، أي وضع أدوات صغيرة على سطح الدماغ لالتقاط الأنشطة العصبية التي تنتقل في شكل معطيات، عبر البلوتوث، إلى برنامج يفك شفرتها.
في حوار يهدف إلى استبانة أهم النتائج التي توصل إليها تحقيق نيويورك تايمز، اقتبست كاثرين بنهولد من أغنية شعبية من الفولكلور الألماني مقطعاً يقول: «لا أحد يستطيع معرفتها، لا صياد يستطيع إصابتها، سيكون الشأن دوماً أن الأفكار حرة». ثم سألت زميلتها ليندا كينستلر عن هذه التكنولوجيا الجديدة ما هي؟ فأجابت بأنها تقوم على ما يسمى التواجُه بين الدماغ والكومبيوتر، أي وضع أدوات صغيرة على سطح الدماغ لالتقاط الأنشطة العصبية التي تنتقل في شكل معطيات، عبر البلوتوث، إلى برنامج يفك شفرتها. بحيث إن النشاط العصبي داخل الدماغ يتواصل مع نشاط عصبي خارجه، بما يتيح إعادة بناء مختلف نيّات البشر: ماذا يريدون قوله، وماذا ينوون فعله بأذرعتهم أو أيديهم، الخ.
وقد قامت شركة «نيورالينك» التي يملكها إيلون ماسك بهذه التجربة على اثني عشر شخصاً. وحتى الآن تسخّر هذه التكنولوجيا لتحقيق «استعادة الوظيفة»، أي تمكين المصابين بإعاقة مثل الشلل أو الأمراض الانتكاسية، من استعادة القدرة على تحريك اليد أو استخدام لوح مفاتيح الكومبيوتر، وفي بعض الحالات النطق والكلام من جديد.
ذلك هو الوجه الإيجابي. إلا أن احتمالات سوء استخدام تكنولوجيا الأعصاب أكثر من أن تحصى. فهذه التكنولوجيا القادرة على النفاذ إلى ما يعده البشر أبطن بواطنهم، أي أذهانهم وجوهر أفكارهم، أداة مثالية لتحقيق مختلف الأغراض السياسية أو التجارية. كما أن قدرتها على اقتحام أعمق أعماق الخصوصيات والحرمات وسرعة تطورها تتحديان الفكر القانوني والفلسفي أن يضع قواعد إرشادية كفيلة بمنع وقوع هذه المخاطر المرعبة. والسؤال الأهم، طبعاً، هو: هل في وسع هذه التكنولوجيا القارئة للأفكار أن تبلغ درجة القدرة على تغييرها؟ الاحتمال قائم، وربما يصير قوياً عما قريب، نظراً إلى أن التجارب نجحت في زرع ذكريات خاطئة (أي آلية استذكار أحداث لم تقع) في أدمغة الفئران. كل هذه المخاطر أدت إلى بروز مفهوم قانوني جديد هو «الحرمة العصبية» ولكن بدون اتفاق حول ما إذا كانت هذه الحرمة تتعلق بأفكارنا الباطنية، أم أنها تتعلق أيضاً بالنشاط الكهربائي في أدمغتنا، بحيث تشمل ما نكتبه أو ننقره على الكومبيوتر أو الجوال.
كاتب تونسي