سوريا وأقوامها: المسألة الأخلاقية والدولة أمام امتحان المجزرة

حجم الخط
0

مرة جديدة، تمتحن الحرب بقسوة بُنى السياسة والاجتماع والأخلاق، في نموذج النزاعات الأهلية المتراكمة في المشرق العربي، لذا لا يمكن اختزال المجازر التي استهدفت العلويين في الساحل السوري، بدافع الثأر من مجازر سابقة ارتكبها نظام الأسد وميليشياته، ذاك أن حالة تعبئة عبر المنابر ووسائل التواصل، دفعت فصائل إسلامية متطرفة، تضمّ مقاتلين أجانب، لتشارك في عمليات القتل والنهب وإحراق الغابات والبيوت والممتلكات، التي تجاوزت التصدي لما يسمى فلول النظام المخلوع، وهؤلاء قتلة ومجرمون وتجار ممنوعات، وأخذت شكلاً من أشكال الإذلال وتدمير أسس الحياة.
كما أنه لا يمكن الركون في رد ما حصل إلى العامل الاقتصادي، وتدهور الأوضاع المعيشية في سوريا، وهو سبب وجيه عندما نناقش عمليات التسريح التعسفي الواسعة، ودعوات الخصخصة العشوائية، وغياب الخطط الاقتصادية، وأثر العقوبات وسنوات الحرب على القطاعات الاقتصادية المنتجة، إلا أنه يأخذ منحى تبريريا في بعض النقاشات التي وصلت إلى تحميل الولايات المتحدة مسؤولية المجازر، لأنها لم ترفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا.
فالقتل الذي يستهدف مدنيين في سياق الصراعات الأهلية، هو فعل سياسي معلوم الأبعاد وواضح الدلالة، وواجب الإدانة لأصحاب العقل والضمير من دون ولكن الشهيرة، ولا فائدة من الغمغمة فيه، كما لا فائدة من تبريره، بل المطلوب تفكيك السياق الذي قاد إليه وفهمه، ومعرفته وإخضاعه للمساءلة والحساب، بهدف عدم تكراره مستقبلاً. خاصة وأن صفاقة أصوات التهديد والوعيد لم تخف نفسها، بأن المجزرة المرتكبة هي درس لتأديب بقية السوريين، في استعادة لخطاب النظام السابق الذي طالما اعتبرت أجهزته الإعلامية والأمنية مجزرة حماة درساً لتأديب أي تفكير بالتمرد في البلاد.
لذلك فإغفال المسؤولية السياسية والجنائية تلاعب مكشوف، ومثله إغفال البعد الأيديولوجي الذي يشكل أرضية لقتل الآخر، إذ لا يمكن تجريد الجريمة التي استهدفت مدنيين على الهوية، وهدفت إلى القضاء على وجودهم وسبل حياتهم، عن بناها الأيديولوجية والثقافية، بهذا المعنى البعد الأيديولوجي قدم الأرضية للمجزرة، تمهيداً وتنفيذاً وتبريراً، وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها الأيديولوجيا الأرضية للمجزرة، في سياق الحرب السورية التي تبادل الفاعلون فيها ارتكاب المجازر، وعلى هذه الأرضية جرى استقدام عناصر الميليشيات الأجانب سنة وشيعة طوال سنوات الحرب.
وعلى المستوى اللغوي لا تخلو من دلالة، تردّدُ شتائم مثل أحفاد القردة والخنازير في الفيديوهات المسرّبة. حيث يهدف نزعُ الإنسانية عن الآخر، إلى تجريد فعل القتل من جرميته، وإنزاله منزلة الواجب التطهري والتطهيري، الذي لا يستوجب العقاب، بل يستوجب التكريم ربما، فمن الذي يمكن محاسبته لأنه طهّر الأرض من خنزير نجس وسلالته؟
في المقابل، يبرز خطاب تهدئة النفوس الذي يميل إلى التقليل من حجم الجريمة وأثرها، ليس فقط على ضحاياها المباشرين بل على عموم السوريين ومستقبلهم. يتبنى هذا الخطاب مظهر التوازن، لكنه يخضع لسلسلة من الرقابة الاجتماعية والثقافية على الذات والآخر، حيث يمنع الحديث عن طائفة أو إثنية أو جماعة، ولو كانت مستهدفة بالقتل، أو خطاب التخوين الممهد للمجزرة. هكذا فإن كثيراً من القول الموصوف بالموضوعي أو العقلاني، لا يقول شيئاً في جوهره، بل يحتال على الوقائع، أو كما يقال بالعامية «حكي بلا طعمة».

مرة جديدة، تمتحن الحرب بقسوة بُنى السياسة والاجتماع والأخلاق، في نموذج النزاعات الأهلية المتراكمة في المشرق العربي

من ناحية أخرى تبرز إشكالية مهمة في الثقافة السائدة في سوريا، إذ يتغلب الشفهي على الكتابي، حيث يقال شفهياً ما لا يقال مكتوباً، ويأخذ منحىً مُنحطاً أحياناً، عرفه قبل العلويين كثير من الكُرد السوريين، إذ طالما سمعوا تبرير قتلهم واحتلال منازلهم وتهجيرهم على لسان مثقفين في الجلسات الخاصة، بالمقابل كان المكتوب الذي ينتجه هؤلاء، يعاكس ما يصرحون به أو نسخة مخففة منه.
اليوم مع استهداف العلويين على الهوية الطائفية، من الواضح أن هناك كثيرا من الشفهي المتشفي والمتواطئ مع المجزرة، ولولا الإقامة في أوروبا والخضوع لقوانينها، لكتب وعبّر ربما كثير من المتجاهلين والمراوغين في تأييدها. بهذا على المستوى الشفهي فالمجازر المعنوية مستمرة. وخلال رحلة التمهيد للمجزرة في الأشهر الثلاثة الماضية، والتي شهدت خطابات تدعو صراحة لقتل العلويين ومقاتلتهم على منابر المساجد، إضافة إلى انتهاكات بحقهم على الحواجز وفي بلدات مثل فاحل والزارة، كان يتم التهوين منها بتسميتها «حوادث فردية» أو بالتذكير والتهديد المتعاليين بعدم ارتكاب مجازر واسعة حتى لحظتها، رغم أنها كانت انتهاكات واضحة الدلالة على نهج سلطوي، يسعى لبناء نموذجه الخاص من السلطة القائمة على التغلّب، واستكشاف عصبيته الخلدونية وحدودها.
هكذا تُلحُ المسألة الأخلاقية على أي مقاربة للحروب الأهلية، في مجتمعات المشرق العربي عموماً، وعند الوقوف أمام عري الحقيقة أن شهيد قوم قتل شهيد قوم آخر أو ربما أطفاله، لا يكون الحل بالرواية الرومانسية، رغم أهميتها في بلسمة الجرح مؤقتاً، عن العلوي الذي اختبأ عند السني أو العكس، مع تبدل وتعدد الجماعات المشتركة في سفك الدم، بل بالمصارحة على قاعدة الاختلاف، وفهم تناقضات الآخرين ومشاعرهم ومخاوفهم ومصالحهم، وكيفية فهمهم لها وتعبيرهم عنها كحق لهم، والاعتراف أن الاختلاف ماثل أمامنا على أرضية الاجتماع والاقتصاد، وينتج مظاهره تراثاً وأغاني ولغة وأزياء، وأنماط حياة وممارسة في الفضاءين الواقعي والافتراضي للجماعات والأقوام، في مجتمعات محكومة بأشباه دول منذ انهار نموذج دولة الاستقلال الوطني، وأسلم حدوده للريح. ولا يمكن للقسمة القاتلة التي لا تعرف إلا معسكري الخير والشر أو الوطن والخيانة، أن تفتح باباً للمعرفة والفهم، بقدر ما هي حلبة مبارزة في إنتاج مواضيع الإنشاء الوطنية، وتبادل الابتزاز مع الآخرين.
أخيراً، وبينما انحط نموذج الدولة في سوريا إلى مجرد ميليشيا بين ميليشيات خلال العقد الفائت، ما زال ينظر لها على أنها منتج حداثي غريب عن المتن الاجتماعي، ومفروض على مجتمعات تمتلك تقاليد دينية وأخلاقية تختلف عن هذا النموذج، وبينما سبق واعتبرت كتابات الماركسيين والقوميين كثيراً من هذه التقاليد تخلفاً، تعتبره اليوم كتابات مدرسة ما بعد الكولونيالية أصالةً، تقاوم الهيمنة بالاستناد إلى أطر أخلاقية منجزة وراسخة لا تمتلكها الحداثة.
ضمن هذا السياق نجد أنه رغم انهيار نموذج الدولة الحديثة بمؤسساتها ونظمها، لم تستطع الأطر الأخلاقية والدينية والأعراف الاجتماعية المزعوم أصالتها، أن توقف انحدار المجتمع نحو الحالة الوحشية، في ظل تنصل النخب الثقافية والسياسية والحقوقية من قيم الديمقراطية وحقوق الانسان، التي بنت رأسمالها الرمزي عليها في العقود الماضية، ومناداتها بتبني صيغة من الواقعية الانتهازية، ولو كانت النتيجة مجزرة واستمرار العنف. مع العلم أن الأطر الأخلاقية والدينية التي يُظنُّ أنها مُنفصلة ومقاومة للدولة، باتت شديدة الارتباط بها في سياق تشكل الحداثة في العالم العربي، لا بل اتضح أنه لا يمكنها فرض قواعدها دون الاستعانة بالدولة وأجهزتها من تعليم وإعلام وجيش وقضاء، هذه الأجهزة التي يجري الاستيلاء عليها وتطييفها اليوم في سوريا، بما لا يبشر إلا بتكرار مشهد المجزرة والعنف الأهلي.

كاتب وصحافي سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية